-
-
.. حسام جزماتي
-
في الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد، في 8 كانون الأول (ديسمبر) الحالي، قام وفد رسمي سوري بزيارة قاعدة التنف في البادية السورية حيث تتمركز قوات أميركية تعمل في إطار «التحالف الدولي». ضم الوفد حسن الدغيم، الموجّه المعنوي في وزارة الدفاع من بين مهام أخرى كثيرة، و«العميد» سفيان محمد الشيخ صالح (أبو جابر الشامي من معردبسة) قائد الأمن التابع لوزارة الداخلية في البادية، بعد أن تولى مهام عديدة في «هيئة تحرير الشام» من بينها أميرها في درعا.
أثناء الحفل ألقى الدغيم كلمة عن مكافحة الإرهاب. وبعد انتهائه رقص عناصر من أمن البادية مع الجنود (والجنديات) الأميركان ابتهاجاً بذكرى التحرير وبانضمام سوريا إلى «التحالف».
بعد خمسة أيام من ذلك، في السبت 13 كانون الأول (ديسمبر)، سيُطلق أحد المنتمين إلى أمن البادية النار على وفد أميركي كان يزور مقراً أمنياً سورياً قرب تدمر للاطلاع على خطة لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، فيقتل جنديين ومترجماً من الأميركان ويُصيب بعض رفاقه قبل أن يمزقه الرصاص.
أصاب الارتباك السلطة فسارع الناطق الرسمي، نور الدين البابا، في تصريح لقناة «الإخبارية» الحكومية، إلى اتهام داعش بالعملية رغم اعترافه بانتماء منفذها إلى جهاز الأمن الداخلي التابع لوزارته الداخلية. مُردِفاً أن التحقيقات، التي ستجري مع معارف وأقارب العنصر الذي قُتل، ستؤكد إن كان «يملك ارتباطاً تنظيمياً مباشراً مع تنظيم داعش أو أنه فقط يحمل الفكر». أما في الساعات التالية فقد اعتمدت الحكومة، والأميركان بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب، رواية أن المنفذ داعشي تعرّض لضحاياه في «كمين»، وجرى طمس حقيقة انتمائه إلى قوات الأمن منعاً للإحراج الذي سيترتب على ذلك فيما سوريا ما زالت في أيامها التحالفية الأولى.
لكن مصادر أخرى تكفلت بتقديم معلومات أوضح. فقد كشفت منصة تأكد عن اسم المنفّذ، طارق صطوف الحمد، ونشرت صورته. فيما جمع منشقون عن «هيئة تحرير الشام» معلومات عن سيرته تقول إنه لم يكن عضواً طارئاً في أمن السلطة الجديدة، فقد انتسب إلى قاطع عندان في «جبهة النصرة» منذ العام 2013، وشارك في معارك حلب ثم تحرير إدلب التي عمل في أمنيّتها منذ وقت مبكر، ما أَهّلهُ للانضمام إلى أمنيّة البادية لاحقاً. ويقول هؤلاء، نقلاً عن أصحابه من الأمنيّين والعسكريين، إن أبا صطيف البادية، كما صار يُعرَف، كان من الذين قاتلوا تنظيم داعش منذ نشوئه، وإنه لم يتحول إلى اعتناق أفكاره بدليل أنه لم يستهدف كبار قادة السلطة الذين كانوا يزورون قاطع البادية وأميره أبي جابر، وإنه، في العملية نفسها، لم يوجّه رصاصه نحو قيادات أو عناصر الأمن، الذين تُفتي داعش بكفرهم، بل باتجاه أميركان التحالف الذي كان قد تسبّب في مصرع أحد أصدقائه الجهاديين المقربين في ريف حلب الغربي في العام 2019.
والحق أن سيرة كهذه، لمقاتل لم يُهيّئه أمراؤه للرقص مع الأميركان يوماً ما، من المحتمل أن تؤدي إلى أن يتولى قتالهم بصيغة «الذئب المنفرد» التي لا تستلزم أن يُصبح المرء داعشياً ليسلكها. يعرف هذا جيداً قادة «هيئة تحرير الشام» الذين ساروا بعناصرهم في انعطافة مفاجئة قبل عام، وهم الآن يعاندون الظروف ويسابقون الزمن لتثبيتها في نفوس ذوي الرتب المختلفة أو لتنقية قواتهم، في وزارتي الدفاع والداخلية، من رافضي التغيير.
منذ نشأ التنظيم كانت الحرب عليه محل استثمار؛ سواء من قبل النظام السوري السابق وحلفائه بزعمهم محاربة الإرهاب تحاشياً للتصريح أنهم يقمعون الثورة، ثم باعتماد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على قتال داعش مبرراً لوجودها واستمرار دعمها، وأخيراً بسعي الحكم السوري الحالي إلى سحب هذه الورقة من الجميع في أنحاء البلاد، والاستئثار بها طريقاً لتطبيع علاقاته مع الغرب وغَسلاً لماضيه الجهادي.
من ناحية أخرى أدى الصعود الصاعق لداعش، ولا سيما في العام 2014 وما بعده، إلى شيوع نظرة مؤامراتية عن الاستثمار في التنظيم تقول إنه «صنيعة» جهاز المخابرات هذا أو ذاك، بل حتى إنه نتيجة تداخل أذرع مخابراتية عالمية عديدة لكلٍّ منها حصته. وقد كان يُمكن نقاش هذا الرأي، الخاطئ بلا شك، في سنوات غموض التنظيم وتماسكه تحت قيادة أسماء مستعارة. أما بعد انكشاف بيته الداخلي، بمقتل عدد من «خلفائه» والاستيلاء على حواسيبهم وجوالاتهم وأوراقهم، وباعتقال قسم آخر من قادته وخضوعهم للتحقيق المُكثَّف وحتى ظهورهم على الإعلام؛ فقد صار من البديهي انهيارُ أوهام كثيرة نشأت حوله. إذ تبيّنَ أن حجم الاختراق الذي كان داخله لا يتعدى مستويات صغيرة أو متوسطة، وكان الاختراق زراعةً مخابراتيةً لعملاء بقصد كشف بنية التنظيم ومعرفة تحركاته، لا اختراقَ تسييرٍ وتَحكُّم كما تقول الأساطير الرائجة.
أمّا الاستثمار الثالث في داعش فهو نظريّ، يرى أصحابه أن أفكارها هي التجلي الأكثر وضوحاً للإسلام السياسي، وربما للإسلام كله وخاصة السنّي. ولذلك فهم لا يميزون بين داعش وبين السلطة الحالية أو أي جماعة إسلامية مهما بلغت درجة اعتدالها، فيدعونَ إلى استئصال الجميع. والحق أن داعش لا تكتفي بتكفير جماعات الإسلام السياسي والجهادي بل تُقاتلها حيث أمكن، وتزخرُ أخبار وكالتها الرسمية «أعماق» بعملياتها ضد «ميليشيا القاعدة» كما باتت تُسمّي المبايعين للجماعة الجهادية الأم، وبتفجيراتها لمقرات «ميليشيا طالبان»، ناهيك عن الأحزاب الإسلامية العلنية التي تعمل ضمن منظومات سياسية وتعتمد الديمقراطية فتدخل الانتخابات وتحتل مقاعد في البرلمانات وربما تشارك في الحكومات.
بالعودة إلى حادثة تدمر يبدو أن الذئب المنفرد ليس فريداً. فقد اعتقلت وزارة الداخلية السورية، بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة وجهاز الأمن العسكري؛ أعداداً غير معلنة من المشتبه بتبنيهم أفكاراً مُتشدِّدة بعد هذه الواقعة. ومن الواضح أن حرب السلطة الحالية على داعش ليست أكثر من جزء، وإن كان الأكبر والأخطر، من صراعٍ اضطرت إلى خوضه مع القاعدة الجهادية والإسلامية التي مشت معها طويلاً وحملتها إلى الحكم، سواء أكانت من عناصر «هيئة تحرير الشام» الحاليين أو السابقين أم من حاضنة فصائلية وشعبية أوسع لم تُعِدّها السنوات الفائتة لتقبُّل كل هذه الجرعة من «البراغماتية».
-
