أيوب سعد – صحافي عراقي
هذه الصحوة لا تبدو نابعة من مراجعة ذاتية خالصة بقدر ما هي استجابة لميزان قوى جديد، فرضته الولايات المتّحدة عبر أدوات متعدّدة، سياسية واقتصادية وأمنية، ما جعل استمرار السلاح خارج الدولة عبئاً لا ورقة قوّة. ويظهر خطاب حصر السلاح والعمل السياسي أقرب إلى إعلان خضوع واقعي لقواعد اللعبة الدولية، أكثر منه انتصاراً لرؤية وطنية طالما رُفضت عندما خرجت من أفواه المتظاهرين.
في تطوّر لافت من حيث التوقيت والتزامن، أطلقت شخصيّات وقيادات تمثّل طيفاً واسعاً من الفصائل المسلّحة العراقية، بيانات وتصريحات متقاربة تدعو صراحة إلى ترسيخ مبدأ سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها، بالتوازي مع التشديد على التوجّه نحو العمل السياسي والمؤسّساتي بوصفه المسار الطبيعي للمرحلة المقبلة.
الأمين العامّ لحركة “أنصار الله الأوفياء” حيدر الغراوي، دعا إلى “ترسيخ سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها”، معتبراً أن المشاركة الواسعة في الانتخابات الأخيرة تمثّل “تفويضاً شعبياً واضحاً”، يفرض على القوى السياسية الانتقال إلى منطق الدولة وتعزيز وحدة القرار الأمني، بما يضمن حماية السيادة وصون الاستقرار والمكتسبات الوطنية.
بعدها، صدر بيان مقارب في مضمونه عن قائد “كتائب الإمام علي” شبل الزيدي، الذي دعا هو الآخر إلى حصر السلاح بيد الدولة، مؤكّداً أن “المصادقة على نتائج الانتخابات وما أفرزته من فوز كبير للقوى الحشدية، يضع هذه القوى أمام اختبار وطني وأخلاقي مهم”.
ويُعدّ هذا التصريح بالغ الدلالة، كونه صادراً عن أحد أبرز الفصائل المسلّحة التي لعبت أدواراً أمنية وعسكرية محورية خلال السنوات الماضية، ما يعكس تحوّلاً ملحوظاً في لغة الخطاب، إن لم يكن في طبيعة الدور.
ولم تتوقّف المواقف عند هذا الحدّ، إذ برز حديث عن توجّه “كتائب سيّد الشهداء” بقيادة أبو آلاء الولائي، نحو تعزيز المسار السياسي في إطار ما وُصف بأنه تسليم السلاح إلى الدولة.
من جهة أخرى، رفضت بعض الفصائل مثل “كتائب حزب الله” العراقية وحركة “النجباء” تسليم سلاحها أو حصره بيد الدولة، مشدّدة على استمرار احتفاظها بأسلحتها لحين خروج قوّات الاحتلال، واعتبار المقاومة حقّاً شرعياً للشعوب المحتلّة.
غير أن اللافت في هذا المسار لم يكن فقط صدور هذه التصريحات من جهات مسلّحة، بل أيضاً الترحيب الرسمي بها، إذ أعلن رئيس مجلس القضاء الأعلى شكره لقادة الفصائل على استجابتهم لنصيحته المقدّمة إليهم بشأن التعاون لفرض سيادة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، والانتقال إلى العمل السياسي بعد “انتفاء الحاجة الوطنية للعمل العسكري”.
وتتزامن هذه التطوّرات مع واقع سياسي جديد داخل مجلس النوّاب، حيث باتت القوى المحسوبة على “الحشد الشعبي” تمتلك ثقلاً نيابياً كبيراً، هذا الحضور البرلماني يمنح تلك القوى أدوات تأثير وتشريع لم تكن متاحة لها سابقاً، ما يقللّ نظرياً على الأقلّ من حاجتها إلى السلاح بوصفه وسيلة ضغط داخلية، ويدفعها إلى البحث عن أدوات نفوذ أكثر انسجاماً مع قواعد اللعبة السياسية.
لكن أكثر ما يلفت في هذا التحوّل الخطابي، وربما أكثره إشكاليّة، أن السلاح الذي تُبدي الفصائل اليوم ترحيبها بحصره بيد الدولة أو حلّه، هو ذاته السلاح الذي استُخدم قبل أعوام قليلة في مواجهة احتجاجات تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، حين قُتل وجُرح مئات الشباب العراقيين، واغتيل ناشطون، وخُطف آخرون، في واحدة من أكثر المحطّات دموية في تاريخ العراق الحديث.
ذلك السلاح لم يكن آنذاك “منضبطاً” في نظر الشارع، بل كان رمزاً لانفلات القوّة خارج القانون، وأداة لإسكات مطالب شعبية رفعت شعار الدولة، والعدالة، والسيادة، ورفض الوصاية الخارجية.
لقد كان مطلب نزع السلاح وحصره بيد الدولة أحد العناوين المركزية لـ”ثورة تشرين” نفسها، لا بوصفه شعاراً سياسياً مجرّداً، بل كشرط أساسي لبناء عراق صالح للعيش، ودولة يحكمها القانون لا توازنات السلاح.
يومها لم يُستجب إلى تلك المطالب، بل قوبلت بالقمع، والتخوين، والتشكيك، فيما جرى تصوير المحتجّين كتهديد للنظام السياسي القائم. واليوم، تعود الفصائل ذاتها لتتبنّى الخطاب الذي دفع ثمنه شباب عراقيون بدمائهم، في مفارقة تثير أسئلة أخلاقية وسياسية عميقة حول توقيت هذا التحوّل ودوافعه الحقيقية.
هذا التبدّل لا يمكن قراءته بمعزل عن تراجع قدرة إيران على إدارة نفوذها في العراق، بالأدوات ذاتها التي استخدمتها بعد العام 2003، ثم بعد 2014. فالعراق الذي خرجت شوارعه مطالبة بإنهاء السلاح المنفلت، ورفض التبعيّة، وإعادة تعريف الدولة، هو نفسه العراق الذي يضغط اليوم، بصمت أو بوضوح، باتّجاه إنهاء مرحلة “الساحات” والانتقال إلى منطق المؤسّسات. من هنا، يبدو أن تبنّي خطاب نزع السلاح لم يعد خياراً طوعياً بقدر ما هو استجابة متأخّرة لمسار فرضته الوقائع السياسية والشعبية والإقليمية.
وإذا ما أُخذ هذا التحوّل على محمل الجدّ، فإنه يشير إلى أن إيران وصلت فعلياً إلى ما يمكن وصفه بـ”أنفاسها الأخيرة” في العراق، ليس عبر مواجهة مباشرة أو قطيعة صاخبة، بل من خلال تفكيك أدوات نفوذها الأكثر حساسية “السلاح خارج الدولة”. فحين يُعاد تعريف القوّة بوصفها سلطة قانونية لا فصائلية، وحين يصبح البرلمان بديلاً عن البندقية، تفقد طهران إحدى أهمّ أوراقها في العراق، حتى وإن احتفظت بنفوذ سياسي أو اقتصادي مرحلي.
غير أن العدالة المؤجّلة لضحايا تشرين تبقى اختباراً حقيقياً لهذا المسار، فالدولة التي يُراد لها أن تحتكر السلاح، مطالبة أيضاً بأن تحتكر المحاسبة، وأن تقول كلمتها في ما جرى، لا أن تطوي الصفحة من دون مساءلة، عندها فقط يمكن الحديث عن انتقال حقيقي إلى مرحلة ما بعد السلاح، لا بوصفها تسوية سياسية، بل بوصفها استجابة متأخّرة لمطلب عراقي خالص، كُتب أولاً في الساحات، ثم يُعاد اليوم إنتاجه في البيانات.
ويمكن النظر إلى هذا التحوّل أيضاً بوصفه “صحوة متأخّرة” لأذرع إيران في العراق، جاءت بعد أن أدركت هذه القوى، حجم المخاطر التي باتت تحيط بها داخلياً وخارجياً.
فالتصعيد الأميركي المتكرّر، والضغط السياسي والأمني غير المعلن، إضافة إلى تغيّر قواعد الاشتباك الإقليمي، كلّها عوامل دفعت هذه الفصائل إلى إعادة حساباتها، والانتقال من منطق التحدّي إلى منطق الاحتواء، ومن خطاب المواجهة إلى خطاب التراجع المنضبط.
هذه الصحوة لا تبدو نابعة من مراجعة ذاتية خالصة بقدر ما هي استجابة لميزان قوى جديد، فرضته الولايات المتّحدة عبر أدوات متعدّدة، سياسية واقتصادية وأمنية، ما جعل استمرار السلاح خارج الدولة عبئاً لا ورقة قوّة. ويظهر خطاب حصر السلاح والعمل السياسي أقرب إلى إعلان خضوع واقعي لقواعد اللعبة الدولية، أكثر منه انتصاراً لرؤية وطنية طالما رُفضت عندما خرجت من أفواه المتظاهرين.
غير أن هذا التحوّل، مهما كانت دوافعه، لا يُعفي هذه القوى من مسؤوليّات أخلاقية وسياسية تجاه الشعب العراقي، فالفصائل التي تتحدّث اليوم عن الدولة وسيادة القانون، مدينة باعتذار صريح وواضح للعراقيين، لا سيّما لعوائل ضحايا تشرين، عن سنوات جرى فيها استخدام السلاح والنفوذ لقمع صوت الشارع، وتشويه المطالب، ووأد فرصة تاريخية لبناء دولة طبيعية.
إن القبول بحصر السلاح لا يكتمل من دون الاعتراف بأن هذا السلاح استُخدم يوماً ضدّ مواطنين عُزّل، وأن الدولة التي يُراد استعادتها اليوم، قامت فوق دماء لم تُحاسَب الجهات المسؤولة عنها بعد.
فمن دون هذا الاعتذار، ومن دون مسار حقيقي للمساءلة، يبقى التحوّل ناقصاً، وتبقى الصحوة متأخّرة إلى حدّ الشكّ. إذ لا يمكن بناء مرحلة “ما بعد السلاح” على ذاكرة مثقوبة، ولا على تسويات سياسية تتجاوز العدالة، فالدولة لا تُستعاد فقط بحصر القوّة، بل باستعادة الثقة، وهذه لا تُمنح إلا حين يُقال للضحايا إن ما جرى كان خطأ، ولن يتكرّر.
الصحافي علي عزيز يطرح تساؤلاً يختصر جوهر الإشكاليّة: “ماذا يعني فعلياً نزع السلاح؟ وهل نحن أمام استعداد حقيقي من قادة الفصائل للتخلّي عن تشكيلاتهم العسكرية، وترك أمر إدارة الألوية والسرايا للحكومة، بما يشمل تعيين قادة عسكريين مهنيين غير متحزّبين، أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة صياغة للخطاب؟”.
عزيز يستبعد السيناريو الأوّل، ويرى أن ما يُطرح تحت عنوان “نزع السلاح” قد لا يكون أكثر من “كلاوات (ألاعيب) سياسية”، تقوم على تقديم تعهّدات بعدم استهداف المصالح الأميركية أو حلفائها، وعدم الانخراط إلى جانب إيران في أيّ مواجهة إقليمية محتملة، من دون المساس بالبنية الفعلية للفصائل أو نفوذ قادتها داخل المنظومة الأمنية.
ويذهب عزيز أبعد من ذلك، حين يشير إلى أن أزمة العراق لم تعد محصورة بالسلاح المنفلت وحده، بل في تغلغل قادة الفصائل أنفسهم داخل مفاصل القوّات الأمنية الرسمية، الأمر الذي يجعل الحديث عن الحصر الشكلي للسلاح منقوصاً.
ويستحضر في هذا الإطار تجربة احتجاجات تشرين، حيث سقط عدد كبير من الضحايا بنيران قوّات أمنية نظامية، ما يكشف عن عمق التداخل بين القرارين السياسي والأمني، وعن صعوبة الفصل بين “السلاح الرسمي” و”السلاح الفصائلي” في الواقع العملي.
مع ذلك، تبقى الأسئلة الجوهرية قائمة، هل تمثّل هذه البيانات بداية فعلية لمسار نزع السلاح، أم أنها إعادة تعريف لوظيفته ضمن منظومة الدولة؟ وهل يستطيع العراق، من خلال هذا التحوّل، أن يستعيد عافيته وسيادته، وأن يشرع فعلياً في تجفيف منابع النفوذ الإيراني الذي ارتبط تاريخياً بوجود الفصائل المسلّحة؟
“القادم هو قطع نهائي لذراع إيران في العراق، سياسياً وعسكرياً، وبأسلوب الضغط الناعم” هكذا يصف الكاتب رسلي المالكي متغيّرات الوضع العراقي.
ويرى المالكي أن هذا المسار، إذا ما اكتمل، قد يُفضي إلى “أزمة اقتصادية قاتلة للنظام الإيراني”، ويفتح الباب أمام تحوّلات كبرى داخل إيران نفسها، تصل بحسب رأيه إلى “انتهاء عصر الثورة الإسلامية في المنطقة”.
في المقابل، تعكس تصريحات منسوبة إلى عضو الكونغرس جو ويلسون ومارك سافايا مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى العراق توجّهاً سياسياً أكثر مباشرة، إذ يؤكدان أن “إعادة العراق عظيماً مرةً أخرى”، تمرّ عبر “إنهاء الوجود الإيراني” في البلاد، في تعبير يعكس مزاجاً سياسياً وإعلامياً متنامياً، يرى في تحجيم النفوذ الإيراني شرطاً أساسياً لاستقرار العراق وتعافيه.
غير أن مقاربة هذه الآراء، على حدّتها تفرض قدراً من الحذر، فالنفوذ الإيراني في العراق لا يُختزل بالسلاح وحده، بل يتجلّى أيضاً في شبكات سياسية واقتصادية واجتماعية تراكمت على مدى سنوات طويلة.
وبالتالي، فإن أيّ تحوّل حقيقي باتّجاه “مرحلة ما بعد السلاح” يتطلّب استراتيجية شاملة، لا تكتفي بنزع الأدوات العسكرية، بل تعالج أيضاً جذور النفوذ وآليّاته داخل مؤسّسات الدولة والمجتمع.
وعليه، فإن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بتحويل الخطاب السياسي المتقدّم إلى إجراءات ملموسة، تبدأ بإطار قانوني واضح، وتُستكمل بخطوات تنفيذية شفّافة، تضمن عدم بقاء السلاح ورقة ضغط كامنة خارج الرقابة المؤسّسية، عندها فقط يمكن القول إن العراق دخل فعلاً مرحلة جديدة، عنوانها الدولة أوّلاً، والسيادة فوق كلّ اعتبار.
موقع درج