
كاتب صحفي سوري
في ظل الحديث السياسي عن شكل ومستقبل الإدارة السورية والحكم في سوريا في ظل الدستور القادم، تطرح الأطراف المختلفة على الساحة السورية تصوراتها لشكل وكيفية الحكم في سوريا، هذا الطرح يتراوح بين حكومة مركزية سياسية في دمشق، كما يراه غالبية السوريون، وهو توجه الحكومة السورية، مع قوانين تدعم اللامركزية الإدارية، والذي يبدو مقبولاً أيضاً للكثير من السوريين، فيما تطالب قوى أخرى بالفيدرالية كأحد أشكال الحكم والادارة في سوريا.
وحول الفيدرالية وأبرز التجارب الفيدرالية الناجحة والفاشلة في العالم، تبرز كثير من الأسئلة تصب في سؤال هل تنجح الفيدرالية في سوريا؟
تعرف الفيدرالية على أنها نظام حكم يقوم على توزيع السلطة بين حكومة مركزية وأقاليم أو ولايات تمارس قدراً معيناً من الحكم الذاتي، بحيث تحافظ على الوحدة السياسية للدولة مع منح الفروع الإدارية المحلية صلاحيات واسعة.
نشأت الفيدرالية السياسية الحديثة مع تأسيس الولايات المتحدة الأميركية عام 1787، ثم توسعت لتشمل تجارب مختلفة في بلدان أخرى مثل سويسرا وألمانيا وبلجيكا.
تجارب فيدرالية ناجحة وأخرى فاشلة
التجربة الأميركية التي اعتمدت على دستور يمنح الولايات صلاحيات واسعة مع هيئة مركزية تواجه تحديات استمرارية الدولة الموحدة، بحيث يكون القرار السياسي الموجه للسياسات الخارجية وقرارات الأمن والسلم والحرب مركزية، بينما تتفرد الولايات بباقي القوانين الداخلية، خاصة تلك المتعلقة باقتصاد الولاية والقوانين الجزائية والاحكام وبعض السياسات الخاصة المتعلقة بكل ولاية على حدة.
تتميز التجربة الأميركية بأنها قامت بعد حرب بين الولايات من جهة، وبأن سكانها يتكلمون الانكليزية كلغة واحدة بشكل شبه كامل.
التجربة السويسرية: الكانتونات السويسرية التي بنيت على تعاون مناطقي متعدد القوميات واللغات، حيث بلغ عدد الكومونات 3022 كومونة ذات حكم ذاتي. وتمتاز بأنها إدارة سلمية متعددة القوميات واللغات ومع ذلك تنضم تحت دولة فيدرالية واحدة.
التجربة الألمانية: بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أُنشئت فيدرالية قوية مكونة من 16 ولاية، للتوزيع الدقيق للسلطات وحماية الديمقراطية بعد تجربة الاستبداد المركزي النازي.
في المقابل، من التجارب الأقل نجاحاً أو الفاشلة نوعاً ما تجربة العراق؛ فبعد بعد العام 2003 شهد العراق تأسيس فدرالية ذات طابع عرقي وطائفي، لكن بعثراتها وعواقبها على الاستقرار. تقوم الفيدرالية العراقية على أساس التوزيع العرقي لكنها ليست تجربة كاملة لأسباب تتعلق بالعلاقة بالمركز وتوزيع الثروات.
الحالة السورية
تشبه الحالة السورية، بعض التجارب التي شهدت تنوعاً ديمغرافياً وطائفياً يعقد تطبيق الفيدرالية، خصوصاً مع تداخل المجتمعات في المدن وعراقة الإقصاء المركزي الذي مارسته دمشق.
الفيدرالية في سوريا ليست مجرد آلية إدارة، بل مشروع سياسي وثقافي وقانوني يحتاج لثقافة دستورية راسخة ونظام سياسي تشاركي من المجتمع الذي يقبل التنوع ويستخدمه قوة، وهو يحمل أسباب فشله داخله.
التجربة السورية شهدت محاولة فاشلة تحت الانتداب الفرنسي، حين جُرب تقسيم البلاد إلى كانتونات طائفية في 1920، ولكنه انهار بحلول 1936 عقب إدراك كارثيته الأمنية والسياسية.
ففي عام 1920، طرح الملك فيصل والذي كان يحكم سوريا حينها، نظاماً فيدرالياً أو تحالفياً كنظام حكم لسوريا، وكان هذا الطرح جزءاً من مشروع سياسي سبق وأن قدمه حزب الاتحاد السوري عام 1919.
نص الدستور السوري الأول لعام 1920، الذي صاغته لجنة دستورية برئاسة هاشم الأتاسي، على إقامة حكم اتحادي أو نظام لامركزي واسع في البلاد، حيث تكون سوريا دولة اتحادية مكونة من مقاطعات ذات مجالس نيابية وحكومات محلية، مع احتفاظ السلطة المركزية ببعض الصلاحيات الأساسية.
كما تضمن الدستور تنظيم المقاطعات بشكل يحدد مجالسها وشروط انتخابها والقوانين التي يمكنها إقرارها، بالإضافة إلى مسؤولية الولاة أمام البرلمان. لكن هذا الدستور لم يُطبق فعلياً أكثر من 11 يوماً بسبب دخول الجيش الفرنسي دمشق بعد معركة ميسلون وفرض الانتداب الفرنسي على سوريا.
قامت فرنسا بتقسيم سوريا إلى عدة دويلات في إطار نظام فيدرالي شكّلت الدولة الفيدرالية السورية عام 1922، شملت دول دمشق، وحلب، وجبل الدروز، وجبل العلويين، إلى جانب كيان لبنان الكبير. رغم محاولة فرنسا تقديم الدعم لهذا النظام الفيدرالي، فإنه لم ينجح في توحيد البلاد عملياً، وواجه معارضة واحتجاجات محلية، وانتهى في 1925 بإعلان الدولة السورية الموحدة.
لذلك، تطبيق الفيدرالية في سوريا سنة 1920 تمثّل في دستور اعتبر سوريا دولة اتحادية ذات حكم لامركزي، لكنه لم ينعكس في تطبيق فعلي مستدام بسبب الاحتلال الفرنسي وتجزيء سوريا إلى دويلات فيدرالية متعددة، مع إلغاء النظام الفيدرالي لاحقاً لصالح النظام المركزي الفرنسي، مما أضعف الفيدرالية كمشروع سياسي في تلك الحقبة.
الفيدرالية في سياق دولة مثل سوريا تواجه تحديات بينها: ضعف مؤسسات الدولة المركزية وصعوبة الانتقال إلى نظام مركب، وتفاقم الصراعات القائمة على أساس طائفي وإثني التي يمكن أن تتحول إلى تقاسم سلطة هش في حال تم اعتماد النموذج الفيدرالي، واحتمال استغلال الفيدرالية لتقسيم البلاد جغرافياً وسياسياً، حيث تصبح بوابة لتقسيم على أساس عرقي أو طائفي، وغياب ثقافة دستورية وسياسية تدعم المشاركة والتنوع وتتجاوز منطق الغالب والمغلوب.
الفيدرالية ليست حلاً سهلاً أو جاهزاً في دول مثل سوريا. نجاحها يتطلب شروطاً سياسية واجتماعية وثقافية دقيقة، وفهماً عميقاً للسياق الوطني، مع ضرورة التخطيط المؤسسي الطويل الأمد والعقد الاجتماعي الجديد الذي يعترف بالتنوع كمورد لا كتهديد.
المصدر جريدة الثورة السورية