ملخص
جاء ريكي وتاليسين وميكا وأحمد من عوالم مختلفة وخلفيات ثقافية ودينية مختلفة، فأحمد من أرض “هواء القلب” وهو المعنى للاسم الآرامي لإدلب (إد: هواء ولب: قلب)، فيما سجل ريكي وتاليسين وميكا ملحمة إنسانية مضحين من أجل الدفاع عن آخرين في أرض الأعاصير، الاسم الفرنسي القديم لولاية أوريغون.
الرابعة والنصف عصراً يوم الـ 27 من مايو (أيار) عام 2017، وعلى متن قطار في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون شمال غربي الولايات المتحدة الأميركية، ركبت المحجبة الصومالية الأصل والية محمد (17 سنة) مع صديقتها المراهقة الأميركية السوداء ديستني ماجنوم (16 سنة)، وفجأة قفز عليهما رجل في الثلاثينيات من عمره وبدأ يصرخ بوجههما ويوجه لهما الشتائم العنصرية وينفث عبارات الكراهية والعداء.
جيريمي كريستيان عنصري أبيض (35 سنة) يصيح ويهتف “الموت للمسلمين، عودوا لبلادكم، لا نريد المسلمين في بلادنا، عودوا للسعودية”.
خافت الفتاتان وتوجهتا إلى آخر القاطرة تحاشياً لهذا المعتوه الذي يتطاير الشرر والشر من عينيه، فلحق بهما وواصل التعدي اللفظي عليهما مقترباً منهما وبيده سكين طويلة، فارتعدتا من الخوف وبدأتا البكاء والنواح والاستغاثة.
ضج الركاب من تصرف هذا الأخرق المجنون، وتحركت الشهامة الإنسانية داخل ضمير الموظف المدني في حكومة الولاية ريكي بيست (53 سنة)، فحال بينه وبين الفتاتين وطلب منه أن يتركهما وشأنهما، وساعده بالتدخل وتصوير الحادثة لتوثيقها رجل آخر يعمل مستشاراً وناشطاً اجتماعياً اسمه تاليسن ميتشي (23 سنة)، فحالا بينه وبين الفتاتين وعاونهما الطالب الجامعي ميكا ديفيد كول فليتشر (21 سنة).
نالَ الرجال الثلاثة، وقد كانوا بيض البشرة ومسيحيي الديانة، ما نالهم من الشتائم والألفاظ السوقية من الجاني جيريمي كريستيان، وشتمهم لدفاعهم عن الفتاتين المسلمتين واتهمهم بالخيانة لوطنهم، وفجأة شرع ودون سابق إنذار في طعنهم بسكينه الطويلة الحادة كالسيف البتار في رقابهم.
استغرقت عملية الطعن العنيفة 12 ثانية فقط، فسقط ريكي بيست صريعاً وتوفي على الفور، بينما نقل تاليسن ميتش إلى المستشفى لكنه سرعان ما فارق الحياة، وأيضاً نُقل الطالب ميكا فليتشر الذي أصيب بجروح خطرة إلى المستشفى ونجا بأعجوبة، فترملت زوجة ريكي بيست وتيتم أطفاله الأربعة، ثلاثة أولاد وبنت واحدة كان عمرها 12 سنة.
تذكرت هذه القصة أثناء متابعتي الأخبار في الـ 14 من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، والتي تقول إن مسلحيْن أسترالييْن من أصول باكستانية قاما بإطلاق النار عشوائياً على مواطنين في شاطئ بونداي بمدينة سيدني الأسترالية، مستهدفيْن تجمعاً لليهود الأستراليين خلال مناسبة دينية يهودية، وكان قرب أحد المسلحين رجل سوري اسمه أحمد الأحمد (43 سنة) قدم إلى أستراليا عام 2007 وأصبح مواطناً أسترالياً وافتتح دكاناً يبيع فيه السجائر والخضراوات والفواكه، وكان دكانه قريباً من الشاطئ فتابع المشهد عن قرب، ودفعته نخوته وشهامته الإنسانية إلى القفز على أحد المهاجمين وانتزاع بندقيته من يده وإطلاق النار عليه، منقذاً أرواحاً لا أحد يعلم كم ستكون لو لا تدخله المغوار وانقضاضه على أحد المهاجمين.
خاطر أحمد بحياته وتلقى رصاصتين من المهاجم الآخر أثناء انتزاعه سلاح المهاجم الذي كان قرب دكانه وكاد أن يفقد حياته من أجل إنقاذ الآخرين، تاركاً وراءه عائلته وابنتين في عمر ست وثلاث سنوات.
جاء ريكي وتاليسين وميكا وأحمد من عوالم مختلفة وخلفيات ثقافية ودينية مختلفة، فأحمد من أرض “هواء القلب”، المعنى للاسم الآرامي لإدلب (إد: هواء ولب: قلب)، وسجل ريكي وتاليسين وميكا ملحمة إنسانية مضحين من أجل الدفاع عن الآخرين في أرض الأعاصير، الاسم الفرنسي القديم لولاية أوريغون، وقد تابعت الحادثتين أو الملحمتين الإنسانيتين اللتين تذكرنا بأن الخير في الإنسان أينما كان، وبأن ما يجمعنا كبشر من البقاء والتعايش أقوى وأهم مما يفرقنا، وأنه تعدد الإنسان والإنسانية واحد.
اندبندنت عربية
