في الذكرى السنوية الأولى لسقوط نظام الأسد، يقف السوريون أمام لحظةٍ تاريخيةٍ تستدعي التأمل العميق؛ لا لشيءٍ إلا لسرعة التغيير وفجائيته، وبغرض اللحاق به لتأطير نتائجه والاستفادة من مكاسبه. يجب فتحُ فصلٍ جديد من التساؤلات العميقة حول سوسيولوجيا السوري وعلاقته بالدولة والمجتمع. وهذه فضيلة الحدث ومزيّته، بهدف عبور البرزخ الضيّق بين ذاكرة الحرب الدموية وحلم الدولة المُشتهى؛ بينما يظلّ الشعور قائماً بأن عاماً واحداً لا يكفي لتفكيك مداميك “مزرعة الأسد” وإبطال مفاعيل سطوتها، وسط مشهد داخلي ملتهب تتجاذبه الاضطرابات الأمنية والخلافات السياسية، وتفاقمه الأزمات الإنسانية.
ومن الضرورة بمكان التذكير بمدى عمق الحفرة التي وجد السوريون أنفسهم فيها لحظة التحرّر؛ وهي فجوة متنامية تشكّل خطّ الصدع الأول الذي يرسم مسار البلاد المُقبل، ومن المحتمل أن تُفضي إلى تبديلٍ نوعي في أولويات “أجندة الانتقال”. فالمؤيّدون احتفوا بالإنجازات “الخجولة” للحكومة الجديدة، وعدّوها محطّات فارقة، بعد وسم الرئيس السوري المؤقت بـ”المخلِّص المُقدَّس”. أمّا المنتقدون، فيرون بداية تفاعل عميق بين الديني والسياسي لا يمكن فهمه إلا في إطار عملية بناءٍ عبثية، تترك آليات الرقابة والمساءلة غائبةً على نحوٍ لافت. في موازاة ذلك، تُرصَد أنماط مقلقة من العنف الانتقامي في سياقاتٍ تُعيد تعريف السوريين على أساس الانتماء المذهبي والعرقي، في غياب استراتيجيةٍ متكاملةٍ للعدالة الانتقالية. وكلُّ مُكوِّنٍ سوري يلهث في ماراثون استباقي وقائي لاختيار التحالف أو المواجهة، ودافعيته الذاتية لذلك إحساسُه بالتهديد داخل مهاترات طائفية لا طائل منها، فاتحاً أبوابَ صراعٍ وجودي مجّاني بدلاً من بناء شراكة وطنية حقيقية.
ومهما يكن من أمر، الذاكرة السورية مثقلة بدوافع الكراهية في أكثر أشكالها توحّشاً وشهوانيةً للانتقام، فيما تفتقر السلطة الجديدة إلى خطّةٍ ناجعةٍ لإدارة التنوّع؛ تتبنّى إصدار الفتاوى الدينية في أمور السياسة من دون مراجعة فكرية جادّة، تُلغي مفهوم التقدير الاجتهادي للترجيح بين المصالح والمفاسد. أمّا التحريض الإعلامي الممنهج فيعزّز الخوف المُتبادَل بين المُكوِّنات السورية بصورةٍ خطيرة، تدعمه الأحداث الوحشية من مجازر طائفية هنا وهناك، إلى خطابات إعلامية تُشيطن جماعات بعينها، وتجفّف منابع التعايش بكلّ غوايتها الجاذبة، في إطار المغالبة لا المشاركة، وصولاً إلى التغيير الديمغرافي لبعض المناطق.
ونتيجة لهذه الوقائع القاسية يدخل السوريون فصلاً جديداً من “مديح الكراهية الشعبوية” الذي لم ينبت من العدم، إنما من ميكانيزم العنف الرمزي والمادّي لنظام الأسد، الذي عزّز الشروخ الوطنية وهدم الجسور. وكلُّ مكوّن يمتحن الآخر من منظور التهديد أو الأمان؛ يتملّكه مزاج طائفي محموم أقرب إلى “أخلاقيات اليأس العدمي”، يستحضر شهية السعار الطائفي على حساب شجاعة التفكّر والتعقّل.
المشهد السوري الراهن بالتأكيد شديد التعقيد، بينما تسير عملية الانتقال السياسي بخطى بطيئة أدخلتها مرحلةَ جمودٍ لغياب المسارات الواضحة، فضلاً عن تهديداتٍ أمنية وضعت العلاقة بين المركز والأطراف على حافّة الحوار المتشنّج عن نمط حكمٍ “لامركزي” مستقبلاً. في المقابل، كثيرٌ من المكوّنات الدينية والقومية ينظر بريبة إلى الحكومة الجديدة باعتبارها عودة محتملة لهيمنة إسلامية خالصة، وسط شيوع مظاهر تطرّف شاذّةٍ عن المجتمع السوري المنفتح، في وقتٍ يدور الحديث عن اتفاقٍ مُعلَّق مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وبرلمان إقصائي، وإعلانٍ دستوري انتقالي مصدره الرئيسي للتشريع هو الفقه الإسلامي، وحوار وطني عجول أفرز توصيات غير ملزمة… إلخ. وسط هذا كلّه يقف السوريون أمام سؤال جوهري: هل يقود حكم هيئة تحرير الشام إلى عقد اجتماعي جديد، أم إلى إعادة إنتاج شكل آخر من ممالك العبث والفوضى؟
وبالتساوق مع ما تقدّم، ثمّة ما يشي بأنّ الآمال العريضة التي وضعها السوريون على الإدارة الانتقالية قد تخبو تدريجياً، رغم أنها لا تتحمّل مسؤولية تآكل الجذور البنيوية للدولة السورية. خارجياً، بالتأكيد تحرّرت البلاد من عزلةٍ خانقة، وأُعيد فتح قنوات انتهت إلى رفع عقوبات قانون قيصر بالكامل. وعليه، وإذا كانت الدبلوماسية أبرز نجاحات المرحلة الانتقالية، فلم يعد ممكنًا تأجيل معالجة الثغرات الداخلية، بينما المخاطر تتزايد من تحوّل الإحباط الشعبي المتنامي إلى شرخٍ سياسي حاد. ولعلّ الارتباك الحالي ينطلق من واقعٍ شديد الهشاشة، ما يدفع مراقبين للإشارة إلى أنه لا يجب قياس الإنجاز بالتقدّم إلى الأمام، وإنما بمنع الانزلاق المستمرّ إلى القاع. فالنسيج السياسي السوري مهلهل، والمشكلة أخلاقية أكثر منها سياسية، أمّا الوجوه التي تتسيّد الفضاء العام فمتواضعة الخبرات، في حين أنّ مهامها جسيمة.
في “سورية الجديدة” (بعد إصدار مجلس الأمن قراراً يقضي بشطب اسمَي الرئيس المؤقّت أحمد الشرع ووزير الداخلية من قائمة العقوبات الدولية، محاكاةً للقرار 2254 مع إدخال عنصر ردعي جديد يرتبط بالبند السابع من ميثاق الأمم المتحدة) يتنازع السوريون بين احتضان التغيير وانعدام اليقين؛ خصوصاً أن الجدل لم ينتهِ بعد حول ما فعله الإسلام السياسي في بلدان مثل مصر وتونس. فالإجابة عن جلّ الأسئلة المصيرية لا تزال غير واضحة لدى القيادات الجديدة التي تتعامل مع مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان بصفتها طلاسمَ مبهمةً؛ لذا نرى ترتيبات تنهار تلو أخرى، واتفاقات متناقضة، وشخصيات تختفي بعد الانتشار. وهذا طبيعي للغاية، بل ومتوقّع في حالة السيولة غير المنضبطة داخل تنظيم شديد المركزية والانغلاق، تلتبس عليه الحدود الفاصلة بين الدعَوي والسياسي، مراهناً على استعراض فائض القوة من دون استيعاب التحوّلات الديناميكية المتسارعة ما بعد حكم الأسد. على سبيل الذكر: بعد تنظيم فعّاليةٍ في حلب لإحياء ذكرى طوفان الأقصى، ثم إلغائها، ردّدت قواتٌ من الجيش السوري الجديد شعارات داعمة لغزّة خلال عرضٍ عسكري نظّمته وزارة الدفاع في إطار فعّاليات الذكرى السنوية الأولى للتحرير. ما شكّل، في الحالتَيْن، حساسيةً كبيرةً لدى إسرائيل التي لوّحت بـ”حتمية” الحرب مع سورية، على اعتبار أنّ أطماعها ليست ذاتيةً صِرفةً فقط، وإنما جزءٌ منها حربٌ بالوكالة عن قوى غربية تدرك الأهمية الاستراتيجية لسورية؛ التي، ولأنها مفتاحٌ لأيّ تغيّرات جوهرية في قلب المنطقة، لم تنقطع عنها الحروب يوماً.
وقد توجد الظروف الحالية مسوّغاتٍ ملحّةً (حماية “الأقليات” ومحاربة مليشيات جهادية تكفيرية) للدفع بسيناريو التقسيم؛ بدلالة توعّد الرئيس الأميركي بالردّ القاسي على مقتل جنديَّيْن أميركيَّيْن وإصابة آخرين إثر هجومٍ في تدمر نفّذه عنصرٌ في جهاز الأمن العام، يُرجَّح امتلاكه أفكاراً متطرّفة، بحسب متحدّثٍ في وزارة الداخلية السورية. ليأتي إعلان وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بدء عملية “عين الصقر” على مواقع تنظيم داعش في سورية… إلخ.
ختاماً، لن تقف الدهشة عند السرعة والطريقة التي أسقطتْ نظام الأسد، بل في إجهاض نشوة السوريين في ظلّ موسم جديد من التنافس المحتدم على النفوذ والسيطرة؛ تتقاطع فيه التحدّيات الجسيمة مع الفرص العظيمة. مودّعين عاماً مفصلياً في تاريخ سورية حمل عناوين بارزة: “فزعات” العشائر، حلف “الأقليات”، “أكثرية أُموية” متشنّجة، “أقلية” حاكمة متشدّدة…، تكشف جميعها ما بطن من “الألغام السورية” وما ظهر. فارتدادات زلزال سقوط الأسد ستخربط إحداثيات الكيان السوري وتشوّهه ما لم تنتقل الحكومة الجديدة من موقع استغلال رصيد المظلومية “السُّنية” إلى استراتيجية سياسية براغماتية تبني الثقة مع الداخل السوري وتقلّص المواجهة مع خارجه، لتغدو النقيض الكلّي للنظام السابق بفساده واستبداده.
العربي الجديد