ملخص
أعادت الصين توظيف مساعداتها الخارجية كأداة نفوذ جيوسياسي، مركزة على المنظمات الإقليمية بدلاً من الدولية. من خلال زيادة الدعم للدول التي تتولى رئاستها الدورية، تعزز بكين قدرتها على توجيه الأجندات الإقليمية وحماية مصالحها، في ظل تراجع الدور الأميركي، مما يفرض على الغرب إعادة صياغة استراتيجياته للمنافسة والتعاون.
خلال وقت سابق من هذا العام، وبعدما أوقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عملياً عمل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أكبر برنامج مساعدات ثنائية في العالم، تصاعدت المخاوف من أن تسارع الصين لملء الفراغ الجيوسياسي. فالوكالة كانت لأكثر من سنة عقود أداة رئيسة للدبلوماسية الأميركية، وانسحاب واشنطن أتاح لبكين فرصة لتوسيع نطاق سياساتها الاقتصادية وكسب نفوذاً إضافياً في عدد من مناطق العالم.
خلال العقدين الماضيين وسعت الصين بصورة هائلة حجم وأنواع مساعداتها الخارجية، إذ لم تتلق سوى 17 دولة حول العالم بين عامي 2000 و2023 أي قرض أو منحة من الحكومة الصينية أو مؤسساتها المملوكة للدولة. ومنذ إطلاق مبادرة “الحزام والطريق” عام 2013 تجاوزت استثماراتها تريليون دولار، مما أثار قلق الغرب في شأن طموحات بكين، على رغم أن استراتيجيتها لا تزال غير مفهومة بالكامل.
وعلى رغم أن برنامج التنمية الصيني يبدو للوهلة الأولى عشوائياً، فإن التدقيق يكشف عن أنه يستهدف دولاً تقود منظمات إقليمية. فعندما تتولى دولة رئاسة تجمعات مثل رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان) أو الاتحاد الأفريقي، ترتفع بصورة ملحوظة مساعدات بكين لها، في حين لا ينطبق ذلك على منصات عالمية مثل مجلس الأمن الدولي. بكين لا تسعى للهيمنة على كل الساحات، بل تختار بعناية ما يخدم أهدافها طويلة المدى.
من هنا، فإن على صناع السياسات الساعين لإصلاح برامج المساعدات الخارجية الخاص ببلادهم أو الساعين لمواجهة النفوذ الصيني أن يفهموا تلك الاستراتيجية على نحو أفضل، ومعها طريقة بناء النفوذ في عالم متعدد الأقطاب.
الإقليمي أهم من الدولي
على رغم شروع الصين في تقديم المساعدات الخارجية منذ خمسينيات القرن الماضي، فإن برنامجها للتنمية الدولية تسارع على نحو لافت بعد أزمة عام 2008 المالية. وبين عامي 2000 و2021 أنفقت الصين قرابة 68 مليار دولار خلال العام بعمليات تمويل تنموية في الخارج. المعدل الوسطي الأميركي في المقابل، خلال الفترة عينها بهذا المضمار، بلغ قرابة 39 مليار دولار في العام.
وعلى رغم أن البرنامج الصيني ذو نطاق عالمي، يكشف البحث الذي أجريته أن بكين تزيد مساعداتها للدول عندما تتولى رئاسة منظمات إقليمية. ففي جنوب شرقي آسيا وأفريقيا، بين عامي 2000 و2017، حصلت الدول التي ترأست “آسيان” أو الاتحاد الأفريقي على تمويل يفوق سبعة أضعاف ما كانت تتلقاه خلال الأعوام الأخرى، بزيادة تصل إلى 90 مليون دولار. في المقابل عندما تتولى دولة ما دورها التناوبي في مجلس الأمن الدولي تبقى المساعدات الصينية ثابتة، في حين تشهد المساعدات الغربية ارتفاعاً. وهذه دلالة على اعتماد بكين استراتيجية مدروسة تركز على البعد الإقليمي.
بالنسبة إلى عدد من المراقبين في واشنطن قد تبدو المنظمات الإقليمية هامشية مقارنة بالمنظمات الدولية ذات الحضور الوازن مثل الأمم المتحدة. إلا أن بكين ترى هذه المؤسسات منابر مهمة للدبلوماسية والتنسيق الاقتصادي، خصوصاً في المنطقة المعروفة بالجنوب العالمي. فالصين منذ زمن وضعت نفسها في موقع زعامة هذا الجنوب، وهي كثيراً ما تنتقد أوجه اللامساواة السائدة في النظام الذي يقوده الغرب. إذ إن النظام الذي تتصدره الولايات المتحدة، كما وصفه دبلوماسي صيني رفيع عام 2016، بأنه إطار لم يعد يلائم الواقع. ومن خلال الاستثمار في التكتلات الإقليمية، مثل “آسيان” و”الاتحاد الأفريقي”، تقوم الصين بتعزيز موقعها ذاك، مقدمة نفسها كزعيمة لنظام عالمي جديد.
تعزيز النفوذ في هذه المنتديات يمنح الصين قدرة على صد الانتقادات ودفع أجندتها الخاصة، التي غالباً ما تتعارض مع أولويات الغرب. من خلال مكافأة الدولة التي تتولى الرئاسة، تستطيع بكين توجيه النقاشات الإقليمية نحو قضايا تخدم أهدافها. فعندما ترأست كمبوديا “آسيان” عام 2012، منعت صدور بيان ينتقد تحركات الصين في بحر الصين الجنوبي، ضمن سابقة في تاريخ التكتل. بعد شهرين، وعد رئيس الوزراء الصيني بمنح كمبوديا قروضاً ومنحاً بقيمة 500 مليون دولار. وخلال إعلانه التفاهمات مع بكين أشار وزير المالية الكمبودي أيضاً إلى أن الصين “أظهرت تقديراً كبيراً” لدور كمبوديا برئاسة “آسيان” وفي الحفاظ على “حسن التعاون بين الصين وهذه الرابطة”.
وبمناسبة قريبة زمنياً، خلال اجتماع قمة “الاتحاد الأفريقي” بأديس أبابا عام 2024، اتفق الأعضاء على فرض حظر شامل لتجارة جلود الحمير المثيرة للجدل والمستخدمة في الطب التقليدي الصيني، بعدما أدى الطلب المتزايد من الصين إلى ارتفاع كبير في هذه التجارة، مما انعكس سلباً على النساء في المجتمعات الزراعية الريفية اللاتي يعتمدن على الحمير في التنقل.
والجدير ذكره هنا أن الاتحاد الأفريقي – الذي كانت ترأسه موريتانيا آنذاك – تجنب لوم الصين في هذه المسألة وقدم الحظر حصراً على أنه هادف إلى حماية الموارد الأفريقية. وخلال وقت لاحق من ذاك العام، خلال قمة “منتدى التعاون الصيني – الأفريقي” لعام 2024، رفع شي علاقة الصين بموريتانيا إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مثنياً في السياق على الرئيس محمد ولد الغزواني لقيادته الحكيمة للاتحاد الأفريقي بدورة رئاسته الحالية. وزادت الصين أيضاً على هامش القمة دعمها الاقتصادي لموريتانيا، وذاك تضمن اتفاق تبادل للعملة بقيمة 281 مليون دولار.
كشف الطبقات
الزيادة الكبيرة في دعم الصين لرؤساء المنظمات الإقليمية تقتصر على المساعدات الحكومية المباشرة، مما يشير إلى أن الأموال الصينية ليست كلها ذات طابع سياسي. قد يبدو ذلك مفاجئاً لبعض، إذ تعتمد دول غربية كثيرة على وكالات حكومية مثل الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لتقديم المساعدات، بينما لا تمثل المساعدات الحكومية سوى نحو 10 في المئة من إجمال محفظة الصين للمساعدات الخارجية. أقرب نظير صيني للوكالة الأميركية هو “وكالة التعاون الإنمائي الدولي” الصينية، إلى جانب وزارات أخرى أبرزها وزارة التجارة، التي بلغ إجمال موازنتها السنوية عام 2023 نحو 3 مليارات دولار، مقارنة بموازنة الوكالة الأميركية البالغة 42 مليار دولار خلال العام نفسه.
الجزء الأكبر من التمويل الصيني يأتي من بنوك سياسات مملوكة للدولة وبنوك تجارية، التي توازن بين الأهداف الاستراتيجية والحاجة لاسترداد القروض. وبما أن هذه البنوك مملوكة للدولة، افترض كثر أن كل التمويل الصيني يعكس استراتيجية حكومية. لكن القروض من هذه البنوك لم تتبع النمط نفسه الذي اتبعته المساعدات الحكومية، ولا الأموال الموجهة إلى جهات غير حكومية في الخارج. هذا يكشف أهمية التدقيق في هوية الجهات المانحة والمتلقية. فوكالات الحكومة الصينية هي الأكثر ميلاً لاستخدام المساعدات لتحقيق مكاسب جيوسياسية مثل الدعم الإقليمي. وتحدث تلك التعاملات السياسية بين ممثلين حكوميين لأن الوكالات الحكومية توفر للقادة قدرة أكبر للتحكم التقديري والاستنسابي، مما يسهل استخدام تلك الأموال لتأمين الدعم الدبلوماسي أو فرض التنازلات السياسية.
أما البنوك الصينية فتتصرف مثل نظيراتها الغربية، إذ تستند قرارات الإقراض إلى الجدارة الائتمانية والجدوى المالية. وفي الخلاصة، فإن أكثر صور المساعدات الصينية تأثيراً سياسياً تأتي من الوكالات الحكومية، التي لا تمثل سوى جزء صغير من المحفظة الإجمالية، مما يعني أن التمويل الصيني ليس كله أداة للنفوذ الاقتصادي لبكين.
الوصول المتأخر
على الولايات المتحدة والديمقراطيات الليبرالية الأخرى الساعية لمنافسة الصين عالمياً أن تستخلص دروساً عدة من هذه الحقائق. أولاً، عليها أن تدرك أن ساحة المعركة الجيوسياسية تتغير. فبينما ركزت دول غربية على الدفاع عن القيم الليبرالية في المؤسسات العالمية، كانت الصين تكسب نفوذاً بهدوء داخل الهيئات الإقليمية. هذه المنظمات تلعب دوراً محورياً في صياغة الخطط الوطنية للتنمية المستدامة وإدارة الأزمات ومنع النزاعات، وتوفر مؤشرات مبكرة على الانقسامات وتحدد المعايير التي توجه الاستجابات الدولية. حتى الأمم المتحدة عززت شراكاتها مع هذه المنتديات أخيراً، إدراكاً لأهميتها في التنمية والسلام، فيما يعيد مسؤولون غربيون التفكير في كيفية ترميم الثقة معها بعد ردود الجنوب العالمي المتباينة على غزو روسيا لأوكرانيا.
بمعنى آخر، لم يعد بالإمكان التعامل مع المنظمات الإقليمية كمنتديات هامشية. ففي عالم متعدد الأقطاب، تبرز كيانات مثل “آسيان” والاتحاد الأفريقي كنقاط ارتكاز أساس للتنسيق الدبلوماسي والاقتصادي، إذ تمثل مناطقها نسبة متزايدة من سكان العالم وتشكل بؤراً ساخنة لقضايا التجارة والأمن. قرارات هذه الهيئات باتت مؤثرة بصورة متزايدة في السياسات الدولية، مما يجعل الانخراط معها وفق شروطها، والاستثمار في قدراتها وصدقيتها، أمراً ضرورياً لضمان بقائها منفتحة وشاملة وقائمة على القواعد.
وأن فهماً أعمق لبرامج المساعدات الصينية أصبح مطلوباً. فليس كل التمويل الصيني إشكالياً أو دليلاً على تدخل بكين، وليس كل المساعدات عبارة عن حيل ومناورات سياسية. التمييز بين أنواع المانحين والمتلقين يكشف أين تسعى بكين إلى النفوذ وأين لا تفعل، مما يساعد صناع القرار على تحديد متى يجب مواجهة جهود الصين ومتى يبقى التعاون التنموي ممكناً.
عصر الهيمنة الأميركية المطلقة بعد الحرب الباردة انتهى، وحل محله زمن جديد من التنافس الدولي. ومع إيقاف الولايات المتحدة مساعداتها الخارجية، يصبح فهم تفاصيل النفوذ الاقتصادي الصيني أكثر أهمية من أي وقت مضى. على صناع القرار تحليل أين وكيف تتدفق الأموال الصينية، لأن ذلك يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها رؤية أوضح لتركيز بكين الاستراتيجي، وربما يتيح لهم صياغة رد أكثر دقة وفاعلية.
أليشيا تشين مرشحة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية بجامعة ستانفورد. حازت عام 2025 جائزة “بيري وارلد هاوس – فورين أفيرز” للباحثين السياسيين الصاعدين
مترجم عن “فورين أفيرز”، 3 ديسمبر (كانون الأول) 2025
