إذا أردنا أن نتوقع احتمالات ما يمكن أن يحدث نتيجة استبدال العملة السورية المزمع إجراؤه بدءاً من بداية العام القادم، فإنّه يجب علينا مقارنة الشروط المتعارف عليها عالمياً لاستبدال العملة في مواجهة الواقع السوري. هذه المقارنة تبيّن أنّ المشكلة ليست في غياب شرط واحد يمكن تعويضه، بل في غياب منظومة كاملة من الشروط، وعلى رأسها تشظّي المجال الاقتصادي، الذي لا يعمل كعامل مستقل، بل كمضاعِف لكل اختلال آخر.
أولاً، من حيث وحدة المجال الاقتصادي، سوريا اليوم لا تشكّل سوقاً واحدة. الجغرافيا منقسمة، والسلطات متعددة، وأنماط التداول تختلف جذرياً بين المناطق. هذا يعني أن العملة لا تتحرك ضمن فضاء متجانس، بل ضمن مساحات لها قواعدها الضمنية الخاصة. في مثل هذا الواقع، لا توجد آلية واحدة لقبول العملة، ولا سرعة تداول واحدة، ولا حتى مرجعية سعرية واحدة. هذا التفكك وحده كافٍ لإضعاف أي عملية استبدال، لأنه يمنع تطبيقها بشكل متزامن ومتكافئ، ويجعل نتائجها متفاوتة منذ اليوم الأول.
ثانياً، الاستقرار السعري غير متحقق. التضخم في سوريا ليس ظرفياً ولا منخفضاً، رغم تراجعه خلال العام الماضي، بل مزمن ومتراكم، ويعكس خللاً بنيوياً في الاقتصاد وفي تمويل الدولة. في بيئة كهذه، لا تُمنح العملة الجديدة فرصة لبناء سمعة مختلفة، لأنها تدخل السوق محمّلة بتوقعات سلبية جاهزة. تجزئة السوق هنا تزيد المشكلة تعقيداً، لأن التضخم لا يظهر بالشدّة نفسها في كل المناطق، ما يؤدي إلى اختلافات إضافية في الأسعار والقوة الشرائية، ويعمّق فقدان الثقة بالعملة كوحدة قياس مشتركة.
ثالثاً، قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية محدودة. الأدوات التقليدية، مثل التحكم بسعر الفائدة أو إدارة الكتلة النقدية عبر السوق المصرفية، ضعيفة أو شبه غائبة. في اقتصاد موحّد، قد يُعوَّض هذا الضعف جزئياً عبر أدوات تنظيمية أو توقعات منسجمة، لكن في اقتصاد مجزّأ، تفقد هذه الأدوات ما تبقى من فعاليتها. القرار النقدي لا ينتقل بسلاسة، بل يتكسّر عند حدود الجغرافيا والسيطرة.
رابعاً، قدرة الإنفاذ والتنفيذ غير متكافئة. استبدال العملة يتطلب سحباً منظماً للنقد القديم وضخاً متوازناً للجديد ورقابة على التداول، وهي شروط غير متوافرة في كل المناطق. هذا الواقع يفتح الباب أمام استبدال جزئي وقنوات غير رسمية وفروقات سعرية مناطقية، ومضاربة تقوم على الجغرافيا لا على القيمة الاقتصادية.
ويتجلى هذا الخلل أيضًا في آلية الاستبدال نفسها، ولا سيما البدء بالفئات الكبيرة (1000 و2000 و5000) مع تأجيل الفئات الصغيرة. هذا الخيار لا يبدو تقنياً محايداً، بل يمكن قراءته إما كمحاولة لتخفيف العبء اللوجستي في اقتصاد مجزّأ، أو كخيار مرتبط بالفئات الأكثر استخداماً في التخزين والإنفاق العام. وبحسب التجارب المقارنة، نادراً ما أسهم هذا المسار في بناء الثقة أو تحقيق استقرار مستدام، وغالباً ما قرأه السوق كإشارة ضعف إضافية لا كخطوة إصلاحية.
خامساً، الاستقرار المالي العام غير قائم. العجز المزمن، وضعف الإيرادات، والاعتماد على تمويل العجز بطبع عملة جديدة، تعني أن أي عملة جديدة ستتعرض سريعاً لضغوط إعادة العملية نفسها. في ظل التجزئة، يصبح هذا الخلل مضاعفاً، لأن الدولة لا تملك قاعدة ضريبية موحّدة ولا قدرة متجانسة على التحصيل، ما يزيد الاعتماد على أدوات نقدية ضعيفة أصلاً.
ما يجعل التجزئة خطيرة في السياق السوري هو أنها لا تعمل كخلفية محايدة، بل كعامل نشط يعيد تشكيل سلوك السوق. في سوق منقسم، لا تُختبر العملة الجديدة على أساس قدرتها على حفظ القيمة فقط، بل على أساس مكان استخدامها، وسهولة تصريفها، والمخاطر المرتبطة بحيازتها. هذا السلوك عقلاني من منظور الأفراد، لكنه مدمّر لأي سياسة نقدية تسعى إلى التوحيد.
الخلاصة أن الظروف السورية لا تُظهر نقصاً في شرط أو اثنين يمكن معالجتهما تدريجياً، بل غياباً متزامناً لوحدة السوق، والاستقرار السعري، والقدرة المؤسسية، والإنفاذ المتكافئ. التجزؤ هنا ليس تفصيلاً إضافياً، بل الإطار الذي يجعل كل خلل آخر أكثر حدّة. في مثل هذا الواقع، يصبح استبدال العملة خطوة عالية المخاطر، لا لأنها مستحيلة تقنياً، بل لأنها تُطرح في اقتصاد لا يملك الشروط التي تسمح لها بأن تعمل كما يُفترض لها نظرياً. والمقصود بالمخاطر أساساً هو الخطر الأكبر المتمثل في التضخم.
المصدر نورث برس
