بعد رحلة شاقة لاكتشاف قبر والدي، طلب ابني، أن نذهب إلى أحد الجوامع العديدة الموجودة في شارع الجزماتية، لنصلّي صلاة الجمعة. اخترت أن أذهب إلى آخرها، جامع منجك، ولكن عند وصولنا كان المصلّون قد انتهوا من صلاتهم. أجج المكان صورا من ذاكرتي السحيقة حين أخذني جدّي – وكنّا نسكن قرب فرنه في «زقاق الطالع» – إلى ذلك الجامع. كان ذلك حدثا عجيبا بالنسبة لطفل الثامنة الذي كنته، فمع انتهاء الخطبة وقبل أن ينفضّ الناس، وقف الشيخ المعروف حسن حبنكة الميداني، الذي اشتهر بخصومة مع نظام الأسد الأب، ليلقي قصيدة عن حجّه إلى مكة المكرمة. رشح في داخلي، وكنت مفتونا بسيرة عنترة وسيف بن ذي يزن والتغريبة الهلالية، إحساس يتخلل فيه السحر العالم، عبر الحكايات والشعر والأبطال الخارقين.
دخلنا لاحقا على بائع عطور، في القيمرية، تبيّن أنه كذلك من حيّ الميدان، وكان يشرح لنا الخلطات التي ابتكرها، وشممنا مركّبا غاليا جدا من زيت وردة الجوريّ الدمشقية. سألته مازحا إن كان ماهر الأسد تواصل معه لمساعدته في تقطير الكبتاغون ففاجأني برواية غريبة.
قال إن التلفزيون السوري بث لقاء معه تحدّث فيه عن ندرة زيت الوردة الشامية، وكيف أن مليمترا منه يعادل في سعره غراما من الذهب. اتصلت به الصحافية التي أجرت اللقاء وقالت، إن حديثه أثار اهتمام «السيدة الأولى» أسماء الأخرس – الأسد، وأنها وجّهت أعوانا لها لاستثمار مكان في جبل براح الذي تنبت فيه وردة الجوريّ لإنتاج ذلك الزيت الثمين.
يذكّر ذلك طبعا بالقصة التي أضحت فضيحة لاحقا حين قامت مجلة «فوغ» بتقديم «بروفايل» لأسماء أطلقت عليها فيه لقب «وردة الصحراء» و»وردة دمشق» وهو ما تم اعتماده من قبل وسائل إعلام غربية، قبل أن تتوضّح، مع سنوات التوحّش اللاحقة، أن تلك الوردة كانت شريكة رئيسية في إدارة جمهورية الرعب والقتل السورية.
في منزل إدوارد شهدا
في دمشق القديمة كان يجب أن نمرّ بمحل «بكداش» للحلويات والبوظة الدمشقية شديد الاكتظاظ بالزوار، وشهدنا فيه عراضة دمشقية، وهو أمر سيحصل مرات عديدة أمام محلات كإعلان عن افتتاحها، كما حصل في الجزماتية والصالحية والقيمرية، وستكون تلك العراضات، بالرايات المرفوعة للثورة، ومضامين الأغاني المنشدة، بما في ذلك التحيّات الموجهة لمناطق الثورة إعلانا واضحا عن مزاج نفسيّ منطلق وعن انقلاب كبير طرأ على البلد (أحدها حيّا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب!).
في طريقنا مررنا بمدرسة وجامع للشيعة، وكنائس للمسيحيين، ووصلنا إلى حارة اليهود. تشير هذه الطبقات الدينية والاجتماعية والآثارية التي تحيط بالجامع الأمويّ إلى عنصر مهم في عمران واجتماع المدينة القديمة يحتاج قراءة خاصة به. كانت بعض البيوت في حارة اليهود ما تزال مهجورة. نجح رجل الأعمال السوري أيمن أصفري في تحويل أحد العقارات الكبيرة إلى مقرّ لجمعية «مدنية» الخيرية شديدة الفاعلية والنشاط، وبعض البيوت تشغلها وكالة «أونروا» لغوث اللاجئين الفلسطينيين. قيل لنا إن بعض المسؤولين الكبار كانوا قد وضعوا أيديهم على بعض تلك الأملاك قبل أن يفرّوا مع من فرّ. وصلنا إلى بيت الفنان التشكيلي إدوارد شهدا وزوجته، وهي فنانة أيضا. أخذنا صورا للبيت الذي يفيض بالطمأنينة. تذكّرنا بيت صديقه الفنان الفوتوغرافي محمد الرومي في منطقة الباستيل في باريس. أرانا صورا للوحة كبيرة عن شهداء الرأي، أنجزها وهي تذكر بغيرنيكا بيكاسو، بمعانيها وحجمها. تحدثنا عن فنانين آخرين لديهم مراسم في الحي مثل مصطفى علي وعبد الله مراد وغسان نعناع. حكينا عن خلافه مع وزيرة الثقافة السابقة لبانة مشوح حول اللوحة آنفة الذكر.
انطلقنا بعد ذلك إلى منطقة القشلة المليئة بالمقاهي البديعة وصالات الفن والكنائس والفنادق الفاخرة، التي تستوحي تراث المدينة مثل فندقي نظام وبيت الوالي. دخلنا دكانا لبيع الأثريّات وتفاجأنا بخزانة قديمة عليها العلم السوري الجديد ـ القديم. قال البائع إن وجود العلم سببه أنها من زمن الخمسينيات. بدا الأمر استعارة بديعة للعودة إلى زمن يحنّ إليه أغلب السوريين. مررنا مجددا بالقيمرية وصولا إلى باب توما وقد هبط الليل، وسمعنا مطربا عراقيا يغني في واحد من المطاعم العديدة في المنطقة. تغزّل المغنّي بالخمر وأطلق موالا جريئا في مضامينه الجنسية والدينية. كان ذلك أيضا إعلانا عن حاجة الحكام الجديد للتسامح مع تقاليد المكان وسكانه وسيّاحه، على أمل أن تتحوّل الحاجة إلى تقاليد وأعراف تمتحّ من لطف التدين الشاميّ، واعترافه بالتنوع الديني والطائفي والقومي لسوريا.
رئيس وزراء ليتوانيا لاجئا سوريا
استعاد مقهى «الروضة»، وسط دمشق (تأسس عام 1937)، عصرا ذهبيا للنقاشات السياسية والثقافية من دون مخبرين يُحصون أنفاس الناس. عاد المثقفون والصحافيون والكتاب والممثلون والمخرجون، واكتست لقاءاتهم حيوية كانت أنظمة البعث قد أصابتها بالعقم، وعاد المكان ملتقى للفعاليات الفكرية والسياسية. جلست إلى طاولة وسيعة ضمّت زملاء عاملين في شؤون الثقافة والصحافة كان بينهم بشير البكر، ويعرب العيسى، وأحمد جاسم الحسين، وخليل صويلح، وجانبلات شكاي. كان هناك أيضا باسم القاسم وهو كاتب وطبيب أسنان من الرقة، وعجوز حبور محب للأدب من عائلة الجربا المعروفة، كان مديرا قانونيا لشركة أرامكو السعودية، وقد طلب مني أن أسلّم على الروائي الصديق فواز حداد، نظيري في الإقامة في لندن. كان الحسين من أوائل من وصلوا إلى دمشق بعد سقوط النظام، ما جعله مرجعا في تفاصيل حركة السياسة والثقافة والمجتمع. أثّر بي، ضمن القضايا العديدة التي تناولناها، تحليله لظاهرة الأطفال الموجودين في الشوارع، وتفاؤله بمستقبل البلد، رغم التعقيدات والإشكاليات التي تبدو مستعصية الحل، ونصائحه لأفضل المطاعم، والتلوّث الذي يطال البشر والحيوانات، ونقص المياه، والدائرة المتواصلة التي تغذّي العنف بين العمران والاجتماع والسياسة.
حدّثني يعرب العيسى عن رصده 18 حادثة تشابه فيها سقوط السلطنة العثمانية مع سقوط الأسد… بما فيها مجيء الجراد، وأعجبني رأيه في أن أحد عوامل الواقعة السورية العظيمة، كان أن الناس نخروا النظام بالذهب الذي دفعوه لضباط المخابرات فأدى ذلك إلى تنازع المؤسسة الأمنية بين مستفيدين مسترخين من خراب البلاد، وحاسدين وحاقدين ومسحوقين. في حادثة مثيرة للتأمل أيضا، تحدث يعرب، كيف شهد في يوم سقوط النظام، عشرات البشر وهم «يعفّشون» ما يسمى «فرع فلسطين» (أحد المراكز الكبرى السابقة لـ»تعفيش» الأرواح والأجساد)، وشاهد أشخاصا يحملون تلفزيونات وكومبيوترات وحتى أسلحة.
تنافست والعيسى بتعداد الطرق التي اتبعها السوريون في سنوات المقتلة الكبرى للوصول إلى بلدان اللجوء. ذكرت له حكاية السوريّ الذي تنكّر على شكل حاخام، وآخر زوده المزّورون بجواز سفر رئيس وزراء دولة اسكندنافية، وحادثة سجّلها فيلم للشاعر، ومؤسس دار «المتوسط»، خالد سليمان الناصري، عن فريق تمكن من اجتياز حدود عدة عبر زعم أفراده أنهم مرافقون لعروسين في طريقهما لعرس.
تفوّق العيسى عليّ بقصة مجموعة اخترعوا فريقا رياضيا وتواصلوا مع فريق كوريّ ثم سافر الفريق كله عبر خط ترانزيت إلى بلد أوروبي، ثم طلبوا اللجوء فيما كان الكوريون ينتظرون وصولهم، كما حكى لي عن مجموعة أخرى أعلنت عقد مؤتمر «علويون من أجل الثورة السورية» في إسبانيا، وأن المؤتمر كان مجرد واجهة للجوء المنظمين والمشاركين.
كاتب من أسرة «القدس العربي»