(1)

رغم أنّ المسألة الكرديّة تشكّل لغزاً تاريخيّاً ومعرفياً في مسار نشوء الشرق الأوسط، إلا أنّها تعرّضت لتهميشٍ مزدوجٍ من السياسة والتفكير. فمن ناحية، لم تبذل القوى الدوليّة الكبرى أي جهدٍ يُذْكَر لإنصاف الكُرد حقوقياً، ومن ناحية، لم تلفت المسألة الكرديّة انتباه النظريات القومية الحديثة. دوماً، الطريق هو من النظرية المجرّدة إلى المحسوس الكرديّ، ولم يحاول أحدٌ العكس، أي الانطلاق من المحسوس السياسي الكردي إلى عالم النظرية القومية المجرّد. دوماً استنباط ومن النادر الاستقراء. اللغز الكردي هو أنّ جماعات إثنيّةٍ، أصغر حجماً وأقل نفاذاً إلى مناصب السلطنة العثمانية، حجزت مقعداً أمامياً مبكّراً لها في قطار القومية، بتبنّي إيديولوجيات قومية وإعلان برامج سياسية تنفيذيّة. بالمقابل، تأخّر ظهور النزعة القوميّة الكرديّة حتّى الربع الأول من القرن العشرين.

لِمَ هذا التأخّر؟

القومية الرابعة في الشرق الأوسط ظهرت بالضبط بالتزامن مع صعود أشكال عنيفةٍ من القومية التركية. كلاهما، القومية العربية والقومية الكردية، كانتا ردّاً على التتريك، ولكنّ الكردية لصيقة أكثر ومتفاعلة بشكلٍ أقرب مع التتريك. هنا نظرٌ لأحوال الكرد بتركيا في الفترة المتأخّرة من الإمبراطورية العثمانية، إذْ لا يجب النظر إلى الكُرد بمعزلِ عن أوضاع جماعات مشابهة في نسيج السلطنة العثمانية. لِمَ كُرد تركيا؟ لأنّ موقع كُرد تركيا في المسألة الكردية، بأهميته وتأثيره ومركزيّته، هو مشابهٌ لموقع مصر في المسألة العربية، على حد تعبير معروف للسياسي الكردي الراحل جلال الطالباني. نقطة المحرق هي التفكير بمسارات التأثٌر والتفاعل بين مُتغيّرَيْن: التشكُّل القومي للإثنية الكردية والسياسات القهرية لدولة التتريك ما بعد العثمانية.

تاريخياً، كانت كردستان مصطلحاً جغرافياً وتحديداً إقليمياً، ولم تكن يوماً حدوداً قومية. في امبراطوريات العرب والفرس والعثمانيين، اكتسب الأكراد سمعة عسكرية مرموقة كمقاتلين لا يشق لهم غبار. ورغم الأصول الكردية الأكيدة لصلاح الدين الأيوبي (1138- 1193)، إلا أنَّه عُرِف كقائد إسلاميّ حَرّر القدس من الفرنجة سنة 1187. ومن غير المرجّح أنّ صلاح الدين ورفاقه الأكراد قد فكّرواً يوماً في هوية سياسيّة كردية مُسيّجة ومكتملة بذاتها. ولو كانت الهوية الكردية تقود صلاح الدين، لما منح سهل شَهْرَزُور الخصيب (بالكردية Şarezûr) في قلب كردستان، كإقطاعيّة للجنود المماليك الأتراك!

خلال فترة الإمبراطورية العثمانية، تقلّد الكرد مناصب عسكرية كبيرة وكراسي حكومية بارزة وساهموا في إدارة السلطنة. في الجيش كانوا مسلمين مخلصين، وتمتعوا كجماعة بقدرٍ كبير من الحكم الذاتي. حتّى الربع الأوّل من القرن العشرين، كان الكُرد فعالين في الحركة الوطنية التركية، وبذلوا دماءهم في حرب الاستقلال التركية بين عامي 1919- 1923. لم يفهم الكُرد حرب الاستقلال ككفاحٍ قومي تركي، بل كصراع إسلامي ضد الغزو المسيحي من الغرب ومشروع الدولة الأرمنية من الشرق. والدليل، هو أنّه في جذوة اشتعال حرب الاستقلال، حصل تمرّد قومي كردي مبكّر من قبيلة كوجكيري (Qoçgirî) الكردية العلوية سنة 1921، وقُمِعَ بأرضه من قبل «فوج توبال عثمان» المعروف بقسوته، وعلى مرأى ومسمع عشائر كردية سنيّة موالية لأنقرة!

ضمّت «الجمعية الوطنية التركية الكُبرى» (TBMM)، والتي تأسست سنة 1920، من أصل حوالي 290 نائباً ما لا يقل عن سبعين نائباً كردياً. النواب الكُرد لعبوا دوراً محورياً في الحركة الوطنية التركية، ومشاركتهم كانت لأسباب خاطئة، إذْ ظنوا أنّهم يبنون دولة إسلامية جامعة ستمنحهم حكماً ذاتياً بعد انتهاء الحرب. صدّقوا ما صار معروفاً لاحقاً باسم «الوعود الكمالية». أبرز هؤلاء النواب هو يوسف ضياء بيك (1882- 1925). فاز يوسف بِك كممثل عن مدينة بدليس، وعارض بشدَّة قرار إلغاء الخلافة العثمانية سنة 1924 خوفاً من انسحاب أتاتورك من الصيغة اللامركزية الكامنة فيها، وألقى خطاباً تاريخياً في البرلمان عام 1923 قال فيه: «أنا كرديّ، ولكنني من الأكراد الذين يتمنّون نهضة تركيا، وشرف تركيا، وتقدم تركيا. السبب هو اللغة التركية التي تمنحني الشرف، والتي أصبحتُ بفضلها متعلّماً، ولكن هذه ليست لغة شعبي الكُرد، بل هي لغة الأتراك، لذلك أريد أن يتقدّم الأتراك، وأريد أن يحصل الأتراك على الشرف».

أعدم يوسف بيك في 14 أبريل (نيسان) سنة 1925، قبل يوم واحد من ثورة الشيخ سعيد، بعد إدانته بموجب قانون الخيانة العُظمى.

(2)

انضمَّ الكُرد إلى مشروع الدولة الكماليّة تصديقًا لوعود أتاتورك بالحكم الذاتي الكرديّ. ركَّزت الدعاية الأتاتوركيّة بأنّ لا تعارض بين المصلحتَيْن الكردية والتركية. حتّى أن دستور سنة 1921 في تركيا، ذكر بشكل صريح أمرين أساسيين للكُرد: الأوّل هو التأكيد بأن الدستور استمرارٌ لأوضاع وقوانين السلطنة، وخصوصاً القانون الأساسي للسلطة الذي صُكّ سنة 1876، والثاني البند الصريح بأنّ بعض الولايات سوف تتمتع بدرجةٍ عميقة من الاستقلال المحلّي. الحركة الوطنية التركية قدّمت نفسها كامتدادٍ للسلطنة العثمانية. إثر ذلك، افترضت النخب الكرديَّة أنّ الاندماج في النظام العثماني كجنودٍ مخلصين وإداريين ناجحين وملاك أراضي، سيجعلهم يحصلون على حصّة مُعتبرة من كعكة دولة ما بعد الحرب.

ولكن بعد عام 1925، ضُرِبَت كل الوعود الكمالية بالمطلق في عرض الحائط.

(3)

من الصعب إجراء أي إحصاء للأكراد، لأنّ كلمة «كرديّ» لا تحملُ دوماً نفس الشحنة السياسيَّة. فأكراد الجزيرة السورية مثلاً، وغالبية أكراد كردستان، يعرّفون الكرديّ بالهوية اللغوية – القومية المتمايزة، والتي لا يمكن أن تُخفَّف أو تُحيَّد بالمشترك الإسلامي. أمّا الأكراد الأيوبيون مثلاً، والذين «ذابوا» في بلاد الشام، تحوَّلت الهوية الكردية عندهم إلى فترةٍ من النسب، ومرحلة من التاريخ، وحالة قَبْليَّة لا تضغط على أيّ إلحاح سياسي قومي. الآن، من يعرفون أنفسهم بأنهم أكراد سياسياً أعدادهم تتراوح بين 30 مليوناً عند من يريدون تخفيف الرقم ظنّاً أن تخفيف الكم يصغّر المسألة، و45 مليوناً عند من يريدون تعظيم الرقم ظنّاً أنّ تكبير الرقم يزيد أهميّة المسألة.

وجدت كردستان نفسها بين أربع دول، هي سوريا وتركيا والعراق وإيران. ولأنّ الجبال تميلُ بشكل طبيعي أن تصبح حدوداً سياسية، ولأنّ الأكراد عاشوا في الجبال، اخترقت أراضي كردستان حدود عدّة امبراطوريات في التاريخ. الانغراس المعيشي في امبراطوريات مختلفة ذات أحوال سياسية متباينة منع تشكيل وحدة سياسية واجتماعية كاملة للكرد. وبسبب الطبيعة الوعرة للمنطقة، وخلوّها من الموانئ البحرية، وبُعُد الأراضي الكردية عن الغرب والمراكز الحضرية الكبرى، تأخّرت الأفكار القومية حتّى وصلت إلى مسامع الكُرد. وهذا ما يفسّر، ربما، أنّ المسيحيين والمسلمين، كاليونانيين والصرب والأتراك والعرب، قد قاموا بتطوير الفكرة القومية بشكل أسرع من الأكراد.

حتّى الأفكار تحتاج وقتاً كي تصعد إلى الجبال.

نصف الكُرد يعيشون في جنوب شرق تركيا، والنصف الآخر في شمال العراق وشمال غرب إيران وأجزاء من شمال سوريا. 1 المثير هو أنّ مليون ونصف كردي يعيشون في جيب خارج كردستان في شمال شرق إيران وتحديداً في منطقة خراسان. 2 الغالبيّة العظمى من الكرد مسلمون، و75 بالمئة من هؤلاء المسلمين هم سنّة، مع وجود أقليّات مثل اليهود والمسيحيين والإيزيديين والعلويين والشيعة. يتقاطع الكرد بالمذهب الديني السنّي بشكل عميق مع العرب والترك، في حين يفترق الكُرد عنهم بالمنشأ اللغوي. بالمقابل، يشترك الكرد مع الفرس بالجذر الهندو أوروبي للغة، ويتباعدون عنهم في المذهب الديني التعبّدي. كمتحدث لغة أمٍّ بالكردية، أقرب لغة على أذني، على الإطلاق، هي الفارسية، وأفهمها جزئياً كما يفهم الدنماركي السويدي.

في اللغة الكردية لهجتان أساسيتان، الكورمانجية في النصف الشمالي من كردستان، والصورانية في النصف الجنوبي من كردستان. الانقسام لا يؤثّر على كرد سوريا وتركيا الذين يتحدثّون الكورمانجية. توجد لهجات أخرى طبعاً، مثل بعض المجتمعات الكردية بإيران التي تتحدثّ اللهجة الغورانية، والأكراد العلويون في تركيا الذين يتحدثون اللهجة الزازاكية.

يشكل الأكراد أكثر من 25 بالمئة من الشعب التركي، والرعب الكمي التركي من الكرد دوماً يتجسّد في القلق من حقيقة أنّ معدلات التوالد في جنوب شرق البلاد هي دوماً أعلى بما لا يُقاس من غالبية مناطق البلاد.

(4)

الدولة التركية، مُستخدمةً حجّة «لا-أصالة» اللغة الكردية، حظرت استخدام أي لهجة كردية. شمل الحظر التعليم الرسمي والنشر الصحفي والوعظ الديني والبث الإعلامي. قمع اللغة الكردية وتجريم استخدامها ساهم، لا شكّ، في تعثّر وتأخّر انتقال اللغة الكردية من المستوى الشفوي التداولي إلى المستوى التدويني المكتوب. الصحف والمجلات والتعليم، كما يقول بنديكت أندرسون (1936- 2015)، تساهم بـ«تشكيل الأمة» وتمكِّن «درجة معقّدة من التواصل بين أعضاء المجموعة».

تأخُّر نزول اللغة الكردية من الشفّة إلى القلم، ساهم في تأخيّر تحوّل الكرد إلى قومية. ولكن المفاعيل بعيدة المدى للحظر أتت بنتائج معاكسة، إذْ خلقت الحجج العنصرية للدولة التركية حافزاً قوياً لدى المثقفين الكرد بتوحيد اللغة الكردية وتعميم الكورمانجية قراءة وكتابة، والانتقال من نظام التدوين العربي إلى نظام التدوين اللاتيني. ووفقاً للأنثروبولوجي الهولندي والباحث المتخصص في الشأن الكردي، مارتن فون بروينسين (مواليد 1946)، في كتابه الآغا، الشيخ، الدولة، الصادر عام 1982، فإنّ عدد المتحدثين باللغة الكورمانجية الموحّدة ارتفع بنسبة كبيرة، وبما لا يقل عن ضعفين، في النصف الثاني من القرن العشرين.

انتبه الكرد إلى ضرورة أن تصبح هذه اللغة المحظورة بالذات هي اللغة المشتركة.  وبالضبط ما كانت الدولة التركية تمنع حدوثُه، حصل، أي نشوء لغة كردية موحّدة تجعل الأكراد يتواصلون دون أن يفهم عليهم أحد!

(5)

أغلبيَّة الكُرد في تركيا، وبخاصّةٍ مِنْ مقيمي المدن الكبرى، أو مَن تعلّموا في المدارس الحكوميّة، أو مَن أنهوا الخدمة العسكرية، يمتلكون لغُتَيْن أم: الكردية والتركية. الفرق بين الطابع الرمزي الهوياتي للغة والطابع التواصلي الأداتي للغة، يمكن أن يفسّر فشل وعبث جهود التتريك. اللغة كوسيلةٍ للتعبير هي شيء، واللغة كإشارة إلى هوية قومية هي شيء آخر. إتقان اللغة التركية من قبل الكرد لم يُترجَم إلى تبنِّي الهويّة القوميّة التركيّة. فرض اللغة التركية أنتجَ ببساطة أكراد يمتلكون مهارة التحدث بالتركية.

الهوية تقعُ خارج اللغة، والهوية القومية حتّى إذا فُصِلَت من لغتها، ستبقى مشتعلة، وتصرخ من داخل «أقرب» لغةٍ تتقنها.

المثال الجذري والذي يأخذ الفكرة لأقصاها هي إيرلندا، إذْ حصل زوالٌ كاملٌ للغة الإيرلندية، دون أن يؤدّي ذلك لاختفاء المسألة الوطنيّة الإيرلنديّة. قبل الغزو الاستعماري الإنكليزي لإيرلندا، كانت اللغة الغيلية هي اللغة الأم لسكّان إيرلندا. وعلى الرغم من الفقدان الكامل للغة الغيلية في بدايات القرن التاسع عشر وهيمنة الإنكليزيَّة وتحوّلها إلى لغة رسميّة، لم تفقد الهوية الإيرلندية رغبتها بالتمايز والاستقلال عن الهوية الإنكليزيَّة.

إتقان الإنكليزيّة لم يجعلهم إنكليزاً.

مثل إيرلندا، عبدالله أوجلان بذات نفسه هو مثال يأخذ الفكرة لأقصاها. هو بشخصه عينة نموذجية على غياب اللغة الأم مع حضور الشعور القومي. أوجلان يكتب ويفكّر وينظّر بالتركية، بل إن كل السير الذاتية للمؤسسين الأوائل لـ«حزب العمال الكردستاني» تظهرُ مستوى عالياً من الكفاءة في اللغة التركية، ودرجة عميقة من الاستيعاب داخل الثقافة التركية. المسألة هي إن إتقان اللغة التركية لم يتوافق مع التماهي مع إيديولوجيا الدولة التركية بذاتها. بل على العكس، خوفاً من خطر الاستيعاب الكامل برزت ضرورة اعتماد اللغة الكردية التي ستسمح بالتواصل بين أعضاء الحركة القومية الكردية.

فشَلَ التتريك في إطفاء الهويّة الكرديّة، ونجحَ في إكساب الكرد لغة إضافية، «تتفشّى» فيها هويتهم القومية المقصيَّة.

(6)

والحال، ثمّة ما يفلتُ من اليد، إذْ لا يخلو الأمر من أمثلة مثيرةٍ، ذابت بشكل كلّي، وفشلت في مقاومة عملية التتريك. أبرز الكرد العنصريين إزاء الكرد، هو عالم الاجتماع ضياء كوك ألب (1876-1924)، المقرّب من أتاتورك، وأهم منظري القومية التركية الحديثة. كوك ألب هو كرديّ من ديار بكر، ورغم أنّه اعترف على مضض بوجود أقليّة كردية متميّزة، إلا أنّه اعتبر نفسه تركياً بسبب النشأة. نظّر كوك ألب لفكرة الطورانية التركية، والتي تنادي بتوحيد شعوب تركيا من البوسنة غرباً إلى شينغيانغ شرقاً. اشتهر بثلاثية: التتريك كلبنةٍ أولية في هوية الدولة، والإسلام كصمغ ثقافي وأخلاقي لاصق، والتحديث باعتماد التقنيّة الصناعيّة الغربيّة.

دافع كوك ألب عن التحالف الكردي- التركي الذي وصل إلى أقصاه في حرب الاستقلال. ففي مؤتمر أرضروم، والذي رعاه كوك ألب، عام 1919 وقّعت عشائر كردية من هكّاري وبوطان، جنباً إلى جنب مع ممثلين من ديار بكر وبدليس وفان، إعلان «الميثاق الملي» الذي اعتبر المناطق الكرديّة جزءاً لا يتجزّأ من تركيا. أمّا مؤتمر سيواس الذي عقد سنة 1919، فقد شارك فيه مندوبون من 14 منطقة ومدينة كردية، ووقّعوا بياناً دعوا فيه إلى «وقوف الأكراد والأتراك صفاً واحداً ضد إنشاء أرمينيا»، وفي البرلمان العثماني بعد انتهاء عمليات التصويت على تصديق «الميثاق الملي»، أعلن النواب الكرد السبعون قرارهم بتعيين أتاتورك كقائدٍ للمقاومة الوطنية.  أكثر من ذلك، الزعيم الديني النقشبندي، الشيخ سعيد بيران، والذي قاد أكبر وأوّل ثورة قومية للأكراد في التاريخ ضد الجمهورية التركية عام 1925، جمع 300 شخص من رجاله، وواجه محاولات اقتحام الفرنسيين لمنطقة عنتاب.

في ذات السياق، حتّى الآن، نجد مديحاً من القوميين الأتراك للكفاءة العسكرية الاستثنائيّة للعقيد الكردي، خالد جبرانلي (1882- 1925). أخته، فاطمة هانم، كانت متزوجة من الشيخ سعيد بيران. وفي مذكراته التي نُشِرَت بعد وفاته، يصف جبرانلي تفاصيل معركة صقاريا (1921) الحاسمة ضد الجناح الأيسر من الجيش اليوناني، إذْ نفّذ مناورة تطويق ناجحة، وصدّ الهجمات لمدة 22 يوماً، وأسر 650 جندياً يونانياً.

كان خالد جبرانلي من الأعضاء المؤسسين لجمعية «آزادي» التي نادت بالحكم الذاتي للأكراد، ودافعوا عن فكرة القتال إلى جانب أتاتورك. ورغم عدائه المعلن للحركة القومية الأرمنية، إلا أنّ جبرانلي رفض بشكل مطلق المشاركة بمجازر الأرمن، وساعد شخصياً العديد من الأرمن للهرب. إلى جانب يوسف ضياء بيك، وقبل يومٍ من انطلاق ثورة الشيخ سعيد، أعدِمَ خالد جبرانلي في 14 أبريل (نيسان) في حبل مشنقة جماعي ضمّ آخرين، وبعدها بثلاثة أشهر أُعدم سعيد بيران، وكلهم في ديار بكر. من حلفاء في الخنادق إلى أعداء معلقين على المشانق. جميع من صدّق الوعود الكمالية في البداية، وقاتلوا إلى جانبه، قُمِعوا وقُتِّلوا وشُرِّدوا لاحقاً.  تجرّعت النخب الكردية الحقيقة المرّة بأنها قاتلت في الحرب الخطأ، للأسباب الخطأ، مع الحلفاء الخطأ.

سيرتهم بدأت إما كنواب سياسيين في البرلمان أو كقادة عسكريين في الجيش، وانتهت إلى شهداء على مذبح القضيّة القوميّة الكرديّة.

(7)

استيقظَ الكرد قومياً على دويِّ فشل الوعود الأتاتوركية، واستحالة أي إمكانيّة للحكم الذاتي. تأخّرت القومية الكردية لأنّ الأمر احتاج وقتاً لإدراك بُطلان الوعود الأتاتوركية. فقط الزمن يثبتُ زيف الوعد. مع الدولة التركية الحديثة، اختفت تماماً أي احتماليّة لتعددية على النموذج العثماني القديم. قدح التتريك شرارة التشكّل القومي للكرد. في بداية الثلاثينات، بدأ المثقفون النهضويون الكرد يفعّلون «الخطة باء»، ويبذلون جهوداً جبارة في سبيل حركة التحرر الوطني الكردي. أهمّ رمزَيْن تنويرين يعبّران عن التحوّل من الحس القومي المصاب بلوثة الحنين للإسلام العثماني الجامع، إلى الإثنيّة اللغويّة العلمانيّة التي لا تتنازل عن كرديتها قرباناً لإسلاميّتها، هما الشقيقان جلادت علي بدرخان (1893- 1951) وكاميران علي بدرخان (1895- 1978). هذا تحوُّل كبير.

جلادت وضع بنيان الأبجدية الكورمانجية اللاتينية، وكاميران صاغ القضية الكردية بخطاب سياسي حديث. تلقّى الشقيقان تعليماً رفيعاً في مدرسة غالاتاسراي الفرنسية في إسطنبول، وتشرَّبا بالأفكار اللائكية الفرنسية والتنوير الأوروبي. جلادت لغوي يحكي خمس لغات، ساهمت تأملاته في المقارنة بينها إلى توليد الأبجدية الكورمانجية، إذْ أصدر أوّل صحيفة كردية كورمانجية بنظام التدوين اللاتيني في التاريخ من دمشق بين عامي 1932-1943. أعداد جريدة هاوار كانت مُرفقة بكتب قواعد صنعَتْ الكورمانجية اللاتينية بتوحيد القواعد مع الإملاء، وحلّ الالتباسات الكُبرى بين اللهجات. أمّا كاميران فكان من مؤسسي حركة «خويبون»، ونشط شخصياً في تعريف المجتمع الدولي بالمسألة الكردية، وصاغها بخطاب حق تقرير المصير.

البدرخانيان دعما علْمَنَة الكرد، مع الاعتراف بخطأ تصديق الوعود الكماليّة والتحالف في حرب الاستقلال، بل أعادوا إحياء العلاقات مع «الاتحاد الثوري الأرمني» أو ما يُعرَف بحركة الطاشناق.

القومية الكردية تأخَّرت كثيراً. أوّل مشروع بحثي لكتابة التاريخ الكردي، باللغة الكردية الكورمانجية، على يد باحث كردي، انتهى عام 1937، بجهود الكاتب والمؤرّخ الكردي المشهور محمد أمين زكي بك (1880- 1948). 3 أغلق المؤرّخ المولود في مدينة السليمانية الفجوة العاطفية الأوسع، بتتبع تاريخ الكرد عبر العصور موصلاً الكرد بالإمبراطورية الميديّة.

كلّ حجج القوميّة التركية تم الردّ عليها. جلادت أبطل تهمة اللسان الأخرس بضبطه الأبجدية، وكاميران كسر العزلة بصياغة القضية الكردية في خطاب حقوقي تقدمي، ومحمد أمين زكي بك ألغى تهمة الشعب اللقيط بجعل امبراطورية ميديا نقطة البدء للكرد.

اللغة والسياسية والتاريخ، كل ما يلزم الكرد كي يكونوا كرداً صار متوفراً الآن.

(8)

والحال فإنّ الطاقة الاستيعابية لنظام الملل في العهد العثماني تلاشت واختفت في عهد الجمهورية الكمالية الجديدة. على الهياكل الذاتية الكردية أن تحلّ نفسها الآن، ولم يعد لها أي شرعية في الدولة التركية الجديدة. سعت الكمالية إلى خلق هوية تركية متجانسة مفروضة على الجميع، فحواها أنّ تركيا هي للأتراك فقط لا غير، ولا لغة غير اللغة التركية في التعليم الحكومي والخدمة العسكرية والمؤسسات الإعلامية. النقطة هي أنّ القوميَّة الكرديَّة كانت نائمة في اللحظات الحرجة لـ «رجل أوروبا المريض»، لمّا كان الطلاق القومي عن قيد السلطنة سهلاً. لاحقاً، لمّا استيقظت، وجدت نفسها أمام دولة مصفّحة بالفكرة القومية الواحدية، على يمينها برلمان جمهوري يرى الأكراد «أتراك جبال» مصابون بفقدان ذاكرة، وعلى يسارها جيشٌ عسكري حديث جاهز أن يصبح أداةً للقسر.

أبدت النخب الأتاتوركيّة قلقاً وجودياً من التعبيرات القومية المحتملة لشعوب الامبراطوريّة المنحلّة، وسعت لعلاج هذا القلق بفرض شكل قوميّ ولغويّ واحد عبر التتريك. الخطاب الاستيعابي الواعد الذي استخدمه أتاتورك أثناء حرب الاستقلال اختفى تماماً بعد انتهاء الحرب وتأسيس الجمهوريّة. 4 ولم يعد الكرد النصف الآخر الذي يلتحم الترك به من موضع الانتماء الإسلامي، بل صاروا الآخر المطلق الذي يجب أن «يعود إلى ذاكرته التركية التي فقدت إثر العيش في الجبال».

اعتمد أتاتورك على رؤية ضياء كوك ألب، وهي أنّ التعليم الإلزامي باللغة التركية هو كافٍ لتوحيد الأمّة التركية. ولكن النتيجة في الواقع جاءت معاكسة. مثل لواء إسكندرون ومقدونيا وجنوب ألبانيا، فشلت جهود الدولة التركية تماماً في تجفيف المنبع القومي الذي يبثّ الهوية الكردية.

وكلّما زاد الضغط عليهم كي يصبحوا أتراكاً، صاروا أكراداً أكثر.

في كتابه المرجعي عن الكُرد، التاريخ الحديث للكرد، يتناول الباحث البريطاني دافيد ماكدويل (مواليد 1945) النتائج المتناقضة الناجمة عن الاستيعاب القسري عبر التعليم الإلزامي. 5 بعض المثقفين الكرد اختاروا الانخراط الكامل في مشروع القومية التركية، ومن أبرز هذه الأصوات التي برزت في نهاية الخمسينات، الكاتب والسياسي التركي من أصول كردية علوية شريف فرات (1894- 1949). فرات نشر كتاباً سنة 1945 بعنوان تاريخ فرتو والولايات الشرقية، كان يوزّع مجاناً على طلاب الجامعات وموظفّي الدولة وجنود الجيش، أنكر فيه بشكل كامل وجود قومية كردية منفصلة ومستقلة، وحاجج بأنّ اللغة الكردية هي لهجة تركية مشوّهة تشكّلت إثر الاختباء المديد في الجبال.

الطريقة الوحيدة أمام الكردي لنيل الاعتراف، هي أن يحتقر وينكر نفسه ككردي.

بالمقابل، يرصدُ ماكدويل شخصيات سياسية وثقافية كردية تنبَّهت إلى ضرورة التمايز القومي عندما حصل أوّل احتكاك مع الأتراك القوميين في المدرسة والجامعة والجيش. السياسي الكردي البارز والنائب البرلماني عن حزب الأمة التركي، محمود ألتونكار، وثّق كيف أنّه طوّر الإحساس بالقومية الكردية بعد أن غادر مسقط رأسه إلى أضنه، إذْ كتب: «حتّى وصولي إلى كوتاهيا، لم أكنّ أعرف بأنّي كرديّ. في مسقط رأسي، ديار بكر، كنّا نرجِم بالحجارة كلّ من ينادينا بالأكراد. كنّا نظنها شتيمة. جئنا إلى كوتاهيا ونادونا بالأكراد أيضاً، وكانوا يستفزونا بسؤالهم المتكرر: أين ذيلكم؟ كان الذهاب إلى المدرسة محنة».

ثم يضيف: «حينها فهمنا أنّ أهل قريتنا كانوا محقّين… نحن كردٌ».

قسمٌ لا بأس به من القوميين الكرد في تركيا كانوا يعتبرون أنفسهم أتراكاً حتّى دخول لحظة الجامعة. صاروا أكراداً لمّا اختلطوا مع «الأتراك الحقيقيين». حتّى قبل «صدمة الاختلاط»، كان الكثيرُ من الكرد مندمجين في الثقافة التركية ولا يشعرون بالتناقض بين هويتهم القومية والثقافة التركية، بل إن بعضهم، في مرحلةٍ ما من حياتهم، كانوا معجبين بأتاتورك. عبدالله أوجلان، قائد حزب العمال الكردستاني، اختبر شيئاً شبيهاً. قُوبِل طلبه للحصول على منحة عسكرية بالرفض، وطُرِدَ من الجامعة بسبب أفكاره السياسية، وعُزِلَ من أوساط اليسار التركي بتهمة الشوفينيّة. شعر أوجلان أنّ استبعاده من الفرص العسكرية والسياسية والتعليمية هو دليلٌ على عجز شعبه.

وفقاً لرواية أوجلان الخاصة، والتي كررها أكثر من مرّة، لم يكن لديه أي روابط سياسية سابقة مع المسألة الكردية قبل الاختلاط مع النزعة الكمالية التركية في الجامعة.

(9)

حتّى تسعينات القرن العشرين، كان الموقف الرسمي للدولة التركية هو الإنكار الوجودي الشامل لأي ذاتيّة قوميّة كرديّة متمايزة. عانى الأكراد فعلياً من خطر التعليب ومحاولات الإذابة، وذلك بخنق مطلقٍ لأي تعبير سياسي يُعرِّف عن نفسه كردياً. قُمِعَت الثقافة الكردية وتعرّضت مناطقهم لتهميش مزمن. عالم الاجتماع التركي، مسعود يكن (مواليد 1963)، في مقال تأسيسي بعنوان «المسألة الكردية في خطاب الدولة التركية»(1999)، يفحص كيف تقوم كلّ نخب الطيف السياسي التركي، من اليمين إلى اليسار، بتناول المسألة الكردية.

على العموم، وجدت النخب السياسية التركية المسألة الكردية ضجيجاً تافهاً يعرقل ثلاثيّة الجمهوريّة: تحديث، مركزية، علمنة. فتارةً يُشار إلى الكُرد كعرضٍ من أعراض «الماضي» و«التأخر»، حيث تهيمن البنية القبلية والإقطاع الزراعي. وتارةً تُربَط المسألة الكردية بماضي السلطنة المجزأ، لمّا كانت الإمبراطورية العثمانية تسمحُ باستقلال نسبي، وتعتمد استراتيجية تفاوض بين إسطنبول والأطراف. حمّل الكماليون النزعة اللامركزية المُعتَمَدَة في السلطنة العثمانية مسؤوليّة فشلها وتفتتها، ورُبِطَت المسألة الكرديّة بمحاولة إحياء هذا الماضي المُجزّأ. المسألة الكرديّة دوماً عومِلَت كنزعة إسلاميّة لامركزيّة تتعارض مع علمانية وتحديث المستقبل.

فسَّرت النخب التركيّة نشوء المسألة الكردية كردة فعلٍ طبيعيّة ناجمة من إلغاء وضعيّة الإسلام كإطار جامعٍ بين شعوب السلطنة، وفُهِمَت ثورة الشيخ سعيد كحنين إلى النظام السلطاني البائد. التخلّي عن المشترك الإسلامي سيخلقُ عند الكُرد فراغاً طبيعياً يجب أن يسدّه التتريك. التمرّد الكردي قُدِّمَ كتجسيد للرجعيّة السياسيّة التي لا تقبل بالواقع الجمهوري التقدّمي الحديث.

كيف لا، وثورة الشيخ السعيد اندلعت احتجاجاً على إلغاء الخلافة سنة 1924، بل إنها «دعت للجهاد ضد الدولة العلمانية»!

لاحقاً، لما اندلعت ثورة ديرسم إثر فرض قانون الإسكان سنة 1934، فُسِّرت المقاومة الكردية كامتناعٍ للعلاقات القبلية المصبوبة في الإقطاع الزراعي عن الانخراط في مشروع الدولة المتحضِّرة. في أكثر المقاربات التركية كرماً وسماحة، تتحوّل المسألة الكردية إلى قضيّة تخلّف إقليمي وتراجع اقتصادي، والحل يكون بالتنمية الشاملة والدمج الاقتصادي. عند الماركسيين الترك: مسموح أن يكونوا فقراء، وممنوع أن يكونوا أكراداً. المسألة الكردية يجب أن تكون دوماً نتيجة، وممنوع أن تكون سبباً. هي حتماً نتاجٌ للشروط الاجتماعية، وغير مسموحٍ لها أن تصبح فاعلاً قائماً بذاتها.

كل شيء إلا «كَرْدَنة» المسألة الكردية.

(10)

وسائل الإعلام التركية في التسعينات تناولت المسألة الكردية فقط كتهديد أمني وقضيّة إرهابيين، ناجمة عن فشل الحكومات المتعاقبة في وضع خطط تنمية شاملة تقضي على التخلف الاقتصادي في جنوب شرق البلاد. هدف التنمية هو «تجفيف مستنقعات حزب العمال الكردستاني»، بمعنى القضاء على الظروف التي تهيء بيئة خصبة للاقتناع بأفكار الإرهابيين. وأفكار الإرهابيين هي أي فكّرة تمتّ للحقوق الثقافيّة أو السياسيّة للأكراد.  تجربة حزب العمل الشعبي (HEP)التي استمرّت بين عامي 1990 و1993 تظهر استحالة العمل السياسي السلمي للكرد. حزب العمل الشعبي هو النسخة الجنينيّة الأولى من حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، والذي، للمفارقة، لا يزال يطالب بحرية قائده صلاح الدين ديمرتاش من السجون التركية. الدولة التركية تقوم بعملية «قطع رأس سياسي مستمرة» عند كلّ جيل يفكّر أن يعيد الفاعليّة السياسيّة إلى الهويّة القوميّة الكرديّة.

حصل حزب العمل الشعبي على 36 مقعداً في البرلمان التركي، كان منهم 18 برلماني كردي. هنا مصير بعضهم: أُجبِرَ ستة على الخروج من البلاد، وسجن أربعة، وتم اغتيال فيدات آيدن، المفوّض عن دائرة ديار بكر. السجينة الأكثر شهرة هي البرلمانية ليلى زانا (مواليد سنة 1961)، زوجة مهدي زانا، عمدة ديار بكر، والذي سُجن أيضاً وعذب بشكل وحشي بعد انقلاب عام 1980. ليلى زانا، والتي قضت 15 عاماً بالسجن، قامت بالمحظور، إذْ تواصلت مع الولايات المتحدة الأميركية، لمّا أحاطت لجنة هلسنكي في الكونغرس الأميركي بانتهاكات حقوق الإنسان ضد الكرد في تركيا.

في الفترة التي نشط فيها حزب العمل الشعبي حاول برلمانيون كُرد فتح موضوع الحقوق الكردية. لندرة المشاركة السياسية للكرد في تركيا، تشكّل تجربة هذا الحزب مرجعاً ممتازاً لرؤية ردود فعل البرلمانيين الترك، لما تُفتَح المسألة الكردية تحت قبة البرلمان. في البرلمان تبرز الحاجة إلى حد أدنى من التواصل الكلامي لا القهر الجسدي. الإصرار كان أن تركيا هو بلد للأتراك فقط، ولا يمكن إقرار أي تعددية إثنية، لأنها تهدد بتقسيم البلاد. رُبطَت المسألة الكردية بالتهديدات الإقليمية، وعندما حاول النائب البرلماني محمود عليناك أنّ يتحدّث باسم «الوحدة الكردية – التركية»، صار زملاؤه الأتراك يسخرون منه، ويعرِّفونَه كناطق باسم عبدالله أوجلان.

في لقاءاتهم الإعلامية، كان النواب الأتراك يقولون أنّ النواب الكرد يحق لهم شيئاً واحداً فقط بعد النجاح في الانتخاب الديمقراطي، وهو: الصمت.

(11)

صوَّر البرلمانيون الترك المطالبات الديمقراطية من قبل النواب الكرد كتنفيذٍ لمؤامرة دولية تستهدف تركيا. إردال إنونو (1926- 2007)، النائب اليساري المعروف باعتداله والممثل عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي الشعبوي (SHP)، وجد أنّ الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي مُشتركِتَان في مؤامرة ضد تركيا بإثارتها الدائمة للمسألة الكردية. مراراً اتهم البرلمان التركي الاتحاد الأوروبي بتقسيم تركيا. الأبواب مُطبقَة أمام الكرد سياسياً من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وكل النواب الترك يفعّلون حالة الاستثناء ويدعون إلى الوحدة التركية الداخلية ضد القوى الخارجية التي تحاول تقسيم البلاد. اللاهوت السياسي للبرلمان التركي هو «حمى متلازمة سيفر».

معاهدة سيفر التي كانت السبب المحوري لحرب الاستقلال، ألغيت في عام 1920، واستبدلت بمعاهدة لوزان سنة 1923 كنتيجة لواقع ما بعد الحرب. يرى الأتراك معاهدة سيفر كابوساً كان سيقسّم هضبة الأناضول، ويراها الكرد حلماً بضياعه تقسّمت كردستان بين أربع دول.

أي حديثٍ عن الحقوق الإنسانيّة للكرد يضغط على عصب سيفر، ويُربَط فوراً بتدمير البلاد و«كنوزها الوطنية». المسألة الكردية تُظهر البروز الأمني – العسكري القارّ في أيديولوجيا الدولة الأتاتوركية بشكل شفاف. المسألة الكردية تستحضر المشاعر العسكرية القومية، ويُرْبَط السؤال الكردي بالتدخل الخارجي. في هكذا واقع سياسي، يصبح من الصعب، بل من الخطر للغاية، تحدّي سرديات الإيديولوجيا التركية المهيمنة.

سنة 1969 خلق المعارض السياسي والأكاديمي التركي، إسماعيل بيشكجي (مواليد سنة 1939)، مساراً جديداً بأطروحته التي هزّت الأوساط الأكاديمية والسياسية التركية. قلب بيشكجي الطاولة رأساً على عقب، لما قال أنّ الكرد لا يزالون في طور مبكر من التطور القومي، إلا أنّ مسألة تحوّلهم إلى أمّة قومية، هي حتميّة مستقبليّة، ستحصل بمجرّد زوال العلاقات الإقطاعية ونجاح تحديث الدولة. الصدمة هو أنّ تحديث الدولة، والذي من المفترض أن يمنع تشكّل الهوية الكردية، سيؤدّي بشكل أكيد إلى تسريع تشكّلها!

كلّ السياسيات التي تحاول منع «نبوءة القومية الكردية»، فعليّاً، تسرّع تحقّقها.

عاش بيشكجي كباحثٍ ميداني لمدة 7 أشهر في قرى شرق الأناضول لإنجاز رسالته الدكتوراه حول البنية الاجتماعية للكرد. إثر موقفه الحقوقي والسياسي المتقدّم من القضية الكردية، فقد بيشكجي وظيفته في الجامعة، وسجن لمدة 13 عاماً، ولم يتلق أي دعم أو مساندة من زملائه. بل إن بعض زملائه تجنّدوا كشهود ضدّه لصالح النيابة العامة، لما اتهمته الدولة بنشر الشيوعية والدعاية الكردية في محاضراته.

في عام 1995 فتح العمل الميداني الاستقصائي الضخم لعالم الاجتماع التركي دوغو إرغيل (مواليد سنة 1940) نافذة جديدة، حيث حسمت أبحاثه بأنّ الكرد في الحقيقة لا يطالبون بالانفصال، كما تروّج دعاية الدولة التركية، وما يطمحون إليه ببساطة هو الاعتراف السياسي وألف باء حقوق الإنسان. كشف آثار التتريك بأنها استراتيجية لا ترى سوى في التجانس القومي طريقاً للوحدة السياسية، وفرّق بين التوحيد القومي والوحدة الوطنية. وفي توصياته البحثية، اقترح أنّ القمع الجنوني الهائل للكرد غير ضروري، وله نتائج عكسية على الصعيد الوطني. إثر ذلك، تعرّض إرغيل إلى هجوم مُدمّر من الأوساط الأكاديمية ودوائر السياسيين، وعُرِف كصوت ناطق لـ «الإرهاب الكردي».

لمّا تبني كل أفعالك بناء على توقّعٍ خاطئ، فإنّك تخلق الظروف الماديّة لزيادة فرص تحقّق ذلك التوقّع الخاطئ.

(12)

لمّا وصل النشاط العسكريّ لحزب العمال الكردستاني إلى أوجهِ في تسعينات القرن الماضي، لم يكن ردّ الفعل العسكريّ التركيّ نوعيّاً وموجّهاً إلى أعضاء وعناصر الحزب فقط، أي المجموعة الصغيرة التي اختارت الكفاح المسلّح، بل طالَ كلّ السكان الأكراد بالمطلق. في التقرير السنوي لوزارة الخارجيّة الأميركيّة سنة 1999، ذُكِرَ بشكلٍ صريح أنّ تركيا تحرم الكرد بشكل كامل من حقوقهم السياسية والثقافية، وتتسامح مع عمليات القتل خارج القضاء والتعذيب الوحشي للمدنيين على يد الشرطة الخاصة والميليشيات المدنيّة شبه العسكريَّة.

بين عامي 1991 و1999، حرّكت الدولة التركية 560 ألف كرديّ من منازلهم. بعض المنظّمات غير الحكومية تُقدِّر أعداد المهجّرين بمليونَيْن. سواء أكانوا محايدين أو مرحبين أو سلبيين إزاء نضال حزب العمال الكردستاني، تجربة التهجير القسري واختبار المعاملة القاسية، لعبت دوراً حاسماً في التبلور القومي لدى كرد تركيا.

النبوءة ستحقق ذاتها، فلمّا تعامل الجميع سواسية كأعداء مُحتملين… سيصبحون كذلك.

تحريك أكثر من نصف مليون كردي حوّل مدينة ديار بكر إلى أكبر تجمع للكرد في كردستان تركيا. الطريف أنّ التهجير حوّل ديار بكر إلى عاصمة للكرد، إذْ تضاعفَ عدد سكان المدينة ثلاث مرّات، بانضمام 600 ألف قادم كردي جديد. لما وصلوا، كانوا مرعوبين من القسوة، ومحرومين من أي تعويضات عن الخسائر التي لحقت بهم.  بقيَتْ «احتماليّة المدينة» كامنةً في ديار بكر حتّى تحققت في عهد التوسّع الاقتصادي لحكومة العدالة والتنمية. بمجرّد استقرار الكرد والتقاط أنفاسهم وبزوغ براعم طبقة وسطى، تسيسوا فوراً، وحقق الحزب الديمقراطي التركي (DTP) المؤيد لحقوق الكرد فوزاً ساحقاً في الانتخابات البلدية سنة 2009.

لم يمحُ التحسُّن الاقتصادي أثر القمع القومي.

(13)

الإيديولوجيا الكماليّة المُتغلغِلَة في كافّة مناحي الدولة التركيّة منعَت الأحزاب السياسيّة التركيّة من العمل الانتخابيّ على المستوى الوطني، وذلك بجذب وتقوية أصوات الكُرد الراغبين بدخول السياسة. عرقل المنع الشامل لأيّ شيءٍ يحملُ رائحة الكُرد تشكيل أحزاب سياسيّة عابرة للقوميات، تساهم في تخفيف الاحتقان الوطني، وتخرِجُ الكُرد من العزلة السياسيّة. التحالفات بين الأحزاب الكاتالونيّة والأحزاب السياسيّة السائدة في إسبانيا، والائتلافات العابرة للأعراق في حزب المؤتمر الوطني بالهند، والتعدديّة التي يظهرها الحزب الليبرالي الكندي، كلّها تجارب، تنزع فتيل الحقد وتفتح مساحةً للتكيُّف الهوياتي من خلال عضوية إثنية متنوعة. هذا الاحتمال ممنوع بتركيا، إذ أنّ الحزب اليساري التركي الأكبر، أي حزب الشعب الجمهوري (CHP)، اتّخذ مواقف قوميّة متشددة إزاء المسألة الكرديّة، حذفته بشكل تلقائي من خيارات الناخبين الكُرد.

طلّ الإسلام السياسي برأسه في أجندة الأحزاب التركية على الأقل أربع مرّات: من عدنان مندريس وتورغوت أوزال مروراً بنجم الدين أربكان وتلميذه رجب طيب أردوغان. كلّهم حاولوا إيجاد صيغة توافقية ما بين مبادئ الدولة الأتاتوركية والمنطلقات الدينية المُحافظة، الأمر الذي كان يثير ردود فعل حادة من النخب العلمانية المتوجّسة من تصاعد الأجندة الإسلامية في السياسة التركية. الأكيد هو أنّ هذه الأحزاب كانت تنالُ دعماً مستقرّاً من المجتمعات الكرديّة، يزيد أحياناً وينقص أحياناً، لكنّه لا ينقطع.

ولأنّ الإسلام السياسي يفتح مجالاً أمام تعددية إثنية وتحالفات عابرة للقوميات، كان يُقمَع دوماً من مؤسسات الدولة التركية، وخاصّة القضاء الكمالي الذي يتبنّى توجُّهاً قومياً إيديولوجياً واضحاً. حُظِرَت أحزاب الإسلام السياسي لأنها يمكن أن تشكّل رئة سياسية تمكِّن الكرد أن يتنفسوا من خلالها، ولو جزئياً. كل القيادات السياسية الإسلامية التي توجّهت بخطاب، ولو بنبرة مواربة وخجولة لا تسمّي الأمور بمسمياتها، للكرد، حُظِرَت من الحياة السياسية. مندريس أطيحَ به بانقلابٍ عسكري سنة 1960، ونجم الدين أربكان تنحّى عن السلطة حقناً للدماء بعد ضغط عسكري سنة 1997.

السياسيون الأتراك يعرفون جيّداً أنّ المسألة الكرديّة تحرق مستقبل أكبر رأس سياسياً. بلمحة عين، أقوى الرجال في تركيا يمكن أن يصبحوا أضعف رجال إذا ما حاولوا التقرَّب من الكرد. الشبح الكمالي جاهزٌ للهبوب بأيّ لحظة. الرئيس كنعان إيفرين اقترح أن تتحول تركيا إلى دولة فيدراليَّة، فُفُتِحَ ضده تحقيق جنائي. عبدالله غل اضطر إلى التراجع والاعتذار وإشهار الندم لمّا استخدم كلمة «كردستان العراق» بدلاً من «شمال العراق» لمّا أشار إلى إقليم كردستان العراق.

ولو لم يقم أردوغان بتفكيك العرى والعقد الكمالية في جهازي القضاء والجيش، ليس فقط لنجح الانقلاب العسكري ضدّه سنة 2016، بل لعجز عن الدخول بأي عملية تفاوضية حقيقية مع الكُرد.

السياسي التركي يعرف بأنه أمام ممرّ ضيق حين يتعلّق الأمر بالكرد. الممر هو أنّ هنالك درجة من الإنكار لا يمكن النزول تحتها، ودرجة من الاعتراف لا يمكن الذهاب إلى ما بعدها. إنكار يشمل عبارة «الشعب الكردي»، واعتراف لا يتجاوز سقف الوجود الثقافي المُنخَّع سياسياً. المسألة الكردية في هكذا إطباق، أقصى ما يمكن أن تحصّله هو الاعتراف الفولكلوري.

لكن هذا الممر لم يعد صالحاً، و«أتراك الجبال» صاروا أكراداً، ولم «يتذكّروا» أنهم أتراكٌ.

وصلوا متأخّرين، ولكنهم وصلوا

المصدر الجمهورية .نت