ثمّة نوعية من الكتّاب المبدعين ينذرهم القدر إلى النجومية في الكتابة رغم وعورة الطريق والعراقيل التي تحول دونها، فلا تتيحها بنفس السهولة التي يشتهر بها الفنان الذي يلتحم مباشرة مع الجمهور المتلقي. من بين هؤلاء الكُتّاب النجوم الذين لم يكن متوقعًا أن ينالوا شهرة النجوم، الكاتب والمفكر اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، الذي فتح له بطل روايته “زوربا” طريق الانتشار حتى النجومية، بعد تحويل الرواية إلى شريط سينمائي مثّل فيه الكبير أنطوني كوين والممثلة المتميزة إيرين باباس. كانت رقصة زوربا الشهيرة هي القدحة التي أشرعت أبواب نجومية الكاتب، وقد بات اسمه يتردد بين الجماهير كلّما شوهد الفيلم. وعندما يدفعها الفضول إلى معرفة المزيد عنه، تكتشف أنّ مدونته فكرية وفلسفية بالأساس إلى جانب المتعة الفنية.
وُلد نيكوس كازانتزاكيس في كريت عام 1883 في زمن كانت فيه الجزيرة مسرحًا دائمًا للصراع بين العثمانيين والمسيحيين، حيث شكّل جزءًا من الحياة اليومية. في هذه الحقبة المضطربة، تشكّل وعي الطفل الصغير مبكرًا، لأنه عاش أولى سنواته وسط خوف من الحرب وتمرّد الأهالي على الأوضاع. هذه الظروف هي التي جعلت سؤال المعنى يتكوّن في داخله ويندس في لاوعيه مثل بذرة ستترعرع مع نموه لتصبح شجرة فكرية.
المشاهد اللاإنسانية التي اختزنها الطفل نيكوس منذ وعيه الصغير هي التي ستجعله يدرك فيما بعد أن الحياة ليست مهمة سهلة، وأن الفرد يحتاج إلى قوة داخلية عظمى كي يواجهها.
انتقل لاحقًا إلى أثينا ليدرس القانون، ثم إلى باريس ليتابع دراساته في الفلسفة، وهناك انفتح على عالم فكري واسع، جعل من الإنسان مركزًا حيًّا للتجربة، وليس فردًا في قطيع تابع لسلطة أو نظام أو عقيدة.
قرأ برغسون الذي تحدث عن الدافع الحيوي بوصفه قوة تتدفق داخل الكائن وتحفزه على النمو والتغيير، وقرأ نيتشه حيث قدّم فكرة الإنسان الذي لا يخضع للقيم الموروثة، بل يصنع قيمه بنفسه، ويواجه العالم بلا تردد، ويتحمل مسؤولية اختياراته بدون انتظار سند خارجي. وقد أثرت هذه الأفكار فيه تأثيرًا عميقًا، لأنها لامست وعي تجربته المبكرة، ومنحته أدوات اللغة الفكرية التي يستطيع من خلالها تفسير ذلك التوتر الذي عاش فيه منذ الطفولة، بين ثنائيات الخوف والرغبة، والضعف والقوة، وأمان الطمأنينة وقلق التفكير.
خلال هذه الفترة، بدأ كازانتزاكيس ينخرط في العمل الثقافي، في الصحافة والمسرح والترجمة، وانطلق في رحلات السفر ليس كسائح يبحث عن متع لتزجية الوقت، بل بإرادة إنسان يبحث عن المعنى الحقيقي للوجود.
ذهب إلى روسيا والشرق وجبال آثوس، وجلس مع الرهبان، وراقب وتمعّن في تجارب العزلة الطويلة، وحاول فهم هذا النوع من الوجود الذي يقوم على الصمت والتأمل، وتمعّن في فكرة الخلاص عند رجال الدين بالانسحاب من ضجيج العالم للخلوة بالنفس والبحث في ثناياها، بينما كان يميل هو إلى فكرة اعتبار التجربة المستمرة في الحياة والاحتكاك بالناس شرطًا أساسيًا للتعرف إلى طريق الذات وفهمها.
وفي أحد أسفاره إلى كريت، التقى برجل سيغير حياته يدعى ألكسيس زوربا، وهو رجل بسيط في مظهره ومستواه الاجتماعي والثقافي، لكنه واسع التجربة، خبير بالحياة العملية، يتحرك بطاقة جبّارة وشغف للحياة لا يتوقف. علّمته التجربة كيف يواجه الفشل بقدرة عجيبة على الرضى بلا غضب، وكيف يتعامل مع الحياة باندفاع الشغف والنهم والتلهّف على الحصول على متع الحياة بإصرار وقبضة من حديد.
كان كازانتزاكيس يرى في هذا الرجل (زوربا) نقيضه تمامًا، لأنه هو نفسه كان يعيش في عالم الأفكار والمعاني أكثر ممّا كان يعيش في الواقع الملموس. كان يفكر طويلًا ويتردد كثيرًا قبل اتخاذ أي خطوة أو قرار واقعي، منشغلًا عن توهّج الحياة وغوايتها بالبحث في الأفكار وتفكيك معانيها.
لذلك شعر أن زوربا سوف لن يكون مجرد شخصية عابرة، بل إنّه سيشكّل منعرجًا حاسمًا في حياته، وسيكون القوة الخارقة التي كشفت له جانبًا مهمًّا من ذاته كان يفتقده ويخشاه.
من هذه التجربة الهامة في مساره، وُلدت رواية “زوربا” التي أصبحت علامة فارقة في الأدب اليوناني والعالمي الحديث، وسبب نجومية الكاتب العالمية. لم يكتب كازانتزاكيس رواية “زوربا” بوصفها حكاية عن رجلين مختلفين يديران منجمًا للفحم فحسب، بل كتبها بوصفها ساحة مواجهة بين نمطين من التفكير الوجودي: نمط يحكمه العقل، ونمط تحكمه الغريزة.
فالراوي يمثل الإنسان الذي اختار أن يفهم الوجود بالتفكير وحده، بمراقبته عن بعد وتفكيكه، لأنّه يخشى الفشل ويعتبره دليلًا على نقصان عمق العقل، بينما يمثل زوربا الإنسان الذي يعيش الحياة كما جاءت ملتهمًا إياها بلا تفكير. أمّا الفشل فيتعامل معه كجزء طبيعي من التجربة الإنسانية كلّها، في حين يعتبر النجاح مرحلة لا بد من تجاوزها نحو المرحلة التي تليها كما ستقرّرها الأقدار.
| كان كازانتزاكيس يرى في زوربا نقيضه تمامًا، لأنه هو نفسه كان يعيش في عالم الأفكار والمعاني أكثر ممّا كان يعيش في الواقع الملموس (Getty) |
يعكس هذا الصراع أعماق نفس الكاتب المتلاطمة مثل أمواج البحر في العاصفة، وقد حاول الراوي الذي يجسد فكر الكاتب أن يتجاوز حدود تفكيره الذي ظّل يكبّل رغبته الجامحة للانطلاق نحو الحياة، لكنه لم يقدر. فكانت الرواية بالنسبة إلى الكاتب فرصة واجه فيها ذاته أكثر مما واجه شخصياته التي خلقها بنفسه.
هنا تكمن أهمية رواية “زوربا” في الفكر الوجودي؛ فهي لا تقدم دروسًا مفيدة في الحياة فحسب، بل تقدّم نموذجًا إنسانيًا قابلًا للانتقال عبر الأزمنة، لأن الإنسان المعاصر يعيش الصراع الأزلي ذاته بين العقل الذي يفكر ويراعي القانون والأخلاق فيكبح الجماح، وبين الرغبة والشغف المتهورين تجاه متع الحياة. هذا ما جعل شخصية زوربا صالحة لكل زمان ومكان، فهي أفضل تمثيل للصراع في التجربة الإنسانية بين فلسفتين متناقضتين للوجود.
زوربا الشغوف بالحياة بحضور كامل وتناغم بين عقله وغرائزه، والراوي ممثلًا لغالبية البشر/ القطيع الذي يعاني دائمًا من التردد والانكسار والخذلان والعجز عن اتخاذ القرارات.
هذه الأسئلة التي تطرحها الرواية تتعلق بالإنسان في كل مكان وزمان، وهو ما جعلها إبداعًا عالميًا خالدًا.
وبرغم أهمية الرواية، فإن كازانتزاكيس شعر لاحقًا أن عليه أن يقدّم عملًا يكشف جذور هذه الأسئلة، ولا يحكي قصة فقط، بل يحكي صراعًا ممتدًا عبر حياته كلها. كذلك كتب “تقرير إلى غريكو”، الكتاب الذي يمكن اعتباره سيرة فكرية تتجاوز حدود السرد التقليدي، لأنه لا يكتفي بذكر الأحداث، بل يفتح أبواب الوعي الداخلي، ويروي حياة الكاتب بوصفها رحلة روحية وفكرية تراكمت عبر الزمن. يعود فيه إلى طفولته في كريت، ويصف اللحظات التي عرف فيها الخوف، ويعرض أثر الأب القاسي على نفسيته، ويكشف كيف أصبح العنف جزءًا من ذاكرته، لكنه في الوقت نفسه كان جزءًا من القوة التي دفعته إلى البحث عن معنى.
ثم ينتقل إلى سنوات الشباب، إلى الكتب التي غيّرت نظرته، إلى الفلسفة التي جعلته يعيد صياغة تصوراته، إلى الأسفار التي واجه فيها نفسه من جديد، إلى الأماكن التي اختبر فيها القلق والرغبة والبحث. ويعرض في هذا الكتاب تلك اللحظات التي شعر فيها أنه عاجز عن مواجهة الحياة، وأخرى شعر خلالها بأنه قادر على تجاوز كل العراقيل، لإعادة تشكيل ذاته باستمرار، وكيف كان يعتبر الإنسان مشروعًا لا يُبنى مرة واحدة، بل يُبنى عبر تجربة طويلة من الصراع بين ما يريده وما يخشاه، وما يستطيع فعله وما يعجز عنه. ويقدّم كل ذلك بلغة سلسة تجعل القارئ يشعر أنه أمام عقل مفكر وفنان.
وتكمن القيمة الكبرى لهذا العمل في أنه فتح الطريق لفهم رواية “زوربا” من الداخل، لأن “تقرير إلى غريكو” كشف عن ذلك الصراع الذي بُنيت عليه الرواية، وأبرز أن شخصية الراوي وشخصية زوربا ليستا مجرد شخصيات أدبية، بل هما امتداد للتبعثر الداخلي الذي عاشه كازانتزاكيس طويلًا. فزوربا هو في حقيقة الحال الإنسان الذي أراد أن يكونه، والراوي جسّد شخصية الكاتب الحقيقية، وما بين هذين النمطين من التفكير تراوحت موضوعات الكتب التي صنعت تجربة الكاتب كلها، لأنها ظلّت محاولة متأرجحة لجمع هذين الوجهين المتنافرين في تركيبة واحدة، يستطيع الإنسان فيها أن يفكر ويعمل في الوقت نفسه، وأن يعيش ويستمتع بدون أن يغرق في غياهب الخوف والإحجام عن متع الحياة.
أمّا إذا ما أردنا أن نفهم كيف استطاعت أعمال كازانتزاكيس أن تحافظ على نبض الخلود عبر كل الأزمان، فعلينا أن ننظر إلى الأساس الفلسفي الذي قامت عليه كل تلك الكتابات، والأساس الذي لم يقدّم أفكارًا جامدة أو رؤى مغلقة، بل قدّم رؤية جعلت من الإنسان مركز التجربة، وأكّدت أن الحياة ليست نظامًا ثابتًا، بل حركة مستمرة في الزمن، وأن الفرد مسؤول عن تشكيل قيمه، وعن اكتشاف معنى حياته من خلال الفعل، لا من خلال الانتظار، وأن الحرية لا تُمنح هدية، بل تُكتسب عبر التجربة المستمرة في النضال لنيلها، وأن الصراع الداخلي جزء من تكوين الإنسان، لا عرضًا يمكن تجاوزه بسهولة، وأن طريق النضج ليست قصيرة سرعان ما تنتهي، بل إنّها ممتدة أمام الإنسان كي يواصل السير فيها مهما تقدمت به الحياة.
الفكرة الأساسية في فلسفة كازانتزاكيس هي أن الإنسان مشروع صاعد، يعيد تشكيل نفسه باستمرار، وأن أي محاولة لتثبيت الذات أو تجميدها هي محاولة ضد طبيعة الحياة نفسها، لأن الحياة تتغير، ولأن الإنسان يتغير أيضًا. وهذه الفكرة جعلت من كتبه قابلة للقراءة في كل عصر، لأن الإنسان في كل عصر يشعر بأنه غير مكتمل، وأن عليه أن يتحرك دومًا إلى الأمام كي يفهم نفسه، وأن يجرّب كي يعرف قدرته، وهذا ما يجعل أعماله جزءًا من التجربة الإنسانية العامة.
في هذا الإطار، يمكن التأكيد أن كازانتزاكيس لم يكتب للترفيه فحسب، بل إنّه كتب لتقديم رؤية فلسفية وجودية، لأن الشخصيات في نصوصه ليست مجرد أدوات للحبكة، بل هي أدوات لاختبار الفكرة، ولتحريك السؤال، ولجعل القارئ يدخل في مواجهة مع ذاته، بعد أن يكتشف نفسه بينهما، فهو لا يستطيع أن يكون أحدهما وحده، بل هو مزيج منهما، وهذا ما جعل الرواية حقيقية وصالحة لكل العصور.
وإذا جمعنا بين زوربا والتقرير، نرى صورة الكاتب كاملة ممثَّلة: رجل عاش حياته في شكل صراع بين نمطين من الوجود، وألف كتبه كلّها لتجسيد تجربته الفكرية والفلسفية في رؤية وجودية متكاملة.
أخيرًا، ترك الكاتب اليوناني نيكوس كازانتزاكيس إرثًا فكريًا وإنسانيًا مهمًّا، بالرغم من أنّه لم يقدم أجوبة نهائية، بل كشف عن طريق يذكّر الإنسان بأنه يستطيع أن يصنع نفسه، ويحثّه على أن يعيد بناء حياته في كل مرحلة يختارها، وأن يواجه ضعفه من دون خوف كلّما توفّرت الإرادة الصادقة، وأن يختار أن يكون الإنسان الذي يريده متى قرّر ذلك.