مروان فلو -كاتب
يتزامن التوقيع على الهيكلية العسكرية الجديدة مع تفعيل وثيقتين استراتيجيتين بالغتي الأهمية، تشكّلان معاً الإطار الضامن لاستدامة الاتفاق وتحويله من تفاهم سياسي هش إلى مسار مؤسساتي قابل للحياة.
تُعنى الوثيقة الأولى بوضع استراتيجية مشتركة لمكافحة تنظيم “داعش”، وتهدف إلى توحيد الجهدين الاستخباراتي والميداني بين دمشق، والقوات المندمجة من “قسد”، والتحالف الدولي (١). وتستمد هذه الوثيقة وزنها السياسي من كونها تمنح شرعية رسمية للتنسيق بين الدولة السورية والقوى الدولية العاملة على الأرض تحت مظلة محاربة الإرهاب، بما يوفر غطاءً سياسياً لاستمرار قدر من التعاون العسكري مع واشنطن خلال المرحلة الانتقالية.
أما الوثيقة الثانية، الموسومة بـ “خارطة الطريق القانونية والعسكرية للدمج”، فتغوص في التفاصيل الدقيقة لتحويل المقاتلين من صفتهم السابقة إلى جنود نظاميين ضمن المؤسسة العسكرية السورية (٢). وتشمل هذه الخارطة تسوية الأوضاع القضائية، والاعتراف بسنوات الخدمة السابقة ضمن “قسد” كخدمة عسكرية فعلية، وتحديد سلالم الرواتب والتعويضات بما يتوافق مع موازنات وزارة الدفاع. كما تتناول آليات سحب السلاح الثقيل ووضعه تحت تصرّف القيادة المركزية، إضافة إلى توحيد غرف العمليات ومنظومات الاتصال.
الدور الدولي والضمانات: بين الحضور الأمريكي والمشاركة العربية
شكّلت جولة المفاوضات المنعقدة في كانون الثاني/يناير 2026 محطة مفصلية، ليس فقط بسبب مضمون الاتفاق، بل أيضاً بفعل مستوى التمثيل الدولي الذي رافق التوقيع والمباحثات في دمشق. فالملف لم يعد شأناً سورياً داخلياً، بل بات جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع تسعى إلى إعادة ضبط توازنات الاستقرار في المشرق.
الوساطة والضمانات الأمريكية
تضطلع الولايات المتحدة بدور “الضامن والميسّر” المركزي في هذه العملية (٣). ويعكس حضور شخصيات عسكرية ودبلوماسية رفيعة، من بينها قائد التحالف الدولي ضد “داعش” والمبعوث الرئاسي الخاص إلى سوريا، حجم الرهان الأمريكي على إنجاح مسار الدمج. ويتمثل الهدف المعلن لهذا الحضور في منع أي صدام ميداني بين الجيش السوري والقوات المندمجة، وتوفير مظلة حماية سياسية وأمنية للمقاتلين الكُرد خشية أي تراجع في التزامات دمشق.
وفي هذا السياق، يكتسب التنسيق مع أنقرة أهمية خاصة، إذ يُنظر إلى الدور الأمريكي بوصفه صمام أمان يحدّ من احتمالات أي تحرك عسكري تركي قد يقوض التفاهمات الناشئة.
المشاركة العربية والإقليمية
تشير المعطيات المتداولة إلى مشاركة ممثلين رفيعي المستوى من عدة دول عربية في مراسم التوقيع. ويعكس هذا الحضور توجهاً إقليمياً لإعادة إدماج سوريا في محيطها العربي من بوابة الحلول السياسية والاندماج الوطني (٤). كما يُنتظر من بعض هذه الدول أن تلعب دوراً تمويلياً في مشاريع إعادة الإعمار ودمج المقاتلين في برامج تنموية مدنية، بما يعزز فرص الاستقرار طويل الأمد في شمال شرق البلاد.
تمديد اتفاق 10 آذار للملفات المدنية: نحو لامركزية محسوبة
بالتوازي مع المسار العسكري، جرى الاتفاق على تمديد مهلة تنفيذ بنود اتفاق العاشر من آذار المتعلقة بالملفات الإدارية والمدنية حتى منتصف عام 2026. ويعكس هذا التمديد حجم التعقيد الذي يلف قضايا خدمية وقانونية شائكة، مثل توحيد المناهج التعليمية، وإدارة السجلات المدنية، وآليات توزيع الثروات الطبيعية (٥).
وتصرّ “قسد” والإدارة الذاتية على أن الاندماج العسكري لا يمكن فصله عن تكريس شكل من أشكال اللامركزية ، يتيح للسكان المحليين إدارة شؤونهم اليومية. في المقابل، تبدي دمشق قدراً متزايداً من المرونة، مدفوعة بإدراك متنامٍ بأن النموذج المركزي الصارم لم يعد قادراً على تلبية متطلبات دولة ما بعد الحرب.و سيتكرر التمديد لمرات عديدة لعدم وجود ثقة متبادلة لدى الطرفين لأسباب اقليمية ودولية .
إدارة الموارد والبنية التحتية
يُعد ملف النفط والغاز في دير الزور والحسكة من أكثر الملفات حساسية في مسار الدمج. وينص الاتفاق على نقل السيطرة على الحقول النفطية والمطارات والمعابر الحدودية إلى الحكومة المركزية، مقابل التزام الدولة بتوجيه استثمارات لإعادة تأهيل البنية التحتية وضمان حصة عادلة من العائدات للتنمية المحلية (٦).
وفي هذا الإطار، يتقدّم الاندماج الاقتصادي جنباً إلى جنب مع الاندماج العسكري، حيث توكل مهمة حماية المنشآت الحيوية إلى قوات مشتركة من الجيش السوري والعناصر المندمجة.
التحديات الميدانية: بين دمشق و قامشلي
على الرغم من الخطاب التفاؤلي الرسمي، لا تزال تحديات جوهرية تهدد بتعطيل التنفيذ الكامل للاتفاق. فقد أفادت مصادر حكومية بأن اجتماعات كانون الثاني/يناير 2026 لم تُفضِ إلى نتائج نهائية حاسمة، بل أقرّت الحاجة إلى جولات إضافية لتذليل العقبات التقنية.
عقدة الدمج: الفردي أم الجماعي؟
تتمثل نقطة الخلاف الأساسية في إصرار دمشق على دمج المقاتلين كأفراد ضمن الوحدات العسكرية القائمة، في مقابل تمسك “قسد” بالاحتفاظ بتشكيل موحّد في مناطق انتشارها. ويأتي مقترح تشكيل ثلاث فرق وثلاثة ألوية كمحاولة وسطية لكسر الهوة بين الرؤيتين، غير أن مسائل الولاء وسلسلة القيادة لا تزال تثير قلق الطرفين.
الاحتكاكات الأمنية وانعدام الثقة
تشهد بعض المناطق، ولا سيما في حلب ودير الزور، احتكاكات متقطعة بين قوات وزارة الدفاع السورية وعناصر كُردية، أسفرت أحياناً عن سقوط قتلى. وتعكس هذه الحوادث هشاشة الثقة المتبادلة، وتفرض تدخلاً أكثر حزماً من اللجان المشتركة والضامنين الدوليين لاحتواء التوتر ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهات أوسع.
التحليل الاستراتيجي: التداعيات الإقليمية والدولية
يمثل نجاح دمج “قسد” في الجيش السوري مكسباً سياسياً للإدارة الأمريكية، إذ يتيح لها تقليص وجودها العسكري مع الحفاظ على مكتسبات محاربة “داعش” وضمان أمن حلفائها المحليين (٧). كما يضع هذا المسار سوريا على عتبة تعافٍ سياسي تدريجي، ويحدّ من قدرة القوى الإقليمية على الاستثمار في الانقسام الداخلي.
ويتقاطع هذا المسار مع جهود موازية لترتيب الأوضاع الأمنية في جنوب سوريا، ضمن محادثات دولية تهدف إلى بلورة تفاهمات أوسع تشمل نزع السلاح مقابل انسحابات متبادلة وضمانات استراتيجية. ويشير هذا التشابك في المسارات إلى توجه دولي نحو تثبيت الاستقرار عبر مؤسسة عسكرية موحدة تُقدَّم بوصفها الضامن الأول للسيادة.
الخاتمة والتوقعات
تشكل اتفاقية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، بهيكليتها القائمة على ثلاث فرق وثلاثة ألوية، حجر زاوية في مسار بناء دولة سورية جديدة تتطلع إلى طي صفحة الانقسام. فالانتقال من قوة حليفة للتحالف الدولي إلى مكوّن من مكونات المؤسسة الدفاعية الوطنية عملية معقدة، تتطلب زمناً، وصبراً، وضمانات دولية صلبة.
ومع تمديد مهل التنفيذ حتى منتصف عام 2026، يُرجّح أن تشهد المرحلة المقبلة تكثيفاً للعمليات المشتركة ضد “داعش”، وانتقالاً تدريجياً للسيطرة على المنشآت الحيوية إلى دمشق، بالتوازي مع توسيع المشاركة السياسية للمكونات الكُردية في صياغة الدستور والقوانين الجديدة. ويبقى الرهان الأساسي معقوداً على قدرة السوريين، بدعم المجتمع الدولي، على تحويل هذا الاتفاق التقني إلى واقع ميداني ينهي عقداً طويلاً من الاحتراب والتشظي.
المراجع
(١) شبكة روداو الإعلامية – تصريحات مسؤولين في الإدارة الذاتية حول استراتيجية مكافحة داعش.
(٢) روداو – مقابلات مع قيادات عسكرية في “قسد” حول آليات الدمج.
(٣) وزارة الدفاع الأمريكية (DoD) – بيانات التحالف الدولي ضد داعش.
(٤) جامعة الدول العربية – تقارير حول إعادة الانخراط العربي في الملف السوري.
(٥) تصريحات رسمية سورية حول تمديد اتفاق 10 آذار للملفات المدنية.
(٦) تقارير اقتصادية عن النفط والغاز في شمال شرق سوريا – روداو.
(٧) مراكز أبحاث أمريكية مختصة بالسياسة الخارجية والأمن