ملخص
العالم دخل فعلياً مرحلة ثنائية قطبية تقودها الولايات المتحدة والصين وحدهما، مع تصاعد تنافس شامل بينهما، فيما تُظهر المقاييس الاقتصادية والتاريخية أن الصين باتت قوة عظمى كاملة تتجاوز حتى الذروة السوفياتية. هذا التحول يجعل الصراع بين القوتين مركزياً في السياسة الدولية، ويقلص هامش المناورة أمام الدول الأخرى، ويعيد منطق “الحدائق الخلفية” ومعارك النفوذ الإقليمي.
تشكل ديناميات سياسات القوى العظمى العالم، وتمس، خيراً أو شراً، حياة البشر في كل مكان. فقد أودت الحروب بين القوى العظمى بحياة ملايين البشر، كذلك فإن القوى العظمى المنتصرة أنشأت أنظمة دولية تؤثر معاييرها وقواعدها في السلام والازدهار العالميين. وتتدخل القوى العظمى أيضاً في سياسات الدول الأخرى، سراً وعلناً، وأحياناً بوسائل عنيفة. وبعبارة أخرى، للقوى العظمى وزن حاسم في السياسة الدولية.
تكمن الأهمية أيضاً في مسألة القطبية، أي عدد القوى العظمى القائمة في النظام الدولي. ولنأخذ، على سبيل المثال، العقود الثلاثة الماضية من الأحادية القطبية التي قادتها الولايات المتحدة. فبعد تحرر واشنطن من القيود التي يفرضها وجود منافس من قوى عظمى أخرى، نشرت قواتها في مختلف أنحاء العالم، ونفذت عمليات عسكرية في دول عدة، من بينها أفغانستان، والعراق، وليبيا، وصربيا. أما أخطار الثنائية القطبية، فهي مختلفة بطبيعتها. إذ تدخل القوتان العظميان في نظام ثنائي في تنافس محموم، وتسعيان إلى إنشاء مجالات نفوذ ومناطق عازلة عبر رعاية حلفاء تابعين لهما، وفرض أنظمة موالية. أما التعددية القطبية، التي تضم ثلاث قوى عظمى أو أكثر، فينظر إليها على أنها الأكثر عرضة للحرب، لأن التحالفات فيها تكون هشة، ولأن تقلب الاصطفافات يجعل تقدير توازن القوى أكثر صعوبة.
وعلى رغم أهمية عدد القوى العظمى في أي حقبة زمنية، فلا يوجد إجماع على كيفية تعريف هذه القوى، ومن ثم على كيفية إحصائها. ويختلف الباحثون حول المعايير التي يجب أن تستوفيها دولة ما – أي ما الذي ينبغي أن تفعله أو تمتلكه – كي تعد قوة عظمى. وفي الوقت ذاته، يظل ميزان القوة النسبي بين الدول في حال تغير مستمر. فخلال الحرب الباردة، تعهد الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف بأن بلاده ستقوم بـ”دفن” الولايات المتحدة، وكان كثر يخشون أن يتحقق هذا الوعيد فعلاً. وفي ثمانينيات القرن الماضي، ساور الأميركيين القلق، وهم يراقبون الطفرة الاقتصادية اليابانية، من أن تتجاوزهم “الشمس المشرقة”. أما اليوم، فيدور جدل محتدم بين الباحثين وصناع القرار حول ما إذا كانت الصين في طريقها إلى منافسة الولايات المتحدة كقوة عظمى، أم أنها دخلت بالفعل مسار التراجع. وفي المقابل، دفع صعود الهند وعودة روسيا إلى المسرح الدولي كثيرين إلى إعلان بزوغ عصر التعددية القطبية. وتعد التباينات الواسعة في تقييم ميزان القوى أمراً شائعاً، لأن مفهوم القوة – على رغم مركزيته في السياسة الدولية – يظل مفهوماً مراوغاً يصعب تحديده بدقة.
ولمواجهة هذا التحدي، طورت منهجية لمقارنة القوة الوطنية، تعتمد على استخدام مقاييس مشتركة – مثل الناتج المحلي الإجمالي أو الإنفاق العسكري – في البيانات الحديثة والتاريخية لتحديد عتبة موضوعية لمكانة القوة العظمى. وخلصت دراستي إلى أن الانشغال بالسؤال عما إذا كانت الصين تلحق بالولايات المتحدة يغفل جوهر المسألة. فقد كانت هناك في التاريخ قوى عظمى أضعف بكثير من الدولة المتصدرة – أي الدولة الأقوى في النظام العالمي – ومع ذلك دخلت في منافسات أمنية خطرة. وأظهرت منهجيتي أيضاً أن الصين اليوم باتت أقوى مما كان عليه الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. وعليه، فإن الصين المعاصرة ليست مجرد قوة كبرى، وإنما قوة عظمى.
العالم اليوم، باختصار، عالم ثنائي القطب. تؤدي كثير من القوى المتوسطة أدواراً مؤثرة داخل أقاليمها، لكن الولايات المتحدة والصين وحدهما تتجاوزان العتبة القياسية لتصنيفهما قوتين عظميين. وهذا التطور يفسر التوتر المتصاعد في العلاقات الأميركية – الصينية، ويشير إلى أن الدول الأخرى ستجد صعوبة متزايدة في البقاء خارج مرمى نيران هذا التنافس. وتساعد الثنائية القطبية، على سبيل المثال، في تفسير الانشغال الأميركي المتنامي بأميركا اللاتينية، حيث اكتسبت الصين نفوذاً اقتصادياً وسياسياً كبيراً. ومع ازدياد الطابع التنافسي للعلاقة بين الصين والولايات المتحدة، ستجد واشنطن هذه التغلغلات غير محتملة – تماماً كما قد ترفض بكين، بدورها، قبول الانتظام السياسي والعسكري الأميركي في محيطها الإقليمي المباشر.
قوة كبرى، وقابلية قياس كبرى
يبدأ إطاري المنهجي بقائمة أعدت بمساعدة مؤرخين وعلماء سياسة، تضم قوى كبرى عبر أنظمة تاريخية مختلفة منذ عام 1820. وعلى رغم الجدل المستمر بين الباحثين حول تعريف “القوة” و”القوة الكبرى”، عكست هذه القائمة قدراً واسعاً من التوافق، وأسست ما يشبه “حقيقة مرجعية” لتوازن القوى عبر الزمن. وبالاستناد إلى البيانات التاريخية، قيمت بعد ذلك أي المقاييس يعيد تمثيل هذه القائمة بدقة أكبر. وقد جرى تقييم مقاييس كل دولة بوصفها نسبة – أي قوة الدولة وفق ذلك المقياس مقارنة بقوة الدولة المتصدرة خلال الفترة قيد التحليل. وتظهر هذه المقاييس، مثلاً، أن الولايات المتحدة لم تكن بعد قوة كبرى في أوائل القرن الـ19، إذ كانت لا تزال متأخرة عن المملكة المتحدة اقتصادياً وعسكرياً. غير أن هذه المقاييس نفسها توضح لاحقاً كيف تجاوزت الولايات المتحدة بريطانيا لتصبح قوة كبرى في أواخر القرن الـ19.
ويظهر هذا الإطار المنهجي أن مقياسين اقتصاديين ينجحان في تحديد القوى الكبرى: الناتج المحلي الإجمالي، ومقياس مركب يجمع بين الناتج المحلي الإجمالي والناتج المحلي الإجمالي للفرد. وقد جادل باحثون سابقون بأن هذا المقياس الثاني يلتقط بعدين أساسين للقوة الكبرى: حجم الاقتصاد مقابل مستوى الثروة. وقد دعمت المقاييس التي اعتمدتها هذا الطرح، إذ ميزت بفاعلية بين القوى الكبرى والدول الأخرى. وبعبارة أخرى، سجلت القوى الأدنى مرتبة درجات متدنية على هذين المقياسين، في حين سجلت القوى الكبرى درجات مرتفعة، مع فجوة واضحة بين الفئتين. أما الناتج المحلي الإجمالي للفرد، فثبت أنه مؤشر ضعيف على القوة، إذ فشل في الفصل بين القوى الكبرى والقوى الأدنى. فكثير من القوى الأدنى تمتلك مستويات مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي للفرد. كذلك فإن هذا المؤشر قد يكون مضللاً لأنه يطمس الفروق الاقتصادية بين أقاليم الدولة الواحدة. فالصين والهند، على سبيل المثال، تضمان ملايين الأشخاص ذوي الدخول المرتفعة، إلى جانب مناطق ذات دخول شديدة الانخفاض. وبما أن الناتج المحلي الإجمالي للفرد يعتمد المتوسط الحسابي، فإنه يحجب هذا التفاوت، وقد يؤدي إلى تشخيص خاطئ للدولة بوصفها متوسطة، بدلاً من كونها دولة تضم مناطق غنية ومتقدمة تكنولوجياً – أي مناطق تنطوي على قوة كامنة وانعكاسات جيوسياسية محتملة.
يوفر هذا الإطار المنهجي في المحصلة عتبة قابلة للقياس لتحديد القوى الكبرى. وأنا أعطي تعريف القوى الكبرى “العادية” لتلك الواقعة ضمن الـ50 في المئة الوسطى من توزيع القوى الكبرى تاريخياً (مستبعداً بذلك الدول الأقوى والأضعف). ويتراوح الناتج المحلي الإجمالي لهذه القوى بين 17 و45 في المئة من ناتج الدولة المتصدرة، بوسيط يبلغ 27 في المئة. وعليه، فإن الدول التي تمتلك نحو 27 في المئة أو أكثر من ناتج الدولة المتصدرة تكون، من ناحية القدرات الاقتصادية، أقوى من غالبية القوى الكبرى التي عرفها التاريخ. أما تصنيف دولة ما بوصفها قوة كبرى بالمعنى الشامل، فيتوقف على أدائها في المقاييس الأخرى، لكن هذه المنهجية تكشف بوضوح ما إذا كانت الدولة تتجاوز عتبة القوة الكبرى الأساسية أو تقع دونها. كذلك تظهر المجالات التي تكون فيها الدولة أقوى أو أضعف. وتسهم هذه التقييمات في دراسة تحولات القوة في السياسة العالمية، وتوفر أداة قيمة لتقييم التغيرات المعاصرة في ميزان القوى – مثل تقدير مدى تراجع الصين أو صعود الهند، على سبيل المثال.
السوفيات في المرتبة الثانية
إن طرح السؤال عما إذا كانت الصين قادرة على اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها اقتصادياً هو سؤال خاطئ، وفق هذه المنهجية التحليلية. إذ تظهر التجربة التاريخية أن الدولة المتصدرة كانت غالباً ما تخوض منافسة محتدمة مع قوى عظمى أخرى أضعف بكثير منها، لم تكن تمتلك سوى ربع أو ثلث الناتج المحلي الإجمالي للدولة القائدة.
وبعبارة أخرى، لا تحتاج الصين إلى معادلة الولايات المتحدة أو التفوق عليها كي تعد قوة عظمى ومنافساً استراتيجياً. ويشكل الاتحاد السوفياتي أوضح مثال على هذه الحقيقة.
لقد عد الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، وعلى نطاق واسع، قوة عظمى ومنافساً جيوسياسياً رئيساً للولايات المتحدة. لكن الاتحاد السوفياتي لم يمتلك، في أفضل الأحوال، سوى نحو 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي. وعلى رغم هذا الخلل الكبير في التوازن، شكل السوفيات تهديداً بالهيمنة الإقليمية في أوروبا. وأدارت موسكو شبكات استخبارات عالمية معقدة، وزودت حركات تمرد مسلحة بالسلاح في أنحاء مختلفة من العالم، وقمعت حركات التحرر الوطني في أوروبا الشرقية ودول البلطيق، ونشرت الأيديولوجية الشيوعية على نطاق عالمي. وعلى رغم تخلفه اقتصادياً عن الولايات المتحدة، هيمن الاتحاد السوفياتي على تفكير صناع سياسة الأمن القومي الأميركي لأكثر من ثلاثة عقود. وبنت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي جيوشاً ضخمة، وخاضا سباق تسلح نووي، ودفعا العالم، خلال أزمات متعددة، إلى حافة حرب نووية كارثية.
أما الصين، التي تتفوق اليوم بصورة كبيرة على الاتحاد السوفياتي من ناحية القوة الاقتصادية، فتمتلك القدرة على القيام بكل ذلك وأكثر. ففي المقياس المركب (الناتج المحلي الإجمالي مضروباً بالناتج المحلي الإجمالي للفرد)، يراوح النطاق الطبيعي للقوى العظمى بين 8 و28 في المئة من درجة الدولة المتصدرة، بوسيط يبلغ 15 في المئة. وتسجل الصين اليوم، بنسبة 36 في المئة، درجة مركبة أعلى بكثير من القوى العظمى “العادية” عبر التاريخ. كذلك تفوق درجتها أيضاً درجة الاتحاد السوفياتي، الذي لم تتجاوز ذروته عام 1970 نسبة 16 في المئة. وتنعكس القوة النسبية للصين كذلك في مقياس الناتج المحلي الإجمالي، إذ تبلغ درجتها 130 في المئة، أي أعلى بكثير من الوسيط التاريخي البالغ 27 في المئة. وقد يشكك المتحفظون، وهم على حق، في دقة الإحصاءات الاقتصادية الصينية، لكن حتى لو كان الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للصين أقل بكثير مما تعلنه رسمياً، فإن الهامش الذي تتجاوزه فوق النطاق الطبيعي للقوى العظمى يبقى واسعاً إلى حد يجعلها قوة عظمى بلا جدال، وبفارق كبير عن الذروة السوفياتية البالغة 44 في المئة.
ولا تتخلف الصين عن الاتحاد السوفياتي إلا في بعد واحد فحسب: حجم الإنفاق العسكري. فقد بلغ الإنفاق العسكري السوفياتي مستوى مساوياً للإنفاق العسكري الأميركي، في حين لا يتجاوز الإنفاق العسكري الصيني اليوم نحو 32 في المئة. غير أن بلوغ هذا المستوى من الإنفاق العسكري استلزم من الاتحاد السوفياتي تخصيص حصة ضخمة من اقتصاده للدفاع – وصلت إلى نحو 14 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي – وهو ما تبين في نهاية المطاف أنه مسار غير قابل للاستدامة. أما الصين، فتخصص حالياً نحو اثنين في المئة فقط من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، مما يمنحها هامشاً واسعاً لزيادة هذا الإنفاق مع الإبقاء عليه ضمن حدود يمكن تحملها اقتصادياً. وخلاصة القول، تظهر المقاييس التي أعتمدها أن الصين لا تحتاج إلى اللحاق بالولايات المتحدة أو معادلتها، إذ إنها باتت بالفعل منافساً من مصاف القوى العظمى، اقتصادياً وعسكرياً، وبقدرات تفوق بفارق كبير قدرات آخر منافس ثنائي للولايات المتحدة، أي الاتحاد السوفياتي.
قوتان في القمة
قد يشكك منتقدون في ما إذا كانت بكين قادرة فعلاً على المنافسة، مشيرين إلى أن نمو الصين يتباطأ، وأن اقتصادها يعاني مشكلات عدة، وأن السياسات القمعية المتزايدة التي ينتهجها الزعيم الصيني شي جينبينغ ستقوض الابتكار في المستقبل. وتسلط هذه الملاحظات الضوء على تحديات حقيقية يواجهها الاقتصاد الصيني، لكنها تخطئ التقدير من نواح عدة.
أولاً، كان بلوغ نمو الصين مرحلة الاستقرار نتيجة متوقعة. فالاقتصادات السريعة النمو تتباطأ دائماً عند بلوغها تقريباً مرحلة الدخل المتوسط، والاقتصادات التي تنجح في الحفاظ على النمو تستقر عادة عند معدلات تراوح ما بين واحد واثنين في المئة سنوياً. وكما حدث سابقاً مع اقتصادات شهدت معدلات نمو مرتفعة – مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان – يمكن أن ينجم تباطؤ النمو عن عوامل عدة، من بينها التحولات السكانية غير المواتية، وارتفاع الأجور، والأزمات المالية الناجمة عن أعوام من الاستثمار المكثف. وعليه، فإن مسألة نجاح الصين لا تتعلق بقدرتها على الإبقاء على معدلات النمو المرتفعة للغاية التي سجلتها في تسعينيات القرن الماضي، بل بقدرتها على أن يستقر اقتصادها عند معدلات نمو ناضجة وأدنى بكثير.
وفي خضم هذا التحول، يواجه الاقتصاد الصيني بالفعل تحديات جسيمة، تشمل قطاع عقارات متعثر، ومستويات دين هائلة، ومشكلة يسميها الباحثون “الانغلاق التنافسي” involution – أي المنافسة المفرطة بين الشركات على هوامش ربح آخذة في التقلص. ولا أحد يستطيع التنبؤ بمدى نجاح الحزب الشيوعي الصيني في التعامل مع هذه التحديات، لكن الحديث عن بلوغ الصين ذروة صعودها يظل سابقاً لأوانه. فقد جادل مشككون في السابق بأن النظام الصيني سيتعرض للانهيار، أو أن نموه الاقتصادي سيتعطل بفعل مشكلات عدة – من بينها ردود الفعل الشعبية على سياسات “كوفيد-19” القمعية، أو كلفة التخفيف من الدمار البيئي – غير أن هذه التوقعات لم تتحقق. والأهم من ذلك أن افتراض انهيار المنافس، ولا سيما عندما يمتلك قيادة قادرة على التكيف والكفاءة مثل القيادة الصينية، يشكل أساساً ضعيفاً لصنع السياسات.
وثمة مشككون آخرون يرون أن سياسات شي جينبينغ – المتمثلة في تشديد القيود على المجتمع المدني، وتعزيز الرقابة على القطاع الخاص (كما ظهر في الحملة التي استهدفت قطاع التكنولوجيا بعد عام 2020)، واعتماد طيف واسع من المقاربات “النيو-استبدادية” تقوض القدرات الابتكارية للصين. ولا شك أن الابتكار عنصر حاسم في التنافس الجيوسياسي للصين، وأن القوى العظمى لا بد من أن تكون في طليعة المنافسة التكنولوجية. وإذا انتهج شي سياسات تكبح الابتكار، فستواجه الصين صعوبة في مواصلة التقدم. لكن كثيراً من سياسات بكين يبدو أنها تحقق نتائج ملموسة. فقد أسهم الاستثمار الكثيف في رأس المال البشري العالي المهارة، وفي البحث والتطوير، في تكوين قوة عاملة متقدمة. كذلك فإن الاستثمارات الحكومية الضخمة في قطاعات محورية، مثل الطاقة النظيفة، والروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، ساعدت الشركات الصينية على الابتكار وتعزيز قدرتها التنافسية تجارياً. ولم تمنع النيو-استبدادية التي ينتهجها شي الصين من تحقيق نجاحات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة والاتصالات الكمية، والحوسبة الفائقة، وغيرها من الميادين التكنولوجية. بل إن الصين، في كثير من القطاعات، لا تكتفي بمنافسة الولايات المتحدة، وإنما تنازعها موقع الريادة.
وقد يجادل منتقدو التقييم القائل بوجود ثنائية قطبية بأن العالم هو في الواقع متعدد الأقطاب. فروسيا، في نهاية المطاف، غزت جارتها أوكرانيا عام 2022، كذلك فإن تحالفها مع الصين له تبعات جيوسياسية بالغة الأثر. وتتمتع ألمانيا واليابان بثقل بارز اقتصادياً وتكنولوجياً ودبلوماسياً، إلى جانب مجموعة آخذة في الاتساع من القوى المتوسطة المؤثرة، تضم البرازيل والهند والمكسيك والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا وتركيا.
وبالفعل، أسهمت القوى المتوسطة عام 1990 بنحو 15 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في حين ارتفعت هذه النسبة إلى قرابة 30 في المئة عام 2022. وعلى الصعيد العسكري أيضاً، ازدادت قدرات هذه الدول، إذ ارتفعت حصتها من الإنفاق العسكري العالمي من نحو سبعة في المئة عام 1990 إلى نحو 15 في المئة عام 2022.
غير أن تنامي دور القوى المتوسطة لا ينبغي الخلط بينه وبين التعددية القطبية، إذ إن أياً من هذه القوى لا يتجاوز العتبة المعتمدة للقوة العظمى من ناحية القدرات الاقتصادية والعسكرية. فقد أبقت المستويات المنخفضة للجاهزية العسكرية في ألمانيا واليابان هاتين الدولتين خارج مصاف القوى العظمى، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانتا ستفيان بتعهداتهما بزيادة الإنفاق الدفاعي بما يسمح بتجاوز تلك العتبة. وروسيا أيضاً تقع دون هذه العتبة. فلو كانت روسيا قوة عظمى، لكانت هزمت أوكرانيا وهددت بفرض هيمنة إقليمية على أوروبا الغربية، كما فعل الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة. أما الهند، فقد تبلغ يوماً ما مرتبة القوة العظمى إذا واصلت نموها الاقتصادي وزادت إنفاقها العسكري، لكنها حالياً لا تزال دون هذا المستوى. وحدهما الصين والولايات المتحدة تتجاوزان في الوقت الراهن العتبتين الاقتصادية والعسكرية لمكانة القوة العظمى.
معارك في الحديقة الخلفية
في الأعوام الأولى من حقبة الثنائية القطبية، يتصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة عبر جميع المجالات: التجارة، والمال، والتكنولوجيا، والحوكمة العالمية، والقوة العسكرية. وتتردد أصداء هذا التنافس في أنحاء العالم كافة، بما يؤكد مقولة عالم السياسة باري بوسين بأن “الأطراف تختفي” في نظام ثنائي القطب. وتشعر الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بالقلق إزاء مكاسب الصين في الشرق الأوسط، حيث تزداد مكانة بكين بوصفها شريكاً اقتصادياً وتكنولوجياً وأمنياً مهماً، على رغم شبكة العلاقات الطويلة الأمد التي تربط الولايات المتحدة بالمنطقة.
غير أن القاعدة الأولى في نظام الثنائية القطبية هي تأمين “الحديقة الخلفية”. فقد سعت حكومة نيكولاس مادورو في فنزويلا إلى تعميق علاقاتها الاقتصادية مع الصين، وتأتي الضغوط العسكرية الأميركية الأخيرة في منطقة الكاريبي وشرق المحيط الهادئ، جزئياً، بمثابة تحذير لكراكاس ولحكومات أخرى في المنطقة من عواقب التقارب الوثيق مع بكين. وفي وقت سابق من هذا العام، بعثت إدارة ترمب بإشارات مماثلة إلى بنما، مفادها أن الاستمرار في السماح للشركات الصينية بالسيطرة على بنى تحتية استراتيجية في قناة بنما قد يستدعي تحركاً عسكرياً أميركياً. لقد اختبرت أميركا اللاتينية وطأة الثنائية القطبية خلال الحرب الباردة، وها هي اليوم، في ظل التنافس المتصاعد بين القوتين العظميين الصينية والأميركية، تبدأ في تلمس آثارها مجدداً.
وفي شرق آسيا، يرجح أن تسعى الصين إلى فرض نسختها الخاصة من “مبدأ مونرو”. وستواصل بكين استخدام تكتيكات تدرجية وضغوطاً اقتصادية ضد جيرانها لدفعهم إلى فك الارتباط بواشنطن أو النأي بأنفسهم عنها. وسيحدد مدى سعي بكين إلى إقصاء الولايات المتحدة سياسياً وعسكرياً عن محيطها الإقليمي، في الأعوام المقبلة، الساحة الرئيسة للتنافس الاستراتيجي الصيني- الأميركي. وقد شكلت عبارة “لا تجعلونا نختار” شعاراً رددته دول كثيرة في شرق آسيا، بما في ذلك بعض حلفاء الولايات المتحدة المرتبطين بها بمعاهدات. غير أن الثنائية القطبية لا تتيح هذا الترف للدول الصغيرة الواقعة في “الحديقة الخلفية” لقوة عظمى. إذ ستجبر هذه الدول على الاختيار – وعليها أن تختار بما ينسجم مع توازنات جوارها – وإلا واجهت العواقب. إن عودة الثنائية القطبية تعني أن الوقت قد حان لتذكر – بأسى وترقب – طبيعة منافسة القوى العظمى، وحدتها، واتساع نطاق تأثيرها عالمياً.
مترجم عن “فورين أفيرز” 12 ديسمبر (كانون الأول)، 2025
جينيفر ليند أستاذة مشاركة في العلوم السياسية بكلية دارتموث وزميلة مساعدة في “تشاتام هاوس”. لها كتاب “الاستبداد 2.0: كيف أعاد نهوض الصين ابتكار الطغيان” Autocracy 2.0: How China’s Rise Reinvented Tyranny.
اندبندنت عربية
