
-
-
.. الجمهورية .نت…مسلم عبد طالاس
-
ليست السياسة الصناعية – بوصفها الأداة الهادفة إلى إعادة تشكيل البنية القطاعية للاقتصاد – ولا عملية إعادة الإعمار في سوريا مجرد ملف تقني أو مجموعة مشاريع هندسية يُمكن إدراجها في جداول زمنية صارمة. إنها في جوهرها مسألة سياسية–اقتصادية عميقة تتجاوز صور الأبراج الجديدة والجسور المُعبدة لتلامس أساس الدولة والاقتصاد معاً. من يملك سلطة القرار؟ كيف تُوزَّع الموارد؟ ما الذي ينبغي أن يبدأ أولاً، وما الذي يُمكن أن يتأخر؟ وما حدود قدرة المؤسسات على قيادة الاقتصاد مع استخلاص الدروس في الوقت نفسه؟ الاقتصادات الخارجة من الحرب لا تنهض بمجرد صبّ الإسمنت أو استيراد المعدات، بل عبر اختيار واعٍ للقطاعات القاطرة، وبناء جهاز دولة مستقل عن شبكات الريع لكنه متجذّر في المجتمع، واعتماد نهج تعلّمي وتجريبي قادرٍ على كسر الجمود البيروقراطي. هذه الصيغة الثلاثية هي ما قدّمه هيرشمان، وبلوَره لاحقاً كل من إيفانز ورودريك – وهما من أبرز المنظرين للسياسة الصناعية – لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة محورية واحدة: أن الإعمار الناجح ليس وصفة جاهزة بل منطق يُصاغ محلياً ويُختبر على أرض الواقع.
قدّمت النظرية الاقتصادية عبر التاريخ إجابات مختلفة لمسألة الثروة ومصادرها. جادل الفيزيوقراطيون في القرن الثامن عشر، مثل كيناي، بأن الزراعة وحدها تُنتج فائضاً اقتصادياً، بينما تُعيد الأنشطة الأخرى توزيعه فحسب. قد تبدو هذه النظرة للوهلة الأولى قديمة، لكنها تُذكرنا بأهمية الأمن الغذائي في بلد مثل سوريا، حيث انخفض حصاد القمح والزيتون انخفاضاً حاداً، وأصبحت واردات الغذاء عبئاً على الميزانية والحياة اليومية. لاحقاً، جاء الاقتصاديان الكلاسيكيان، آدم سميث وديفيد ريكاردو، اللذان حوّلا مركز الثقل نحو الصناعة والتجارة؛ إذ جادلا بأن تقسيم العمل والميزة النسبية يُطلقان العنان للنمو ويُمكنان الدول من المنافسة. تتردد هذه الفكرة بوضوح في النقاشات السورية حول إحلال الواردات وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية. ذهب كارل ماركس إلى أبعد من ذلك: لم تكن الصناعة، بالنسبة له، مجرد قطاع واحد من بين قطاعات أخرى، بل كانت المصدر الحقيقي لفائض القيمة – الفائض الذي يُمكّن من تراكم الثروة. بالنسبة لسوريا بعد الحرب، تُعد هذه الرؤية بالغة الأهمية، إذ لا يُمكن للاقتصاد الاعتماد كلياً على الزراعة أو الخدمات المُتفرقة في ظلّ تدمير واسع النطاق للقدرة الإنتاجية. ثم جاء كولين كلارك وجان فوراستيه في القرن العشرين بنظريتهما للقطاعات الثلاثة، واصفَينِ التحول التاريخي من الزراعة إلى الصناعة، ثم إلى الخدمات. يُقدم لنا هذا المنظور خريطة زمنية: في المرحلة الأولى، يجب تثبيت قاعدة الزراعة والطاقة والبنية التحتية، ثم بناء قاعدة صناعية لتقليل الواردات، وأخيراً الانتقال إلى الخدمات والمعرفة المتقدمة.
ومع ذلك، لا تُجيب هذه الروايات الكبرى على السؤال المُلحّ: كيف تُعيد الاقتصادات التي مزقتها الحروب الحياةَ من جديد؟ وهنا يأتي دور ألبرت هيرشمان، بأطروحة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في جوهرها: لا تتطور الاقتصادات بخطى ثابتة أو من خلال خطط شاملة، بل من خلال قطاعات رائدة ذات روابط أمامية وخلفية كثيفة تجذب قطاعات أخرى. إذ ليست جميع القطاعات متساويةً في قدرتها على توليد الروابط، فالطاقة ليست مجرد قطاع؛ إنما هي مدخل كل شيء: فلا زراعة، ولا صناعة، ولا خدمات من دون كهرباء وماء ووقود. إن البنية التحتية تفتح شرايين التجارة وتُخفض تكاليف الإنتاج، بينما يُشغّل الإسكان والبناء أعداداً كبيرة من العمال ويُولّدان طلباً فورياً على الإسمنت والصلب والزجاج والنقل. لذا فإن اختيار هذه القطاعات ليس ترفاً، بل ضرورة. غير أن العبرة لا تكمن في اختيارها، بل في هندسة الروابط بينها بوعي: كيف يُمكن للطلب الهائل على مواد البناء أن يُصبح فرصة لإعادة تشغيل مصانع الإسمنت المحلية بدلاً من تحفيز الواردات المُكلفة؟ كيف يُمكن ربط محطات الطاقة الفرعية الجديدة بالمناطق الصناعية الناشئة، مما يفتح آفاقاً للصادرات بدلاً من مجرد تغطية الاستهلاك المحلي؟ هذه هي أسئلة هيرشمان الجوهرية.
لكن القطاعات وحدها لا تكفي. وكما يقول بيتر إيفانز، فإن السياسة الصناعية ليست قائمة قرارات مُحايدة، بل هي اختبار للدولة نفسها. فإذا كانت الدولة أسيرة شبكات المحسوبية أو ترتيبات تقاسم الريع، فإن أي خطة ستذوب في توزيع الريع، وستُصبح المشاريع الملموسة أدواتٍ لترسيخ اقتصاد الحرب بدلاً من التغلب عليه. في المقابل، إذا حققت الدولة ما أسماه إيفانز بالاستقلالية الراسخة – أي الاستقلال النسبي عن المصالح الضيقة مع بقائها مُتجذرة في نسيج المجتمع والأسواق – فستتمكنُ من توجيه عملية إعادة الإعمار بفعالية. هذا يعني أن على الدولة السورية أن تتجاوز منطق تقاسم الحصص نحو جهاز قادر على حوكمة رشيدة: عقود شفافة، وآليات لحل النزاعات العقارية التي تُعيق الاستثمار، وبيروقراطية مُنضبطة مُحصنة ضد نزوات شبكات الزبائنية. من دون هذه العناصر، حتى الخيارات القطاعية الصحيحة ستفشل في تحقيق أهدافها.
يُضيف داني رودريك بُعداً ثالثاً لا يقلُّ أهمية: لا يُمكن إدارة إعادة الإعمار كصيغة جاهزة أو خطة رئيسية مُكتملة. فالاقتصاداتُ المُعقدة تتطلب التعلُّمَ عبر التجريب: إطلاق مشاريع تجريبية صغيرة، وقياس نتائجها، ونشرها علناً، ثم توسيعها أو تعديلها وفق ما يكشفه الواقع. في سوريا، قد يعني ذلك أن عقد صيانة الطُرق القائم على الأداء قد يُشكل نموذجاً أولياً أكثر قيمة من خطة خمسيةٍ مكتوبة على الورق، أو أن إنشاء مجمع سكني نموذجي يُتيح قياس التكلفة والجودة بدقّة قد يُعلِّم أكثر من مئات الوعود المبالغ فيها التي تنهار عند أول احتكاك بالتنفيذ. فالتجريب ليس ضعفاً، بل قوة: إذ يُقرّ بحدود المعرفة السابقة، ويفتح المجال أمام التعلّم المؤسسي القادر على التكيف.
إن النظر إلى سوريا في نهاية عام 2025 من خلال هذا المنظور الثلاثي يُعطي صورة متباينةً. فمن جهة، ثمة إشارات رسمية واضحة لتحديد القطاعات الرائدة. يضع الصندوق السوري للتنمية إعادة الإعمار في صميم أهدافه: إزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير السكن الآمن، وتوفير وسائل نقل حديثة. وتربط وزارة الكهرباء بوضوح تحسينات نظام الطاقة بمسار إعادة الإعمار مؤكدة على أن الطاقة شرطٌ أساسي لأي نشاط اقتصادي أو خدمي آخر. وتُقدم هيئة التخطيط والتعاون الدولي نفسها على أنها الذراع التخطيطي للدولة لمتابعة الخطط، بينما تعمل هيئة التخطيط الإقليمي على دمج التخطيط المكاني والاقتصادي – وهو أمرٌ ضروري لتجنب النمو الحضري المُشوه أو «الجزر الخرسانية» التي تفتقر إلى الروابط الوظيفية. وتُركز وسائل الإعلام الرسمية على البنية التحتية والطاقة والإسكان. كل هذا يعكس التوافق مع منطق هيرشمان: من حيث تحديد القطاعات الرائدة، والوعي الجليّ بأولويات الطاقة والإسكان والبنية التحتية. من ناحية أخرى، لا تزال هناك فجوات لا يُمكن تجاهلها. أولاً، لا تزال هندسة الروابط بين القطاعات غائبة عن الخطاب العام. إذ لا توجد خطط منشورة توضح، على سبيل المثال، كيف يُمكن الاستفادة من موجة البناء لإعادة تنشيط الصناعات المحلية بدلاً من الاعتماد على الواردات، أو كيف يُمكن ربط محطات الطاقة الفرعية بالمناطق الصناعية أو الزراعية الموجهة للتصدير. ثانياً، الشفافية التشغيلية ضعيفة: تفتقر المواقع الإلكترونية الرسمية إلى قوائم مشاريع مُفصّلة مع جداول زمنية ومؤشرات أداء، مما يجعل ثقة المجتمع والمستثمرين محدودة. ثالثاً، آليات التعلّم والتجريب غائبة إلى حد كبير. فالمعارض والمؤتمرات قد تُعطي شعوراً بالديناميكية، لكنها لا يُمكن أن تُغني عن وثائق التشخيص المنهجية أو تقارير التقييم الدورية للمشاريع التجريبية الصغيرة. رابعاً، خطر المحسوبية الذي يلوح في الأفق: فمن دون الشفافية، من السهل جداً أن تتحول مشاريع إعادة الإعمار إلى أدوات لتوزيع الريع بين شبكات النفوذ.
بالنظر إلى الوضع في سوريا في نهاية عام 2025، يظهر قدر جيد من الاتساق على المستوى القطاعي: إذ يبدو اختيار القطاعات الرائدة سليماً نسبياً. لكن الاتساق المؤسسي ليس على ما يرام: فهياكل التخطيط رغم وجودها لكنها تفتقر إلى التفعيل والشفافية الكافيين. كما أن الاتساق المنهجي، من حيث التعلم التجريبي، ضعيف.
ما العمل إذاً؟ أولاً، ينبغي وضع مصفوفة مشاريع عامة لكل قطاع رائد، تُحدد النطاق والتكلفة والتمويل والجهة المنفّذة والجدول الزمني ومؤشرات الأداء على أن تُحدّث هذه البيانات بشكل ربعِ سنويٍّ على بوابة حكومية واحدة. هذا ليس مطلباً فنياً، بل شرط لبناء الثقة المؤسسيّة والاجتماعية. ثانياً، يجب تصميم الروابط بعناية وفقاً لمفهوم هيرشمان: بحيث تتحول المشاريع إلى حِزم متكاملة، مثل ربط مشاريع الطاقة بصناعات الإسمنت والصلب مع صيانة الطرق القائمة على الأداء، أو ربطها بأنظمة الري وبقطاع تجهيز الأغذية والتخزين البارد، على أن تكون بأهداف واضحة للمحتوى المحلي وتسهيلات ائتمانية لدعمها. ثالثاً، ينبغي إطلاق منصة تجريبية رسمية بروح رودريك: مشاريع تجريبية صغيرة مُعلنة – كمجمع سكني نموذجي، أو محطة كهرباء فرعية مرتبطة بمنطقة صناعية، أو عقد طريق قائم على الأداء – مصحوبة بتقارير تقييم مفتوحة كل ستة إلى تسعة أشهر، لتمكين التعلّم والتصحيح بشفافية. رابعاً، تتطلب إعادة الإعمار إنشاء مجلس تنسيق دائم يضم هيئة تخطيط، ولجنة التخطيط الإقليمي، وصندوق التنمية، والوزارات المعنية، وإلى جانب ممثلين اقتصاديين من اتحادات الأعمال والمقاولين، مع محاضر منشورة مُوجزة. هذه ليست بيروقراطية زائدة عن الحاجة، بل تجسيدٌ عملي للاستقلالية الراسخة التي أرساها إيفانز: دولة تُدير، لا دولة تُقسِّم الغنائم.
تقف إعادة إعمار سوريا اليوم عند مفترق طرق. ففي أحد المسارين، تتحول مشاريع البناء والطاقة إلى عروض خرسانية ضخمة دون روابط إنتاجية، تاركة الاقتصاد أسيراً للمحسوبية والريع. وفي المسار الآخر، تُصبح الخرسانة أداة للسياسة الصناعية الواعية، تفتح قنوات للتصنيع والزراعة والطاقة والخدمات، وتُسهم في بناء جهاز حكومي قادر على التعلّم والتصحيح. لا يكمن الفرق بين هذين المسارين في حجم التمويل، بل في طبيعة الدولة نفسها ونهجها. والتحدي الأكبر لا يتَمثّل في تأمين القروض أو إزالة الأنقاض، بل في بناء منطق سياسات صناعية ينسج معاً القطاعات الرائدة، والحوكمة الشفافة، والتجريب المؤسسي. عندها فقط، ستُصبح إعادة الإعمار عملية مستمرة، لا مجرد صورة جوية مصممة لتُبهر العين.
-