كتابة اليوميات هي أكثر الممارسات تطبيقًا للديمقراطية، فهي لا تحتاج إلّا لورقة وقلم، ولا يطلب من كاتبها أن يكون موهوبًا، وإنّما شخص لديه رغبة بالتعرّف على ذاته، وأن يكون شاهدًا على محيطه بصدق وأصالة. تمارس كتابة اليوميات بشكل علني، أو سرّي، مستغلّة كل وسائل التعبير، وصولًا لوسائط السوشيال ميديا. هكذا يستخدم الإنسان كلّ ما يتيح له أن يعبّر عن نفسه، حتى أصبحت كتابة اليوميات تضارع في قيمتها أدب السيرذاتية، والرسائل، وحتى الروايات والقصص.
يأتي كتّاب أدب اليوميات من جميع مناحي الحياة، حاملة بصماتهم الشخصية، ومعبّرة عن تنوعهم الثقافي، وأساليبهم، وهوياتهم، وآرائهم، وفتراتهم الزمنية المختلفة. وتختلف اليوميات في سهولة الوصول إليها وقراءتها، فكثير منها لا ينشر، وبعضها الآخر يتلف، أو يُخفى، أو يكون مشفرًا. وعادة ما تكون اليوميات، بأشكال متنوعة، منتظمة، متكرّرة، عفوية، مرتجلة، مجزأة، مؤرّخة، صريحة، خاصة، شخصية، وتأملية. وعندما نتأمّل في جوهر تجربة الكائن البشري تظهر اليوميات مقدرتها على التطرّق إلى أفكار بالغة الأهمية عن كيفية فهم طبيعة ومضمون التجربة الإنسانية والتحقّق منها ووصفها. وتسمح اليوميات بإظهار شخصية الإنسان بعيدًا عن التأطير المجتمعي، وكثيرًا ما تُنزع الأقنعة عند كتابتها.
| والتر سكوت: اليوميات وثيقة مفيدة لمن يكتبها، وأداة تعليمية قيّمة لمن يقرؤها، أو يطلع عليها، بعد قرون |
وصف المؤرِّخ الاسكتلندي والتر سكوت (1771 ــ 1832) اليوميات بأنّها وثيقة مفيدة لمن يكتبها، وأداة تعليمية قيّمة لمن يقرؤها، أو يطلع عليها، بعد قرون. كان سكوت في الخمسينات من عمره عندما شرع في تدوين يومياته بانتظام، وتمنّى لو أنّه بدأ في وقت أبكر: “ندمت طوال حياتي على عدم تدوين يومياتي بانتظام. لقد فقدت ذكريات كثيرة مثيرة للاهتمام، وحرمت عائلتي والجمهور من معلومات قيّمة، لعدم تنفيذي لهذا القرار”.
أهم ملامح كتابة اليوميات، هي أنّ مدخلاتها شخصية، فلقد حلّل سكوت سبب تمكّنه من كتابة اليوميات بانتظام، وخلص إلى أنّ الكتابة بضمير المتكلّم هي قلب اليوميات، وأنّ الكتابة عن الذات هي التي منحته المثابرة على هذه المهمة. واليوميات لا بد أن تكون مؤرّخة ومتتابعة، وقد عرّفها الناقد فيليب لوجون بأنّها: “سلسلة آثار مؤرّخة”. لقد وجِدت عبر التاريخ تعليقات مؤرّخة في الحوليات والسجلات التاريخية والتقاويم، وغيرها من الوثائق الرسمية. استمرت هذه النصوص الرسمية المتعلّقة بالزمن في أداء غرضها الأصلي كسجلات لأنشطة الدولة، أو غيرها، لا سيما من قبل القادة والمسؤولين، ورجالات العلم والأدب، لكنّها تحوّلت تدريجيًا إلى وثائق تُدوَّن فيها ملاحظات شخصية مؤرّخة.
يعود أصل كلمة “diary/ يوميات” إلى القرن السادس عشر، وهي مشتقة من الكلمة اللاتينية “diarium”، والتي تعني حصّة الشخص اليومية من الطعام، وهي بذاتها مشتقة من كلمة “اليوم/ dies.” وبالمثل في اللغة الفرنسية “journal/ يوميات” مشتقة من كلمة اليوم. ولقد استخدمت بهذا المنحى الدلالي في مسرحية “فولبوني”/ 1605 Volpone للمسرحي الإنكليزي بن جونسون. هذا الاشتقاق المرتبط باليوم كوحدة زمنية لليوميات يميّزها عن السير ذاتية التي تكتب باسترجاع الزمن، وعادة ما تكون ذات بداية ونهاية. على العكس من ذلك، تقوم اليوميات على محايثة الزمن يومًا تلو يوم كوحدة زمنية محددة ومتتابعة وتعالج المشاعر والأفكار والحوادث الذاتية والعامة التي تحدث فيه وتكون ذات الكاتب في بؤرة التدوين، أو شاهدة على ما يجري من أحداث. وتختلف اليوميات أيضًا عن أدب الرسائل الذي يوجّه إلى الغير. يقول المؤرّخ البريطاني إسحاق دزرائيلي في كتابه “غرائب الأدب” (1817): “نتواصل مع الغائبين بالرسائل، ومع أنفسنا باليوميات”. ومع ذلك، تشترك اليوميات مع أدب السيرذاتية والرسائل بما يسمى أدب الذات، أو كتابة الذات.
ولادة اليوميات
ولادة الإنسان الفرد المستقل في الحضارة البشرية، بعيدًا عن طمس شخصيته الفردية من قبل الأسرة والعشيرة والقبيلة والدولة، هي شأن حديث، فلن نجد ما يشابه مقولة شكسبير في مسرحية هاملت: “أكون أو لا أكون، هذا هو السؤال” بذات المعنى، في ما سبق من ثقافات، حيث سنجد قول الشاعر دريد بن الصمة: “ومَا أَنَا إِلَّا مِنْ غَزِيَّةَ إِنْ غَوَتْ/ غَوَيْتُ وَإِنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أَرْشُدِ”. وقد يقول قائل، ماذا عن خيار سقراط المستقل الذاتي في أن يشرب الشوكران، أو “تأملات” الإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس، أليست هذه الذوات التي أخذت تلك القرارات هي ذوات فردية مستقلة؟ نعم، هي كذلك! لكن فرادة الإنسان ككائن مستقل كانت متاحة فقط لكبار القادة، أو رجال الدين، أو بعض الفلاسفة والشعراء، ولا تشمل بقية البشر، فالاستثناء لا يعمّم، ولا يصنع قاعدة. وعندما نعود إلى اعترافات القديس أوغسطين، لا نجد ما يماثله ممّن يعتقدون بالديانة المسيحية، فلقد ظلّ الاعتراف كأحد أسرار الكنيسة سريًّا ينطلق من فم المعترِف إلى أذن الكاهن لا غير، فلا يدون ولا يؤرّخ. ومن هذا المنطلق علّق المفكر الإنكليزي آرثر بونسومبي مؤلّف كتاب “المذكرات الإنكليزية” بأنّ اليوميات والمذكرات تُعدّ مقياسًا جيدًا لضبط تطور العقل وتاريخه، أو لظهور فكرة الذات البشرية. هذه الأمثلة التي ذكرناها آنفًا ظلّت كحالات استثنائية، ولم تصبح عامة إلّا في عصر النهضة الأوروبية مع اختراع المطبعة وانتشار التعليم والإصلاح البروتستانتي الذي جعل النجاة الدينية قضية فردية لا دخل للكنيسة فيها. هذه العوامل هي من ساهمت بظهور الذات المستقلة، والتي أرادت أن تكتب نظرتها الخاصة لذاتها وللكون، ليس لأجل الغير، بل لذاتها فقط. كثيرًا ما يقال بأنّ مبدأ الاعتراف في العقيدة المسيحية هو وراء ظهور اليوميات، لكن على الرغم من أهميته نرى بأنّ الشعور بالذات ككينونة مستقلّة هو ما سمح لليوميات أن توجد.
| موراساكي شيكيبو (القرن العاشر) صاحبة رواية: “قصة غنجي”، التي تعدّ من أوائل الروايات التي تكتب في هذا الفن |
تعود أولى اليوميات التي تتشابه جدًا مع ما يكتب في زمننا الحديث إلى اليابان، ففي القرن العاشر الميلادي في فترة الازدهار الثقافي ظهرت مذكرات ما يُسمى: “يوميات الوسادة”، وكانت تخصّ الأميرات وسيدات البلاط، حيث كتبن فيها مشاعرهن وأفكارهن وتأملاتهن. ولقد سميت بيوميات الوسادة لأنّها كانت تخبأ تحت الوسادة، أو داخلها، وهذا دلالة على أنّ تأملات الفرد الذاتية الخارجة عن السياق المجتمعي يجب أن تظلّ مخفية. كانت موراساكي شيكيبو إحدى سيدات البلاط الياباني في القرن العاشر، وهي صاحبة رواية: “قصة غنجي”، التي تعدّ من أوائل الروايات التي تكتب في هذا الفن، من اللاتي كتبن يومياتهن في ذلك الزمن. لقد كانت شيكيبو شاعرة وأديبة سجلت يومياتها، حيث تقول في إحداها: “أتمنّى لو كنتُ أكثر مرونةً، وأعيش حياةً أكثر بهجة في هذا العالم ــ لولا حزني الشديد ــ ولكن كلّما سمعت أشياءً سارة، أو مثيرة للاهتمام، ازداد شوقي إلى حياة دينية. ينتابني الحزن والأسى، فأحاول النسيان، فالحزن عبث. هل أنا غارقةٌ في الخطيئة؟ هكذا كنتُ أفكّر ذات صباح عندما رأيت طيورًا مائية تلهو بلا مبالاة في البركة”. إنّ انكباب نسوة القصر والطبقة المثقفة في اليابان على كتابة اليوميات دلالة مباشرة على إدراك الذات ككينونة مستقلة، حيث نرى في المقبوس من يوميات شيكيبو كيف يظهر قلق الذات المفردة وحيرتها أمام الوجود. والأكثر دلالة على أنّ اليوميات مرتبطة بالذات المفردة المستقلّة، أنّ النساء باشرن في كتابة اليوميات، فالذات المستقلّة المفردة نالها الذكر قبل الأنثى، وعندما نرى نساء يكتبن اليوميات في تلك الأزمنة ندرك كم تطور مفهوم الذات البشرية المستقلّة.
| صموئيل بيبس، شكسبير اليوميات |
بدأ انتشار كتابة اليوميات يغزو المجتمعات الأوروبية منذ القرن السابع عشر، وقد كان لصموئيل بيبس (1633 ــ 1703)، الذي يُسمى شكسبير اليوميات، دور مهم في التنبيه لأهميتها. دوَّن بيبس يومياته وملأها بالتفاصيل العامة والخاصة، وتناول فيها أحداثًا مهمة، كالطاعون الكبير الذي أصاب إنكلترا عام 1665، وحريق لندن، إلى جانب حياته الشخصية. ومن مذكراته في 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 1660، نقتطف: “ذهبتُ إلى تشارينغ كروس لأشهد إعدام اللواء هاريسون شنقًا وتقطيعًا؛ وقد تم ذلك هناك… وعُرض رأسه وقلبه على الناس، فتعالت صيحات الفرح… بعد ذلك، عدتُ إلى المنزل، حيث كنتُ غاضبًا من زوجتي بسبب أغراضها المبعثرة، وفي لحظة غضب ركلت السلّة الصغيرة الجميلة التي اشتريتها لها من هولندا، فكسرتها، ممّا أزعجني جدًا”. بدأ الأوروبيون بالتمرّد على الطبقة الحاكمة التي تجاهلت فرديتهم، فتحوّلت اليوميات تدريجيًا من كونها أداة روحية دينية، وكتابة رحلات، إلى كتابة تأملية وخاصة إبّان زمن الثورة الفرنسية، ولقد عرفت باسم “اليوميات الداخلية”. أصبحت هذه اليوميات بمثابة فحص دقيق ومؤلم للضمير والمشاعر الإنسانية، حيث يتعرّى كاتب اليوميات أمام نفسه لإثبات ذاته الحرّة. وقد عبّر ستندال، والذي بدأ يومياته في سن الثامنة عشرة، عن جوهر اليوميات الداخلية، فلقد كتب في تاريخ 11 سبتمبر/ أيلول 1811: “ألاحظ الصدى الذي يحدثه كل شيء وهو يلامس روحي”.
لم تعد اليوميات مجرد تدوين للحوادث، أو المشاعر السطحية، وإنّما أصبحت فلسفة الإنسان الفرد. ولقد شهدت الفترة التي عُرفت بالرومانسية، في العقود الأخيرة من القرن الثامن عشر، والعقود الأولى من القرن التاسع عشر، انتعاشًا ملحوظًا في معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة، وأصبحت اليوميات، إلى جانب كونها أداةً للثقة، مصدرًا متزايد الأهمية للتأمّل والتذكّر. لم يكن الانتقال من النزعة الأخلاقية الدينية إلى الرومانسية سلسًا، وخاصة أنّ الرومانسية تعلي من شأن الإنسان الفرد، إذ أصبح بناء شخصية أخلاقية سليمة هاجسًا في القرن التاسع عشر، لا سيما بين الطبقة الوسطى، واتخذت اليوميات أدوارًا جديدة في رصد السلوك الحسن، وتوثيق الأدلة على المعايير الأخلاقية الرفيعة للفرد، وشُجع المراهقون، وخاصة الفتيات، على تدوين يومياتهم كأداة لضبط النفس. وبحلول ذلك الوقت، تجاوز دور اليوميات مجرد تسجيل الحقائق ومتابعة الالتزام أمام الله والمعتقدات الدينية، ليصبح سجلًا شخصيًا ثمينًا للملاحظة والتأمّل الذاتي. وكانت هذه العملية خطوة مهمة نحو تنمية الاستقلال الشخصي، والسعي إليه داخل الأسرة والمجتمع، وجزءًا لا يتجزّأ من هوية الفرد. انتشرت اليوميات بين الذكور والإناث، وأنشأت مئات النساء الرائدات شبكة من المراسلات، استنادًا إلى اهتمام مشترك بكتابة اليوميات، حيث استندت كثير من النساء على اليوميات لحفظ تاريخهن وثقافتهن، فأصبحت الحركات النسوية في زمننا ترى باليوميات أداة تعبير نسائية في المقام الأول. ولقد عدّت يوميات أناييس نين، والتي نُشرت لأول مرة عام 1966، ذات أثر بالغ على الحركة النسوية، وعلى عدد النساء اللاتي بدأن بتدوين يومياتهن. بدأت أناييس نين كتابة يومياتها في سن الحادية عشرة عام 1914، واستمرت في ذلك لأكثر من ستين عامًا. ومنذ صغرها، نشأت بينها وبين يومياتها علاقةٌ وثيقة، وفي 22 مارس/ آذار 1919، كتبت: “لقد فتحتُ للتو دفترًا جديدًا، وكوّنت صداقةً جديدة. لقد أغلقتُ للتو دفترًا ممتلئًا، وها أنا ذا أمام دفترٍ جديدٍ بصفحاته الفارغة التي تنتظر أن أملأها، وأتمنّى من كلّ قلبي أن أكتب فيه أشياءً لا أخجل منها أبدًا. بعد بضعة أيام، أيّها الدفتر الجديد العزيز، ستعرفني جيدًا، وستتعرّف على أفكاري وخيالي الجامح. سأحاول الكتابة بأمانة وإخلاص كلّ يوم، وستحتل مذكراتك مكانها بين مذكراتي الأخرى… نافذة على الحياة في الماضي”.
| أناييس نين استمرت في كتابة يومياتها لأكثر من ستين عامًا |
ذكرنا بأنّ أهم ميزتين لليوميات أنّها شخصية، ومؤرّخة ومتسلسلة، لكن هنالك ميزة ثالثة هي الصدق والأصالة، وهذا ما أشارت إليه أناييس نين: “سأحاول الكتابة بأمانة وإخلاص كل يوم”. من هذه الميزة، انقسم المحللون النفسيون من أتباع فرويد، ويونغ، حول أهمية اليوميات، فذهب الفرويديون إلى معارضة كتابة اليوميات، لأنّها تخفّف من حدّة المشاعر المتأزّمة من دون حلّها، وكأنّهم يأخذون برأي الشاعر الرومانسي بايرون، الذي قال: “أخشى أن يكذب المرء على نفسه أكثر ممّا يكذب على أي شخص آخر”. وذهب هؤلاء المحلّلون إلى أنّ كثيرين يستخدمون اليوميات لعزل أنفسهم عن الأسئلة التي لا يرغبون في مواجهتها، كما حدث مع لويس السادس عشر، الذي سجّل في يومياته عند اقتحام سجن الباستيل كلمة واحدة: “لا شيء”! على العكس من ذلك، رأى أتباع المدرسة اليونغية بأنّ تدوين اليوميات يساعد الإنسان على تجاوز مصاعبه من خلال أحلامه، فلقد كانت ترى هذه المدرسة في الأحلام رسائل من العقل الجمعي للبشرية، وبها تختزن الحلول. مهما يكن من تعارض أهم مدرستين للتحليل النفسي بشأن اليوميات، لكن هذا التعارض يثبت كم هي اليوميات مهمة في حياة الإنسان، فالتحليل النفسي لم يكن ليظهر إلّا بعد نمو الشخصية الإنسانية كذات فردية مستقلة.
لقد انطلقت اليوميات من تعليقات مؤرّخة على الوثائق الرسمية إلى أن أصبحت أسلوب حياة هنالك من يعيشه بسرّية، وهنالك من يشرّعه علنًا. وأمام هذا الزخم الذي حقّقته اليوميات، خصّص لها الناقد فيليب لوجون كثيرًا من البحوث، هو المختص بالسيرذاتية، وسار في دربه نقاد آخرون أيضًا. لقد كانت اليوميات جذّابة جدًا للأدباء والفنانين والعامة، فنجد أن كثيرين في الغرب قد كتبوا فيها، منهم من وصلتنا يومياتهم، ومنهم من ضاعت يومياته. وتعدّ يوميات آنا فرانك، تلك المراهقة الصغيرة التي كتبت يومياتها إبّان الحرب العالمية الثانية وهي مختبئة مع أهلها هربًا من النازية على مدار ثلاث سنوات، ولم تتوقّف إلّا بعد أن سيقت إلى معسكرات الموت، من أهم وأشهر اليوميات التي كتبت في القرن العشرين. أمّا الأدباء، فلقد وجدوا فيها منفذًا إلى ذواتهم، فلقد كتب اليوميات كلّ من دستويفسكي، وليو تولستوي، وبودلير، والمفكّر أندريه جيد، والشاعر فرناندو بيسوا، والروائي الإيطالي تشيزاري بافيزي، الذي انتهى منتحرًا. لقد كان الكاتب إلياس كانيتي محقًا عندما قال عن اليوميات بأنّها: “نافذة مشرعة على الداخل”.
هذا في الغرب، فماذا عن اليوميات في العالم العربي؟
التأريخ
المعادل الدلالي لكلمة اليوميات هي التأريخ عند العرب قديمًا. ويرى المفكّر والمستشرق جورج مقدسي، وهو من أصول لبنانية، بأنّ اليوميات قد ظهرت عند العرب كما في اليابان في وقت سابق على ظهورها في الغرب، وهو يشير بذلك إلى كتابات ابن البناء الحنبلي (1005 ــ 1069) م، الذي كتب يومياته للاستفادة منها في مؤلفاته في ما بعد. ويشير أسلوبها إلى أنّه كتبها لنفسه ولمن هم من جماعته فقط مستخدمًا التقويم القمري فيها. ولقد حقّق هذه اليوميات أحمد العدوي، ونوّه في مقدمته لها بأنّ هنالك يوميات أخرى غير يوميات ابن البناء. ومثله فعل الروائي أورهان باموق بالإشارة لوجود اليوميات في التراث العربي. هذا في الماضي، أمّا في الحاضر، فلقد كان العقّاد سباقًا لكتابة اليوميات، وأبان عن فهمه لها، لكنّه للأسف أتلف يومياته خوفًا وقلقًا ممّا تحوي من وقائع وأحداث. ومع اطلاع الكتّاب العرب على النتاج الغربي، ظهرت يومياتهم، فلقد ترك لنا أبو القاسم الشابي يومياته، ومثله فعل الأديب خليل السكاكيني، وعبد الله العروي، وكمال الرياحي، الذي فازت يومياته: “واحد ـ صفر للقتيل” بجائزة ابن بطوطة لعام 2018. ومع ذلك، لا نستطيع أن نقول عن أدب اليوميات عند العرب بأنّه بنفس العمق والغزارة كما هو في العالم، فما زال خجلًا وخائفًا، لأنّ كتابة اليوميات تحتاج لجرأة وشجاعة في مواجهة الذات والمجتمع. وعلى ما يبدو فإنّ الكاتب العربي والفرد العربي أيضًا ما زال خاضعًا لحكم غزية!
ختامًا، سنترك الكلمة الأخيرة عن اليوميات للكاتبة سوزان سونتاغ، لأنّها تعبّر بعمق عن أهمية اليوميات. لقد ضمّت يومياتها ما يقارب 100 دفتر، وهي من أوائل الكاتبات خلال صعود الحركة النسوية في ستينيات القرن العشرين اللاتي رفعن من شأن اليوميات كوثيقة ونوع أدبي جدير بالاحترام في حدّ ذاته: “بسبب إقامتي في منطقة ذات وصول محدود إلى الأعمال الأدبية، كنت غافلة عن هذه الحركة على الرغم من كوني كاتبة يوميات شغوفة خلال تلك الفترة. كانت معرفتي بكتابة اليوميات محدودة بصموئيل بيبس، وآنا فرانك، اللذين ورد ذكرهما في دروس التاريخ المدرسية. ورغم عزلتي ووحدتي، كنتُ أشارك في عملية فردية وفعّالة حافظت على الدور الأساسي لليوميات كأداة للتعبير عن الذات، وتقييمها، وتحليلها، وضبط النفس، وعندما نتعمّق في الجانب الشخصي، نتجاوزه، ونصل إلى شيء جماعي”.