إننا أمام طرق مسدودة وأسلحة موجهة وخطاب كراهية سائد ينذر بأوخم العواقب على مختلف الصعد، لذلك فإننا نأمل أن يبزغ فجر جديد ويطل عصر مختلف يفيق فيه الحكام ويدرك الجميع أننا في قارب واحد إما أن ننجو به أو نغرق جميعاً.
لا أكاد أصدق أنا والملايين غيري ما يجري في عالم اليوم، فلم يكن أحد يتصور أن تتحول الولايات المتحدة الأميركية، الدولة التي كانت تُعد حامية الحقوق والحريات وملاذ الشعوب في بعض مراحل تاريخها، إلى قلعة للاستبداد والعدوان على الغير وإرهاب الدول الأخرى مهما كانت الأسباب وتعددت الدوافع، فهناك إحساس عميق بأن ما يدور حالياً هو بداية النهاية لأسطورة الديمقراطية الغربية، بل هو المسمار الأخير في نعش العلاقات الدولية المستقرة نسبياً عبر العصور الحديثة، فلقد جاءنا الرئيس الأميركي دونالد ترمب بملفات مختلفة وصحائف جديدة محاولاً أن يفرض الهيمنة الأميركية، لا في الشرق الأوسط وحده، ولا في أميركا الوسطى واللاتينية بحكم القرب الجغرافي، ولكنه يتجاوز ذلك كله إلى المساس بكيانات ودول في مختلف القارات بدءاً من غرنادا وكندا وصولاً إلى كل من يختلف مع سياسة واشنطن أو لا يقبل الضغوط الجديدة التي تمارسها على النظم والحكومات والشعوب والمجتمعات.
إنه يضع اليوم نموذجاً للقوى الكبيرة في الطغيان والظلم، فما الذي يمنع روسيا الاتحادية من ابتلاع دول البلطيق وشواطئ البحر الأسود في سياسة جديدة تحت مفهوم الضم الآمن للشعوب الصغيرة؟ بل وما الذي يمنع الصين أيضاً من ابتلاع تايوان؟ وما الذي يمنع مجرم الحرب نتنياهو من أن يعربد وأن يدفع بالتصريحات الاستفزازية لوزير دفاعه في محاولات مستمرة لإرهاب المدنيين وتخويف الفلسطينيين وتعذيب شعوب بلا ذنب أو جريرة؟ إلا أن النظم الجديدة تحاول أن تفرض عليها نمطاً مختلفاً تركع فيه الشعوب ويتم إذلال الأمم، ويصل الأمر إلى حد اختطاف رئيس دولة من مقره وتقديمه للمحاكمة الأميركية، مهما كانت الجريمة، ومهما كانت التجاوزات والادعاءات، إذ إن هناك قواعد قانونية مستقرة وأعرافاً دولية راسخة تكون هي الفيصل في هذه الأمور والحكم في مثل هذه الظروف.
وأنا لا أدعي أن رئيس فنزويلا ملاك بجناحين، وليست مهمتي أنا أو غيري الدفاع عنه، ولكن مهمتي أنا وغيري هي الدفاع عن الإجراءات القانونية واحترام المواثيق الدولية ووضع الأمور في نصابها الصحيح من دون تجاوز، بدلاً من سياسة رعاة البقر التي عفا عليها الزمن. ولعلنا نتباكى الآن على مبادئ الرئيس الأميركي ويلسن في تقرير المصير أو الدور الأميركي لعقود عدة في المشروعات التنموية والاكتشافات العلمية والاختراعات الصناعية. إنني لا تملكني كراهية للشعب الأميركي على الإطلاق، بل أرى فيه أحياناً دفء الود الإنساني والعلاقة الطيبة مع الآخر، ولكني في الوقت ذاته لا أقبل بالتأكيد ما يفعله بعض حكامه المتحالفين مع إسرائيل المعتدية، ومع حكومتها اليمينية العدوانية المتطرفة بزعامة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو. وأرى أن ما نشهده حالياً إنما هي نذر انفجارات محتملة بل وحرب عالمية واردة، فلقد بلغ السيل الزبى، وبدت الأمور غريبة تكاد تكون غير قابلة للتصديق، ولعلي أطرح هنا سيناريوهات ثلاثة لاحتمالات المستقبل القريب على المستوى العالمي في إطار ما شهدناه واحتمالات ما سنشهده على الساحات المختلفة. وأطرح تلك السيناريوهات على النحو التالي:
السيناريو الأول هو أن يتعاظم دور الإدارة الأميركية ولا تجد داخلياً أو خارجياً من يلجم شططها ويوقف غلواءها فتكون النتائج بالتالي كارثية على علاقات الولايات المتحدة بحلفائها وأصدقائها قبل أن ينعكس الأمر على خصومها وأعدائها، وفي ظني أن النمط الشخصي لدونالد ترمب لا يوحي أبداً بالتفاؤل ولا يبعث على الأمل، فقد تضخمت لديه الذات بصورة غير مسبوقة، وأصبح يرى أنه سيد العالم الذي ينظر إلى الخريطة الدولية ليعطي كل يوم أوامر جديدة من خلال تصريحات مستفزة وإنذارات باطشة جعلت العالم يقف على حافة الهاوية ولا يدرك من أمره إلا ما تأتي به الأنباء المخيفة والأخبار التي تبعث على القلق من أن يكون مستقبل الإنسانية وحياة سكان الكوكب رهناً بتلك المواقف المتطرفة والسياسات العدوانية في كل مكان. ومثل هذا السيناريو المطروح بشدة يحوي مصادر للانفجار في أكثر من موضع في وقت واحد، فالحرب الروسية – الأوكرانية يستعر أوارها ويجري التصعيد فيها، والعدوان حالة مرضية معدية عندما تنتشر في جو سياسي معين فإنها تخترق الحدود وتتجاوز الخطوط الحمراء وتمضي في عنف وشراسة بلا رقيب أو حسيب، ويبدو أن عناد وغطرسة واستبداد دونالد ترمب يمكن أن يقابلهم التعنت والعنف على الجانب الآخر، حيث الإدارة المركزية لروسيا الاتحادية في موسكو، إضافة إلى أن برميل البارود في الشرق الأوسط قابل للانفجار في أي وقت، وواهم من يتصور أنه قد جرى القضاء نهائياً على حركة “حماس” الفلسطينية أو “حزب الله” اللبناني، بل إن كل الشواهد تشير إلى غير ذلك، وكل يوم نرى ما تفعله الذئاب المنفردة والخلايا النائمة في أوروبا والولايات المتحدة أو غيرهما، فالدماء تجلب الدماء، والثأر يستدعي الثأر، ولا فائدة في المستقبل إلا بتجاوز الماضي بجراحاته وهمومه، وهو أمر يبدو لنا عصياً على النسيان، إذ إن نموذج غزة وما جرى فيها خلال الأعوام الأخيرة يؤكد أننا أمام مشهد حزين قد لا يقبل الغفران أبداً.
ثانياً: هناك احتمال يتعلق بالداخل الأميركي وظهور أصوات عاقلة في ظل نظام حزبي عريق يسمح بمراجعة الشطط وضرورة تصحيح المسار واسترضاء من إصابتهم قذائف الرئيس ترمب بجراح ستظل تنزف دماً لعقود قادمة، وإذا كان الأمل منعقداً على الحزب الديمقراطي في واشنطن فإنه منعقد أيضاً على الأصوات العاقلة إن وجدت داخل الدولة العبرية التي اختطفتها جماعة متطرفة لا يبدو أنها ستقنع أو ترضى بما حدث، ولا تزال لدينا آمال حقيقية في تسوية محتملة لأزمة أوكرانيا، خصوصاً أن الرئيس الأميركي يريد أوراق النصر في يده ليلوح بها وكأنما يقول للأطراف الأخرى: هل من جديد. ولست أظن أن الوضع في أميركا الوسطى سيقف عند الحد الذي وصل إليه، بل إن هناك دولاً أخرى مثل كولومبيا والمكسيك مرشحة هي الأخرى لضغوط ترمبية قد تكون أعنف وأقسى مما شهدنا، وعندئذ لن ينقذها الحزب الديمقراطي الأميركي، ولن يكون “مبدأ مونرو” لعام 1823 شفيعاً لها، فالعالم يمضي سريعاً، والتطورات لا تتوقف من يوم لآخر.
ثالثاً: إن عصراً جديداً يطل على العالم يحمل في طياته أسباب الأمل ودوافع الرجاء، ونحن نعلم أنه ما من أزمة استحكمت حلقاتها أو مشكلة احتدمت الصراعات داخلها إلا وطلع الفجر بعدها يبشر بيوم جديد، وينزع فتيل الآلام في أسبوع ميلاد السيد المسيح، حيث تتنادى ترانيم الكنائس مع صلوات المساجد طلباً لغد أفضل وسلام مستقر. إن أخشى ما أخشاه صراحة هو أن تكتسب الأوضاع الحالية لوناً دينياً يرحب به ترمب ويتصرف على أساسه، فقد اختلطت لديه معايير التطرف الإرهابي بعوامل الاختلاف الديني، فإذا به يتحدث عن “بوكو حرام” في نيجيريا معلناً أنها تقتل المسيحيين انتقاء، وقد غاب عنه أن الأمر غير ذلك، فالصراع الدامي هناك لا يفرق في الاستهداف بين مسلمي الشمال ومسيحيي الجنوب، ولكنه يكتسح الجميع بلا وعي أو حكمة. إنني أخشى من عصر جديد يستعيد إطلالة التعصب الديني من كل نافذة ونصبح أمام عالم لا يرضى به أحد أبداً.
خارج هذه السيناريوهات والتوقعات الثلاثة، فإننا أمام طرق مسدودة وأسلحة موجهة وخطاب كراهية سائد ينذر بأوخم العواقب على مختلف الصعد، لذلك فإننا نأمل أن يبزغ فجر جديد ويطل عصر مختلف يفيق فيه الحكام ويدرك الجميع أننا في قارب واحد، إما أن ننجو به أو نغرق جميعاً، ولتكن صرخات أبناء غزة وضحايا جرائم السودان حروفاً من نور تسعى إلى إنقاذ البشرية مما تعانيه، فلا يزال باب الأمل مفتوحاً مهما ازدحمت الخطايا وتكاثرت النوائب.
اندبندنت عربية
