نورس يكن
يتصارع السوريون فيما بينهم على الأحقية في سوريا، كلٌّ يبحث عن سوريا له وحده، يتفرّد بها ويدّعي أنه سوف يشاركها مع الآخرين، وبطبيعة الحال التاريخ سلاح نووي في هذه المواجهة، الجميع يستلّ تاريخه ليثبت أنه جاء إلى هنا قبل الآخر.
مع سقوط نظام الأسد الذي وصل إلى السلطة كنظام قومي عروبي، ومن ثم رسّخ نفسه على عدة عوامل فئوية، منها اجتماعية وأخرى طائفية، برز إلى الساحة نظام جديد له طيف من الداعمين لديهم مظلومية عتيقة، وهم العرب السنّة.
على الفئوية نفسها تحاول طبقة الحكم الجديدة بناء دولتها، وبالسلاح نفسه وهو التاريخ، تتكئ على سردية الدولة الأموية، عودة سحيقة جداً لبدايات الحكم الإسلامي في سوريا، لا أعتقد أنها عبثية، بل ربما لأن الأمويين هم العرب السنّة الوحيدون الذين حازوا حكماً مطلقاً لهذه المنطقة.
بمعنى آخر، منذ سيطرة الفرس والترك على مفاصل الدولة العباسية، لم يحكم العرب منطقة الشام حكماً مطلقاً يخلو من الشراكة مع التركمان أو الأكراد، فيما كانت الفترة العثمانية تحتكر ولاية الشام للأتراك والنافذين من الأكراد أحياناً، ولم يُذكر في تاريخ ولايات الشام والٍ عربي ذاع صيته أو طال حكمه.
بالتالي، إن المجتمع السوري الحقيقي اليوم يضم جميع هؤلاء، وفي جيناته جميع تلك الأعراق، وفي تاريخه العائلي كل تلك الطوائف والأديان، فتغيير الدين أو الطائفة في تلك الفترات كان أسهل بكثير من وقتنا الحالي.
منذ طفولتي وأنا مهتم بالتاريخ، بما في ذلك تاريخ عائلتي ومن أين وصلنا إلى هذه الأرض وما هي أصولنا، وبالرغم من أن لكل عائلة في سوريا روايتها عن التاريخ والأصول، فإنني لم أكتفِ برواية عائلتي، وبحثت طويلاً في الخارج، لذا سأضع نفسي مثالاً لمواطن سوري.
بالنسبة لي، وُلدت في مدينة حلب شمال سوريا لعائلة مرموقة تعتز وتفتخر بأنها عائلة تركية عثمانية. تنحدر هذه العائلة بحسب روايتها من سلالة شخص اسمه “عثمان آغا الدوركلي”، وتنتسب في حلب إلى حفيده “عثمان باشا يكن”، الذي كان والياً ووزيراً ولاحقاً إماماً للحرم المكي، وترك وقفاً تصل قيمته إلى مليون ليرة عثمانية ذهبية، تسيطر على معظمه الآن وزارة الأوقاف السورية.
الطفولة
لقد وُلدت ونشأت وترعرعت على أنني تركي. عادات العائلة كانت تركية، وجدّتي كانت تتحدث وتسمي معظم الأشياء في حياتها اليومية باللغة التركية، ومسلسل “إخوة التراب” شكّل لي جرحاً في الهوية في ذلك الوقت.
كان الجميع في عائلتي من الجيل القديم يُنادى مُلحقاً باسمه كلمة “آغا” للرجال و”خانم” للنساء، وكانت تُسمّى السيدة الكبيرة “تيزا”، والأخت الأكبر “أبلة”. لكننا لم نكن نستخدم “آبيه” للأخ، على الأقل في جيلي، أي أننا نتحدث عن ثقافة تركية لا عن انتماء حقيقي للجمهورية التركية.
المراهقة
في مراهقتي جذبني تاريخ العائلة. كنت أتردد كثيراً إلى مسجد ومدرسة جدّي عثمان باشا في حي الفرافرة في حلب القديمة، حيث كانت تقيم العائلة بالكامل، بما يُعرف حتى اليوم باسم “المدرسة العثمانية” و”قناق آل يكن”، والتي تأسست كجامعة شرعية عام 1730، كنت هناك التقي الناس واسمع منهم، والرواية عن العائلة التركية شبه موحدة، لكن للحلبيين روايات شعبية تخصهم في ذلك سوف اذكرها لاحقاً.
كذلك في تلك الفترة تصدّر عدد من أبناء العم لإصدار كتاب بعنوان “المقام الحسن في أصول آل يكن”، وهو كتاب يبذل جهداً في تأكيد رواية الأصول التركية وصلة العائلة بأحد سلاطين الدولة العثمانية، وحصولها على لقب “يكن” من هذه الصلة، لأن الكلمة بالتركية “Yegen” تعني ابن الأخت، وكُتبت بالعربية بهذه الطريقة لأن كتابتها بالتركية العثمانية هي “يگن”.
الشباب
في مرحلة الشباب المبكر، تملكتني، ككل الشباب الصغار، أفكار يسارية عن العدالة الاجتماعية والتحرر والمساواة. بات هذا التاريخ يثقل كاهلي، ودخلت في بيئات اجتماعية تنظر إليّ كسليل للإقطاع. تعاملت مع دوائر الدولة السورية، وعرفت أن أصولي هي محل تشكيك لا محل احترام. عرفت وقتها أيضاً أن أبي لم يكن بعثياً لأن طلب انتسابه رُفض في السبعينات كونه ينتمي إلى الطبقة الإقطاعية البرجوازية.
والأكثر أن شقيقي الأكبر، عندما كان يؤدي خدمة العلم، تلقّى صفعة قوية على وجهه من أحد الضباط لأنه قال إن أصوله تركية، مع صرخة من الضابط وهو يقول: “بتقول عربي سوري ولاك حيوان”.
الثورة السورية
عندما اندلعت الثورة السورية وجدت نفسي في صفوفها دون أي تفكير. منها تعرّفت على سوريا أكثر من أي وقت سابق. في الثورة عرفت ما هي سوريا، تعرّفت عن قرب على الحماصنة والدمشقيين وأهالي حماة، واقتربت أكثر من الكرد والشركس والتركمان وغيرهم.
لم تعد الهوية موضع بحث أو اهتمام بالأصل. كلنا كنا على أرضية واحدة، كلنا دخلنا زنزانة واحدة. عندما تدخل إلى زنازين نظام الأسد، تعرف حقيقة سوريا وممّ تتكوّن هذه الدولة. حيطان السجن هي دفاتر المعتقلين، وهناك تقرأ جميع لغات السوريين: “آزادي” تجاور “حرية”، وشعارات الأحزاب الكردية إلى جانب الإخوان المسلمين، وطبعاً أسماء الحبيبات وأشواق العشاق.
في الثورة تعرّفت على صديق شركسي كان يعتبرني ابن عمّه، وشرح لي أن “يكن” عائلة شركسية، وكان مصرّاً على أن ابن عمي المغني الشهير “فهد يكن” شركسي، وهو يحبه لأنه شركسي.
حتى اليوم أنا والصديقة الصحفية دينا بطحيش ننادي بعضنا “ابن العم” و”بنت العم”، لأنها الأخرى متأكدة من أنني شركسي، وأن أصولنا كعائلة ضاعت رغم تمسّك الشركس بأصولهم، لأننا ربما لم نحتفظ بتقليد الزواج من شركسيات، فالأم عند الشركس، كما تقول دينا، هي من تحفظ الأصول.
ما كان منطقياً في هذا الطرح أن فرع عائلة يكن في مصر، ومنه عدلي باشا يكن، رئيس الوزراء المصري في عهد الملك فؤاد الأول، يُعرف في التاريخ المصري كعائلة شركسية.
عشت في لبنان طرابلسياً
في تلك الفترة كنت قد خرجت من المعتقل وقررت الهرب خارج سوريا، وكنت أقيم في لبنان، الوجهة الأولى التي فكرت فيها، لأن عائلتي لها امتداد في طرابلس عبر أحد الولاة العثمانيين أيضاً، وهناك يقيم عدد من أبناء العم، أبرزهم عائلة الداعية والبرلماني اللبناني الراحل الشيخ فتحي يكن.
لقد احتميت بهذا الاسم في بيروت وغيرها، وعشت في لبنان الذي كانت ترتفع فيه العنصرية ضد السوريين تدريجياً، على أنني طرابلسي. لهجتي سورية لأنني من أم حلبية، وعشت في سوريا لفترة من حياتي.
علوي في تركيا
من لبنان وقفت محطة قصيرة في عمّان، الأردن، ومنها إلى تركيا، بلد الأجداد الذين تربيت على ذكرهم والانتماء لهم. لكن المفاجأة أن أحداً في تركيا لم يعنيه هذا الأصل.
بعض المثقفين والمتعمقين كانوا يستطيعون تمييز اسم العائلة ويقولون لي إن اسم عائلتي تركي، لكن عموم الناس لم يعنيهم حتى أنني تركي مثلهم، ومعلومة أنني من أصول تركية كانت تمر مرور الكرام مع ابتسامة خفيفة.
أول تركي تعرّفت عليه في غازي عنتاب كان العجوز الطيب الذي استأجرنا منه المكتب، وعندما أخبرته أنني من أصول تركية أخبرني هو أنه عربي، وأن أجداده من اليمن، ثم سألني من أين أتحدر من تركيا، فقلت له حسبما أعرف من سيواس، أو كما ينطقها الأتراك سيفاس، فأشار لي بيده وقال: “آه، علوي”.
أصولي الكردية
ومن هم العلويون في سيواس؟ العلويون في سيواس غالباً من الكرد. وفي مرحلة لاحقة تعرّفت إلى الصديق بنكين أحمد، الذي قال لي بنبرة العالم الواثق: “أنت كردي، أنتو بيت يكن أكراد”.
لقد أصرّ بنكين أن والده أخبره أن عائلات يكن وكيخيا، التي يتحدر منها الزعيم السياسي رشدي الكيخيا، وهنانو التي يتحدر منها المناضل الشهير إبراهيم هنانو، هي عائلات كردية الأصل، وهم أبناء عمومة أيضاً.
وعلى عكس هنانو، كنت قد سمعت في طفولتي من الكبار أن روابط عائلية قديمة لنا مع آل كيخيا، لكنني في الحقيقة ضحكت وقلت: أصبح لدي ثلاثة أصول، تركي وكردي وشركسي.
من أنا؟
في هذه المرحلة كانت التكنولوجيا قد تطورت، وصرت صحفياً محترفاً، وأمتلك أدوات بحث، وأستطيع البحث أيضاً بكل اللغات.
ما عثرت عليه، وكي لا أطيل عليكم بالشرح، دراسة واحدة محكّمة باللغة التركية للباحثة ميرال بيرق، تتناول أوقاف عثمان باشا يكن في الدولة العثمانية دون أي إشارة لأصوله البعيدة. ومن المؤكد أن عثمان باشا وُلد في حلب لأبيه عبد الرحمن باشا يكن، ابن عثمان آغا الدوركي أو الدوركلي.
اسم العائلة الأصلي دوركي أو دوركلي هو نسبة لمدينة صغيرة بجانب سيواس شرق وسط الأناضول اسمها Divriği، وتاريخها يشير إلى مدينة متنوعة عرقياً، سكنها الأرمن والأكراد والأتراك عبر التاريخ، وكانت حاضرة سلجوقية، وكذلك مدينة مهمة في المرحلة البيزنطية.
أما عن لقب “يكن”، ومعناه ابن الأخت بالتركية، فهو لقب يُمنح نسبة إلى الأم التي تتحدر من أصول ملكية أو أرستقراطية، وليس بالضرورة أن تكون أميرة عثمانية، كما أنه ليس بالضرورة أن كل من يحمل لقب يكن اليوم في سوريا ولبنان ومصر وتركيا هم عائلة واحدة تتحدر من الأصل نفسه.
وهناك رواية شعبية لدى الحلبيين الكبار تقول إننا أصلاً لسنا أحفاد عثمان باشا الدوركلي، بل أحفاد أخته راضية خانم، التي سمّى مدرسته باسمها “المدرسة الرضائية”، ومنها نحن “يكن”، أبناء أخت عثمان باشا.
وراوية أخرى تقول إننا أحفاد ابنه اسماعيل باشا يكن الذي أسس سرايا اسماعيل باشا الشهيرة في حلب القديمة، ولاحقاً حي الإسماعيلية خارج سور حلب القديمة بجانب الجميلية.
بعد كل هذا، اليوم أنا لاجئ سوري يعيش في فرنسا، يراه الفرنسيون مهاجراً عربياً، يربّت اليسار على رأسه ويستخدمه كحبة مسكن لآلام الإنسانية، ويلعب به اليمين كورقة انتخابية، فيستخدمه كحبة فياغرا لناخبيه المتطرفين. أما هو فيشاهد من بعيد أهله، الذين ينتمي إليهم جميعاً، يقتتلون على بعض من التاريخ لا يؤكده شيء، ولن يكون ما هو اليوم بعد قرون.
وفي النهاية، من أنا؟ أنا هذا العثماني الأصل من وسط الأناضول، الذي قد يكون من حيث العرق على الأغلب تركياً كردياً أو شركسياً، وفرضية السريان أو الآشوريين أو الأرمن ممكنة. أمي عربية، وجدّة أبي عربية.
وأنا السني الحنفي الذي ربما أكون من أصول علوية، مسيحية، أو حتى يهودية. أعيش منفياً مع ثقافتي، أقرأ وأكتب بشكل رئيسي بالعربية التي أحب، أغني بالتركية، وأرقص بالكردية، وأسافر من باريس إلى إسطنبول فماردين وديار بكر حتى قامشلو، ثم حيث قلبي في حلب، وأنا أشعر أنني ابن هذه الأرض، وكل سكانها أهلي.
ملاحظة: نص وصلني من كاتبه على الايميل وجدت مشاركته معكم فيه فائدة. تحياتي