عصام حوج.. كاتب
____________________________________
السيد جهاد عيسى الشيخ المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بدايةً، لا يسعني إلا أن أتوجّه إليكم بالشكر على ندائكم الموجَّه (إلى شيوخ ووجهاء العشائر العربية، وإلى الإخوة الأكراد شركاء الأرض والتاريخ والمصير)، وهو نداء يحمل في إطاره العام دلالات على الشعور بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية تجاه البلاد وأهلها خصوصاً في هذه اللحظة المصيرية، ولا سيما وأنه يصدر عنكم وأنتم في موقع مستشار لرئيس الجمهورية، بما يمثله ذلك من رمزية سياسية ومعنوية.
إن ما ورد في ندائكم يعكس حرصًا محمودًا على حقن الدماء وحماية السلم الأهلي، وهو مقصد عظيم أجمعت عليه الشرائع، قال تعالى:(والصلحُ خَيْر) .
ومن هذا المنطلق، أقدم عدد من الملاحظات، لا من باب الاعتراض على دعوة النداء الى الصلح، بل حرصًا على أن تتحقق غاياته بأفضل السبل وأقربها إلى الواقع.
أولًا:
لا شك أن العشيرة رابطة اجتماعية أصيلة، لها دورها التاريخي والاجتماعي الذي لا يمكن إنكاره أو القفز فوقه، لكنها – في واقعنا السوري الراهن – غير قادرة بمفردها على معالجة أزمة سياسية عميقة ومركّبة كالتي تمر بها البلاد، خاصة وأن معظم العشائر السورية نفسها منقسمة في المواقف والولاءات.
إن الأزمة في أصلها أزمة سياسية وطنية، وحلّها لا يكون إلا حلًا سياسيًا، تساهم فيه القوى و النخب الفكرية والسياسية والقانونية والثقافية التي تزخر بها سوريا، على أن يكون دور العشائر مساندًا وداعمًا، لا بديلًا عن أصحاب الاختصاص.
وقد قرر الإسلام مبدأ التخصص وتحميل المسؤوليات لأهلها، بوضوح حين نهى عن تعميم القضايا المصيرية دون علم، وأمر بردّها إلى أهلها، فقال تعالى:
(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ). وقال النبي صلوات الله عليه: (إذا وُسِّد الأمرُ إلى غيرِ أهلِه فانتظرِ الساعة).
ثانيًا:
إن الأزمة في الشمال السوري، كما في غيره من المناطق، ليست حالة منفصلة، بل هي جزء من أزمة وطنية عامة، وقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الحلول الجزئية لا تُنهي الأزمات الكبرى، بل تؤجلها أو تعيد إنتاجها.
وعليه، فإن الأكثر جدوى هو الدعوة إلى مؤتمر وطني سوري عام، تُشارك فيه مختلف الكفاءات والنخب السياسية والفكرية والاجتماعية من جميع المحافظات، وتُطرح فيه كل القضايا على طاولة البحث بشكل علني وشفاف، بما يقطع الطريق على محاولات الاستثمار في الانقسام أو الاصطياد في الماء العكر.
قال تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)
واذا كان قبول ذلك والعمل عليه مسؤولية الجميع، فإن المسؤولية الأساسية والمبادرة تقع على عاتق السلطة المؤقتة، بحكم موقعها القانوني- السياسي.
ثالثًا:
لا خلاف بين عقلاء السوريين على أن من واجب أي سلطة العمل على استعادة وحدة البلاد، وإنهاء تقسيم الأمر الواقع، غير أن الخلاف الحقيقي يكمن في الأدوات والآليات والبناء الدستوري والقانوني، وفي غياب الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
وأصارحكم القول، إن بعض الممارسات الصادرة عن جهات محسوبة على السلطة المؤقتة، سواء في السويداء أو الساحل، وما جرى مؤخرًا في الشيخ مقصود والأشرفية، قدّمت نماذج مقلقة، لا يمكن البناء عليها، بل تجعل الحذر والتوجس والشك موقفًا مفهومًا ومشروعًا لدى قطاعات واسعة من السوريين.
وقد قال تعالى محذرًا من عواقب الظلم وسوء التصرف: (واتقوا فتنة لا تُصِيبن الذِين ظلموا منكم خَاصَّة
رابعًا:
إن الدولة – أي دولة – لا تبنى بالموعظة، أوالنوايا الحسنة، بل هي بناء تاريخي قانوني–سياسي–دستوري واضح، يقوم على عقد اجتماعي جامع، يحفظ وحدة البلاد، ويصون كرامة جميع أبنائها، ويضمن حقوقهم على قدم المساواة، دون تمييز سياسي أو قومي أو ديني او طائفي.
خامساً: كم كنت أتمنى تجنب التلويح بخيار الحرب في خاتمة رسالتكم، وخصوصاً وأنك تقرّ بأن لارابح فيها، فالخيار الوحيد ينبغي أن يكون التفاوض ثم التفاوض ثم التفاوض. قال تعالى(إِن اللَّهَ يَأمر بِالعدل والإحسان) ولا يمكن ترسيخ السلم الأهلي، ولا بناء الثقة، إلا عبر دستور عادل، وقانون مُلزِم، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، يشعر معها المواطن أن حقه مصون، وأن كرامته لا تُستعاد بالخوف أو العصبية، بل بالعدل، والوضوح من خلال قانون نافذ على الجميع ضروري، لأن القلوب – وإن آمنت – تحتاج إلى طمأنينة، وقد قال إبراهيم عليه السلام:(بلى ولٰكن لِّيَطْمَئِنَّ قلبي).
وبعد
إن ما تفضلتم به في ندائكم خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى بحاجة إلى مسار سياسي جامع، يطمئن السوريين جميعًا، ويحوّل النوايا الحسنة إلى واقع مستدام، يحفظ الدماء ويعيد للدولة معناها وهيبتها، وللوطن وحدته.
نسأل الله أن يهيئ لسوريا أمر رشد، (يُصلح لَكم أَعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم).
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام .
*نص رسالة المستشار في صورة المرفقة