دمشق – تشكل مصادر المياه والطاقة أحد أوراق الضغط المهمة التي من المرجح أن توظفها قوات سوريا الديمقراطية ضد السلطة الانتقالية السورية، لاسيما بعد أحداث العنف الأخيرة واضطرار المقاتلين المحسوبين على التنظيم الكردي إلى الانسحاب من مدينة حلب.
وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية المعروفة اختصارا بـ”قسد” على نحو ثلث الأراضي السورية، معظمها شرق نهر الفرات، ويبسط التنظيم الكردي نفوذه على أكبر مصادر للطاقة وأراض زراعية وسدود، منها سدود “تشرين” في محافظة حلب و”الطبقة” و”البعث” بمحافظة الرقة.
وتقول قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية، إنها منفتحة على تفاهم مع السلطة المركزية في دمشق بشأن اتفاق العاشر من مارس، لكنها تربط هذا التفاهم بجملة من الشروط لعل أبرزها التوافق على دستور جديد للبلاد ينص على نظام لا مركزي، يضمن حكما محليا للأقليات.
قوات سوريا الديمقراطية تسيطر على أكبر مصادر للطاقة وأراض زراعية وسدود، منها سدود “تشرين” في محافظة حلب و”الطبقة” و”البعث” بمحافظة الرقة
ومن المرجح أن تتشدد قوات سوريا الديمقراطية في مطالبها لاسيما بعد المواجهات الدامية التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في مدينة حلب، ذي الغالبية الكردية، بين مقاتلين محسوبين على قسد والقوات الحكومية.
وفي أعقاب التوصل إلى اتفاق بوساطة أميركية أجبر من خلالها المقاتلون الأكراد على الانسحاب من الحيين، عمدت قوات سوريا الديمقراطية في 10 يناير الجاري إلى إيقاف ضخ المياه من محطة “البابيري” التي تسيطر عليها في ريف حلب.
وحذرت وزارة الطاقة السورية من أن المحطة تُعد المصدر الرئيسي لمياه مدينة حلب وريفها، مؤكدة أن الانقطاع تسبب بأضرار مباشرة طالت كامل المحافظة، وأثر سلبا على حياة السكان ووصولهم إلى الخدمات الأساسية.
وعقب تصاعد ردود الفعل، اضطرت قسد إلى إعادة تشغيل محطة المياه، لكنها قد تعود إلى إغلاقه مع استمرار التوتر مع الحكومة السورية.
يقول مدير مؤسسة مياه حلب محمد جمال ديبان، إن 80 بالمئة من مياه المدينة توفرها محطة البابيري، فيما يُغطّى الجزء المتبقي من محطة أخرى تقع أيضا تحت سيطرة “قسد”. ويشدد ديبان على ضرورة الوصول إلى محطات المياه لصيانتها وإعادة تنظيمها.
أويطون أورهان: خسارة قسد لحيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب أضعفت موقعه داخل سوريا
ويرى أويطون أورهان، منسق دراسات المشرق بمركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية “أورسام”، أن خسارة قسد لحيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب أضعفت موقعه داخل سوريا.
ويوضح أورهان أن التنظيم الكردي سيضطر في المرحلة المقبلة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات السياسية من موقع أضعف.
ويتابع “في المقابل، من المؤكد أن يسعى التنظيم إلى استخدام أوراق الضغط التي يمتلكها ضد الحكومة السورية، ومن بينها تأثيره على مصادر المياه”.
ويردف قائلا “فبفضل سيطرته على حوض نهر الفرات والسدود المقامة عليه، يمتلك التنظيم تأثيرا كبيرا سواء في إنتاج الكهرباء أو في توزيع المياه”، وأنه يحاول استخدام هذه الورقة لتعزيز موقفه التفاوضي مع الحكومة السورية.
ويذكر أورهان أنه “بعد حلب، وبعد الشيخ مقصود والأشرفية، من المرجح أن تتجه الحكومة السورية في المرحلة التالية إلى نقل عملياتها نحو حوض نهر الفرات وشرقه، بهدف بسط السيطرة على مصادر المياه والطاقة”.
وينبه أورهان إلى أن خطوة الحكومة في المرحلة التالية “تشكل خطرا كبيرا على التنظيم، وفي مواجهة ذلك، يبدو أنه يحاول استخدام ورقة المياه”.
وتفجرت الأحداث في حلب الثلاثاء الماضي، في أعقاب فشل جولة محادثات عقدت في دمشق بحضور قائد قسد مظلوم عبدي، للتوصل إلى تفاهم بشأن تطبيق اتفاق العاشر من مارس، الذي ينص على إدماج المؤسسات المدنية والعسكرية للإدارة الذاتية ضمن الدولة السورية.
ويرى مراقبون أن المواجهات في حلب لا تعدو كونها جولة ضمن سلسلة من جولات منتظرة بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية، خصوصا وأن قسد لن تقبل تقديم أي تنازلات للسلطة الانتقالية بدون ضمان ما تعتبره “حقوقا مشروعة” للشعب الكردي.