يصعب فهم النزاع المتكرر بين السلطة السورية و”قوات سورية الديمقراطية” خارج سياقه الأوسع: سياق دولةٍ لم تُحسن، تاريخيًا، إدارة تعدّدها، وسياق حربٍ أطاحت بالسياسة من مكانها الطبيعي، ودفعت المجتمع إلى أن يفتّش عن الأمان والتمثيل والحقوق في أماكن غير الدولة.
لذلك، فإن أي مقاربة جادّة لما يجري في الشمال والشمال الشرقي، وما ينعكس منه على حلب وغيرها، لا ينبغي أن تُختزل في “ترتيبات أمنية” أو “خلافات إدارية”، بل أن تُقرأ بوصفها سؤالًا تأسيسيًا: كيف نعيد بناء دولة وطنية حديثة في سوريا على قاعدة المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان؟ وكيف تُحل المسألة الكردية حلًا وطنيًا نهائيًا لا يتركها رهينة اللحظة أو رهينة الخارج؟
منذ الاستقلال، ظلّ النموذج الغالب للدولة السورية مائلًا إلى المركزية الثقيلة، وإلى تعريف الوطنية تعريفًا أحاديًا ضيقًا، يضع التنوع القومي والثقافي في خانة “المشكلة” لا في خانة “المورد”. في هذا السياق، عوملت المسألة الكردية غالبًا كملف أمني أو إداري، لا كقضية مواطنة وحقوق.
وكانت النتيجة تراكم مظالم: حرمان وتهميش، وإنكار للهوية الثقافية، وفجوة ثقة عميقة بين الدولة وجزء من مواطنيها. لم تكن هذه السياسات قادرة على إنتاج اندماج وطني؛ بل أنتجت هشاشة مستدامة، ظهرت آثارها بوضوح حين انكشفت الدولة أمام اختبار عام 2011 وما بعده.
حين انهارت مؤسسات الدولة في مناطق واسعة، لم تملأ الفراغ مؤسسات مدنية منتخبة ولا عقد اجتماعي جديد، بل ملأته قوى مسلحة وإدارات أمر واقع. وهنا ينبغي الإقرار بحقيقة مزدوجة: من جهة، نشأت “قسد” في سياق حرب “داعش” وبإسناد أميركي مباشر، وتمكّنت من بناء منظومة أمنية وإدارية في منطقة عانت تاريخيًا ضعف الدولة أو قسوتها، ومن جهة أخرى، تحوّل وجودها مع الوقت إلى معضلة سيادية، لأن الدولة الوطنية الحديثة لا يمكن أن تُبنى على تعدد جيوش ومرجعيات أمنية متوازية. هذه ليست مجرد مسألة تقنية، إنها لبّ فكرة الدولة نفسها: احتكار مشروع للقوة مقابل قانون ومواطنة متساوية وضمانات حقوقية.
لكن اشتراط حصرية السلاح بيد الدولة لا يكتمل معناه إن لم يُقرَن بالسؤال المقابل: أي دولة ستحتكر هذا السلاح؟ الدولة التي تُعيد إنتاج الإنكار والتهميش، أم الدولة التي تُعيد تعريف نفسها كدولة مواطنين لا رعايا؟ هنا تحديدًا تقع العقدة السورية الراهنة: الدولة تطالب باستعادة السيادة ووحدة القرار، في حين تخشى القوى الكردية — ومعها قطاعات من مجتمعها — من أن تكون “استعادة السيادة” مرادفًا لعودة النموذج القديم: مركزية بلا تمثيل، وأمن بلا قانون، ووحدة بلا مساواة. وفي المقابل، تخشى قطاعات واسعة من السوريين من أن يرسّخ استمرار السلاح خارج الدولة أمرًا واقعًا دائمًا يفتح الباب لتفكك السيادة وتآكل المجال الوطني.
هذه المخاوف المتبادلة هي تعريف عملي لأزمة الثقة، ومن دون معالجة جذرية لهذه الأزمة، ستظل أي تفاهمات — بما في ذلك اتفاقات مرحلية كاتفاق العاشر من آذار — عرضة للتأويل المتناقض والانهيار. فالاتفاقات التي لا تسندها مرجعية دستورية واضحة، ولا آليات تنفيذ قابلة للتحقق، ولا ضمانات متبادلة، تتحول سريعًا إلى “هدنة لغوية” لا إلى مسار سياسي.
من هنا، تبدو إعادة بناء الثقة ليست تفصيلًا مساعدًا، بل قلب الحل نفسه. وبناء الثقة في السياق السوري لا يتحقق بخطابات مطمئنة أو بوساطات مؤقتة، بل بحزمة إجراءات ملموسة ومتدرجة، تشكّل معًا “جسرًا” بين واقع السلاح وواقع الدولة.
أول عوامل الثقة هو الاعتراف المتبادل بالحقائق الأساسية. الاعتراف من الدولة بأن المسألة الكردية ليست تهديدًا للوحدة، بل قضية حقوق ومواطنة متساوية، وأن أي صيغة وطنية لا تتضمن ضمانات دستورية لهذه الحقوق ستعيد إنتاج الأزمة. وفي المقابل، الاعتراف من القوى الكردية بأن تعدد الجيوش لا يصلح أساسًا دائمًا، وأن السلاح لا يمكن أن يبقى مرجعية سياسية أعلى من المجتمع والدستور، وأن الحقوق لا تُحمى طويلًا بتحالفات خارجية متقلبة.
العامل الثاني هو الانتقال من “التطمين” إلى “الضمان”. فالتطمين خطاب، والضمان مؤسسات. والضمان يعني قواعد واضحة: نصوصًا دستورية تعترف بالتعدد الثقافي واللغوي، وتقرّ مبدأ المواطنة المتساوية، وتمنع التمييز، وتحدد شكل اللامركزية وصلاحياتها وحدودها. كما يعني ضمانات قضائية وإدارية تحول دون عودة الاعتقال السياسي أو الإقصاء من الوظائف أو خنق المجال العام.
العامل الثالث هو إجراءات حسن نية قابلة للقياس، لا مكاسب دعائية. يمكن أن تبدأ بخطوات تخفف التوتر وتغيّر المزاج العام: إطلاق سراح معتقلين على خلفيات سياسية حيثما وُجدوا، ووقف التحريض الإعلامي المتبادل، وفتح قنوات تواصل رسمية ثابتة بدل الاتصالات الظرفية، وتثبيت قواعد واضحة لحماية المدنيين وتحييد المدن عن الاستعراضات المسلحة. هذه الخطوات الصغيرة، حين تُنفّذ، تصنع أثرًا أكبر من بيانات مطوّلة.
العامل الرابع هو إعادة بناء الثقة عبر الاقتصاد والخدمات، لأن السياسة في سورية تمر عبر العيش اليومي. حين يشعر الناس أن “التسوية” تعني فقط إعادة توزيع السلطات، سيفقدون الاهتمام بها أو سيخافون منها. أما حين يرون تحسنًا ملموسًا في الخدمات، وشفافية في إدارة الموارد، ونزاهة في الإدارة، وسياسات تنمية محلية عادلة، فإن فكرة الدولة تصبح أكثر إقناعًا من فكرة السلاح. لذلك، ينبغي أن يتضمن أي مسار لبناء الثقة ترتيبات شفافة لإدارة الموارد، ومساءلة محلية، وآليات رقابة تمنع اقتصاد الحرب من ابتلاع “السلام”.
العامل الخامس — وربما الأكثر حساسية — هو ترتيب العلاقة بين الأمن والسياسة. لا يمكن بناء ثقة حقيقية إذا بقي الأمن فوق السياسة. المطلوب مسار تدريجي ومدروس نحو حصرية السلاح بيد الدولة، لكن على قاعدة دمج مؤسسي لا إذلالي، وعلى قاعدة إصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية نفسها لتصبح وطنية جامعة وخاضعة للرقابة. والدمج هنا لا يعني محو الهويات أو التجارب، بل إخضاعها لمنطق الدولة: قانون واحد، وقيادة واحدة، ومسؤولية واحدة أمام سلطة مدنية ودستور.
هذه العوامل لا تعمل في فراغ، فالمشهد السوري محكوم أيضًا بضغوط إقليمية ودولية. تركيا ترى في أي كيان كردي مسلح تهديدًا لأمنها القومي، وتملك أدوات ضغط عسكرية وسياسية تجعل أي تسوية داخلية بحاجة إلى تحييد هواجسها بترتيبات حدودية وأمنية لا تلغي حقوق المواطنين السوريين. والولايات المتحدة تتعامل مع “قسد” ضمن منطق وظيفي مرتبط بأولوياتها، وهو منطق متغير وغير مضمون. كما تستفيد إسرائيل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من استمرار التفكك الإقليمي. لذلك، فإن إعادة بناء الثقة داخليًا تتطلب أيضًا تخفيض الاعتماد على الضمانات الخارجية لصالح ضمانات وطنية دستورية، لأن الحقوق التي تُربط بموازين الخارج تصبح رهينة تقلباته.
وسط كل ذلك، تبرز حقيقة تبدو بديهية لكنها مهملة: سوريا اليوم في مرحلة هشّة إلى حد يجعل تعدد الأهداف خطرًا. ففي المراحل المستقرة يمكن للدولة أن تتحمل صراعات سياسية متعددة؛ أما في لحظة انهيار اقتصادي واجتماعي ومؤسساتي، فإن الأولوية تصبح واحدة: بناء الدولة الوطنية السورية بوصفها الإطار الوحيد القادر على حمل الحقوق وحماية المجتمع. وبناء الدولة هنا ليس شعارًا؛ إنه عملية شاقة تشمل إعادة الاعتبار للقانون، وإصلاح الإدارة، وإعادة إنتاج الشرعية عبر المشاركة السياسية، وتثبيت حياد الدولة تجاه مواطنيها، بحيث لا يشعر أي مكوّن أن الدولة “لغيره”.
بهذا المعنى، فإن حل المسألة الكردية ليس ملفًا منفصلًا عن مشروع بناء الدولة، بل هو امتحانها الأكبر. حلٌّ وطني نهائي يعني أن يعترف السوريون — دولةً ومجتمعًا — بأن المواطنة المتساوية هي الضمانة الوحيدة للوحدة، وأن حصرية السلاح بيد الدولة شرط لا بد منه لقيام الدولة، لكن شرطه المقابل أن تكون هذه الدولة جديرة باحتكار القوة: دولة قانون لا دولة مزاج، ودولة حقوق لا دولة استثناء، ودولة تنوع لا دولة إنكار.
الطريق إلى ذلك ليس قصيرًا، لكنه واضح المعالم: وقف منطق الحرب بوصفه لغة السياسة، وبناء الثقة بخطوات متدرجة قابلة للتحقق، وإدراج أي اتفاقات مرحلية ضمن مسار دستوري وطني شامل، ثم الانتقال تدريجيًا نحو دولة واحدة بجيش واحد وقانون واحد، يكون فيها الأكراد — وسائر السوريين — مواطنين متساوين لا “ملفًا” ولا “استثناءً”. وما دون ذلك سيبقي سورية معلّقة بين سيادتين: سيادة لا تكتمل لأنها بلا ثقة، وحقوق لا تستقر لأنها بلا دولة.