موفق قات: الكاريكاتير السوري ساهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد غسان ناصر مركز حرمون

img
حوارات 0 editor Hossein

موفق قات: الكاريكاتير السوري ساهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد
غسان ناصر


يأخذنا رسام الكاريكاتير، الفنان التشكيلي والسينمائي السوري موفق قات، في حوار اليوم، إلى عوالمه الإبداعية الشيقة، ليعرّفنا إلى فصول من سيرته ومسيرته الفنية الحافلة بالعطاء والتجديد.

ضيفنا خصّ مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في هذا الحوار، بحديث مستفيض عن دور وأهمية الكاريكاتير في زمن الثورة السورية، وهو الذي أعلن وقوفه إلى جانب ثورة شعبه منذ اليوم الأول في آذار/ مارس 2011، مساهمًا بمواهبه المتعدّدة وعدّته الإبداعية في فضح الدكتاتورية الأسدية، والوحشية التي واجه فيها مجرمو الحرب شعبهم الثائر المنتفض ضد الاستبداد والطغيان والفساد، مواجهة كان سلاحه فيها ريشة ساخرة لاذعة، كشفت عن عمق جراحنا وتفتحها في زمن الفجائع السوري.

“قات”، من مواليد دمشق في سورية عام 1955. يقيم حاليًا في مدينة “تورنتو” الكندية، وهو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في سورية والعالم في العقد الأخير، ومن الذين أسّسوا فنًا ملتزمًا بقضايانا الإنسانية، منحازًا برسومه إلى عامة الناس من المقهورين والمظلومين والضحايا، لذا لا غرابة في أن يكون في رصيده عشرات الجوائز المحلية والعربية والدولية تقديرًا لفنه الملتزم، منها: “جائزة الكاريكاتير العربي”، في الدوحة لعام 2012، و”جائزة الصحافة العربية”، التي يقدّمها (نادي دبي للصحافة)، عن (فئة الرسم الكاريكاتيري) للعام 2016.

صاحب «حكاية مسمارية» 1991، خريج “المعهد العالي للسينما” (VGIK) في موسكو، اختصاص رسوم متحركة، يُعدُّ من أوائل الفنانين السوريين المتخصصين في “الأنيميشن”، أخرج لـ “مؤسسة السينما السورية” في دمشق، مجموعة من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون، ورسم وأخرج أول فيلم كرتون سوري نُفّذ بواسطة الكمبيوتر، عنوانه «جحا في المحكمة» 1994. كما رسم وأخرج الفيلم الكرتوني «ألف صورة وصورة» 1995، بمناسبة مرور مئة عام على اختراع السينما في العالم.

نال موفق قات عن معظم أعماله السينمائية جوائز محلية وعالمية، وحقّق حضورًا مهمًا في مجال الفن التشكيلي، حيث ترك بصمة واضحة من خلال لوحاته الفنية التي شارك فيها في معارض شخصية عدة في عواصم عربية وعالمية.

هنا نص الحوار معه:

موفق قات، الفنان متعدد المواهب، كيف يحلو لك أن يقدم نفسه لقرائنا؟

أنا سليل عائلة شركسية تحافظ على تقاليد “الخابزا” (أي الفروسية)، ولدت في دمشق، وأحمل الثقافة العربية الإسلامية الشامية، سافرت إلى موسكو وتشربت الثقافة السوفييتية – الروسية، وأعيش في كندا منذ عشر سنوات، وهذا ما دعاني للغوص في الثقافة الأنجلوساكسونية، لذا أعدّ نفسي حاملًا لثقافات أربع، وأتكلم لغاتها الأربع.

تحدد مستقبلي الفني في صالة سينما الكندي بدمشق، بعد مشاهدة فيلم الكرتون «المهر الأحدب»؛ إذ غادر الجميع الصالة، وبقيت هناك داخل الفيلم إلى الآن. كان عمري في ذلك الوقت اثني عشر عامًا، وبعد سبع سنين كنت أحد تلاميذ مخرج ذلك الفيلم، وهو الفنان الكبير “إيفان إيفانوف فانو”، الذي قبلني في صفّه بشكل استثنائي، وكنت أول طالب أجنبي يدرس في معهد السينما بموسكو، باختصاص فنان رسوم متحركة.

بعد حفلة التخرج من المعهد العالي للسينما، تقدّم أستاذي البروفيسور “باريس نيمنسكي”، وقال لي: “عندما تصبح فوق البحر وأنت عائد إلى بلدك، ارمِ كلّ ما تعلمته في البحر وابدأ من جديد”. لم أستوعب كلامه إلا بعد عقد من الزمان، عندما اكتشفت أنّ السماء ليست زرقاء، والأشجار ليست خضراء، وأنّ الفن هو أن ترى الأشياء ليس كما هي بل كما تريد أنت، فهذا العالم ملكك أنت، تصرّف به كما تشاء، الله خلق هذا العالم، أما الفنان فهو الذي يخلق عالمه الخاص.

كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي
ما تعريفك الخاص لفن الكاريكاتير؟

فن الكاريكاتير هو أحد أشكال التعبير الفنية الأكثر اختزالًا من حيث الشكل والفكرة. الكاريكاتير السياسي هو منشور سري يتبادله الناس في المجتمعات المغلقة بخوف وحذر. مهمته الأساسية هي كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي مختصر. الكاريكاتير هو صرخة الطفل الصغير (إن الملك عارٍ) في قصة «أندرسن»، والمدهش حقًا أنّ دولًا تملك الطائرات والدبابات والأسلحة الكيميائية تخاف من بضعة خطوط سوداء على ورقة بيضاء، أليس هذا دليلًا على قوة هذا الفن؟!

إنّ الكاريكاتير فن ذكي لمّاح، وإذا كانت معالجة الفكرة ذات قيمة عالية فنيًا، فإنّ ذلك يجعل العمل يعيش مدة زمنية أطول. وأرى أنّ التجويد والتطريز في هذا الفن الساخر مقبول في حدود ألا يشوش على الفكرة الرئيسية. أنا، شخصيًا، أحاول تطريز الكاريكاتير في بعض الأحيان، وأضع بعض اللمسات التشكيلية الجمالية، وبعض الشطحات الغرافيكية. بعض الأعمال الكاريكاتيرية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحدث السياسي، أما إذا كان العمل يحمل قيمًا تشكيلية، فإنه يتابع حياته اعتمادًا على تلك القيم.

الشخصية في الكاريكاتير، إن كانت سياسية أو اجتماعية سلبية أو إيجابية، يجب أن تكون طريفة بالمعالجة، فليس من الحكمة أن نرسم شخصيات سياسية منفرة بأسنان بارزة كالوحوش ودماء غزيرة على اليدين.

كيف تصف لنا علاقتك، بصفتك رسام كاريكاتير، مع مجتمع الثورة السورية اليوم؟ ومن ثَمّ، ما مدى ارتباط رسومك بالحدث اليومي السوري، وأنت في منفاك الكندي، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن مسرح الحياة اليومية في بلدك؟

قبل الثورة، عملت بالكاريكاتير بشكل متقطع، فخلال دراستي في موسكو كنت أرسم الكاريكاتير السياسي لجريدة “أنباء موسكو”، التي كانت تصدر بأربع لغات، وتوقفت عن استعمال اسمي الحقيقي في التوقيع على الكاريكاتير، لأنّ صحيفة “الاتّحاد” الإسرائيلية كانت تنقل رسوماتي على صفحاتها، وهذا في عرف السلطات السورية “خيانة عظمى”.

من أعمال موفق قات في عشرية الثورة السورية
بعد عودتي إلى سورية، عملت مع صحف سورية عدة بشكل متقطع، ووجدت أنّ الوضع السياسي في (سورية الأسد) فيه مفارقات كاريكاتيرية أقوى وأكثر من أي كاريكاتير، لذلك عدت إلى السينما، وأخرجت عشرة أفلام كرتون قصيرة، فازت كلها بجوائز محلية ودولية، وأخرجت أول مسلسل كرتون أنتجه التلفزيون السوري باسم «جزيرة المغامرات»، لكنه -مع الأسف- لم يُعرض إلى الآن، مع أنه موجه للأطفال، وهو من 15 حلقة، مدة الحلقة 12دقيقة. وعملت في مجال الديكور السينمائي لأكثر من عشرين فيلمًا روائيًا.

بعد المغادرة القسرية لسورية، عملت في عدة صحف ومواقع إلكترونية كرسام كاريكاتير بشكل يومي، ولأول مرة شعرت بالحرية في الرسم والتفكير، لذلك تطورت القيم الفنية والفكرية لأعمالي مع هواء الحرية الذي بدأت أتنفسه في المنفى. وكانت المرة الأولى التي أستطيع فيها رسم الشخصيات السياسية واللصوص بشكل مباشر (دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وبشار الأسد، وحسن نصر الله، وغيرهم)، وكان من الطبيعي أن أغسل يدي بعد الانتهاء من رسم هؤلاء سبع مرات وواحدة بالتراب، بحسب السنة النبوية.

بتقديرك، ما الدور الأساس الذي أداه فن الكاريكاتير في زمن الثورة السورية؟

للكاريكاتير تأثير مهم في الثورة السورية، لأنه شارك ويشارك بفاعلية كبيرة في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد، وبخاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، إذ أصبح الكاريكاتير جزءًا مهمًا في ثورة السوريين، وذلك لما يتمتع به هذا الفن من شعبية.

كانت المفاجأة بالنسبة إلي عندما نظمت مع المخرج الهولندي “رونالد بوس” أكبر معرض للكاريكاتير السوري، حيث شارك فيه أكثر من أربعين فنان كاريكاتير سوري، وكان جلّ أعمالهم عن الأوضاع في سورية، عن الدكتاتور والتهجير والبراميل المتفجرة، وجال المعرض في دول أوروبية عدة، ووصلت رسائلنا إلى شريحة عريضة من الرأي العام الأوروبي، وتم -حينها- طبع ألبوم كبير رافق المعرض، ونفدت جميع النسخ، وتم إصدار طبعة ثانية. ويجب أن أنبّه هنا إلى أنه خلال فترة المعرض ظهرت مواهب شابة واعدة، لذلك يمكن التفاؤل حول مستقبل الكاريكاتير السوري.

التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل
بعد أن تفجرت ثورات الربيع العربي، التي قلبت المفاهيم، وأصبح الشارع أكثر حضورًا؛ ظهرت مواهب شابة في فن الكاريكاتير في سورية وغيرها من البلدان العربية. كيف تنظر إلى تطور هذا الفن زمن الثورة؟

مع تطور التكنولوجيا وتطور الصحافة الإلكترونية؛ تراجعت الصحافة الورقية، ولكن ذلك لم يؤثر في فن الكاريكاتير، ما حدث هو العكس تمامًا، الآن يمكن أن ترسم الكاريكاتير وترسله إلى أي مكان في العالم في بضع ثوان، ولا أعتقد أنّ فن الكاريكاتير سوف ينقرض، بل سوف يتابع حضوره بكثافة، لأنّ أدواته تطوّرت، ومساحة الحرية زادت، فلم يعد هناك رقيب يرفض الأعمال أو يطلب منك تعديل الرسم.

ماذا عن فن الكاريكاتير السوري اليوم؟

تطوّر مستوى الكاريكاتير السوري، وعمل قفزة كبيرة من حيث النوع، ومن حيث الكيف. اليوم، أغلب الفنانين السوريين يشاركون في المسابقات والمهرجانات الدولية، ويفوزون بجوائز مهمة، والمؤسف أن القليل منهم يعمل في مؤسسات المعارضة الرسمية.

حاولنا أكثر من مرة أن نؤسس تجمعًا أو اتّحادًا لرسّامي الكاريكاتير السوريين، ولكن لم تُكلّل جهودنا بالنجاح. السبب في ذلك هو عوامل التخلف والحذر والخوف الذي ورثناه من النظام السياسي الذي تربينا في كنفه على مدار خمسة عقود. أهم خطوة جماعية قمنا بها، بصفتنا رسامي كاريكاتير ننتمي إلى ثورة شعبنا، هي إقامة المعرض الجماعي الذي حدثتكم عنه سابقًا.

رسام الكاريكاتير السوري أصبح حرًا بعد الثورة، لكن هذه الحرية تظل ناقصة، لأن الفنان السوري يحمل إرثًا كبيرًا من الظلم والإهانة والخوف، لذلك يحتاج إلى وقت غير قليل للتخلص من ذاك الإرث.

بعد الخروج من الوطن وغياب سقف الرقيب، هل فقد رسام الكاريكاتير الساخر متعة التلاعب على حبال الخطوط الحمراء التابعة لمخابرات وفروع أمن النظام؟

رسام الكاريكاتير في سورية يحاول قول الحقيقة بدهاء وبشكل غير مباشر، وحين يكون خارج دائرة تسلط أجهزة القمع، يرسم بحرية ولا يخاف من تناول كل الرموز السياسية، ويتخطّى كل التابوهات الاجتماعية والدينية والسياسية.

بشكل عام، يختلف مفهوم الحرية بين فنان وآخر، ومع الأسف، إلى الآن، يوجد بعض الفنانين الذين يخافون من النظام، علمًا أنهم بعيدون عنه آلاف الكيلومترات، نعم لقد كان الخوف هو الساموك الوحيد الذي اعتمد عليه النظام لرفع سقف المعاناة.

انتقل الخوف بعد الثورة من الشعب إلى النظام، لذلك هرول إلى دول تشبهه كي تنقذه، وتحوّل إلى خادم لهم يعمل بأوامرهم ويبيع سورية لهم مقابل الإحساس بالأمان الذي فقده.

الآن، أرسم بحرية، لكن للحقيقة، ليس من السهل التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل الذي عايشته مع زملائي الفنانين، فالمسألة بحاجة إلى بعض الوقت.

هل الاستفزاز مهمة يجب أن يقوم بها رسام الكاريكاتير للتحفيز عندما تستحيل الوسائل الأخرى؟

أنا مع الاستفزاز الذي يحرك المشاعر النبيلة لدى الإنسان. الاستفزاز ضروري لبعض الناس الذين لا تتحرك مشاعرهم عندما يشاهدون الظلم والقتل الذي يحدث في سورية أو في أي مكان من العالم، هؤلاء تتحرك عواطفهم ومشاعرهم، عندما تصل المأساة إلى مدينتهم أو ضيعتهم أو طائفتهم أو عائلتهم فقط، عند ذلك يتحوّل الواحد منهم إلى ذئب ويصل عواؤه إلى عنان السماء، لهذا يضطر رسام الكاريكاتير إلى أن يستعمل بعض الأشكال والرموز القاسية، علّها تحرك بعض المشاعر المتلبدة.

رسام الكاريكاتير كالصياد يصطاد الأفكار
هل تفكّر وتصمّم رسوماتك الكاريكاتيرية، أم تترك الإلهام يقودك؟

إلى الآن، لم تستطع البشرية اكتشاف جوهر وآلية عمل المنهج الإبداعي. يقول أحد رسامي الكاريكاتير: “لا تقتنع زوجتي أنني عندما أجلس على الشرفة وأدخن، أكون في غمرة العمل”. الأفكار تأتي من دون استئذان، تطير في الفضاء، إنها موجودة في كل مكان، رسام الكاريكاتير يشبه الصياد، يجوب العالم ويصطاد الأفكار، ويجب أن يكون جاهزًا دومًا.

برأيك، هل تأثير وفاعلية الكاريكاتير أسرع في الوصول إلى قطاع أوسع من الناس، مقارنة مع طرق تعبير أخرى تعتمد الكتابة والشروحات؟

لأن إيقاع العصر أصبح سريعًا ولا وقت للقراءة، اتّجه الإنسان المعاصر إلى الأشكال الفنية التي تحتوي التكثيف والاختصار، حتى نشرات الأخبار تحوّلت إلى تكثيف الأخبار، وقراءة الأخبار أصبحت أسرع، لذلك انتشر الكاريكاتير كأحد أهم وأسرع وسائل إيصال الخبر أو المعرفة، خصوصًا مع تزايد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

اليوم، ثمة تحدٍّ لرسامي الكاريكاتير، قلّما يُتطرّق إليه، حيث توجد برامج رسم للكومبيوتر، قادرة على الرسم بطريقة فنية عالية قد تتجاوز قدرة الرسام. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

الكمبيوتر هو أداة، أو لنقل هو فريق عمل يعمل وفق رغبة وتوجيه المستخدم، وفي برامج الرسم الحديثة آلاف الأدوات الفنية من أقلام وألوان ومؤثرات، جميعها في خدمة الفنان، ونتائج العمل يقررها الفنان، بحسب موهبته وإمكاناته، في الكمبيوتر لا توجد ذرة إبداع، الإبداع ينتجه العقل البشري.

منذ البداية اكتشفت أهمية الكمبيوتر، وكنت سباقًا بين أبناء جيلي في استعماله، البعض كان يقيّم أعمالي على مستوى الكمبيوتر، وليس على جهدي وخبرتي الفنية، ولكن الزمن أثبت لهم أنّ الأساس هو الفنان وليست الأدوات، مع أنني لا أقلل من أهميتها.

ماذا عن الكلمات أو العبارات التي تكون مصاحبة للوحات، أيمكن الاستغناء عنها؟ أم إنها ضرورية، تكمل المعنى أو توضّحه؟

للكاريكاتير أشكال عديدة وتقنيات كثيرة، المهم هو ما يتركه العمل على المتلقّي، يمكن استعمال الكلام في الكاريكاتير، وكلنا يعرف أنّ رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي كان يستعمل الكلام، كأحد أهم العناصر في العمل الفني، في بعض الأحيان كلمة واحدة تنقذ الكاريكاتير، وفي بعض الأحيان يكون الكلام ثرثرة لا تقدّم ولا تؤخر.

حتى اللون له معان مختلفة، ويمكن توظيفه لخدمة الفكرة، وفي بعض الأحيان، إقحام اللون يسيء إلى العمل الفني، إذا لم يكن في المكان المناسب، ولكل فنان أسلوب يتطور بتطور الزمن، مع أن الأسلوب عند البعض الآخر يتحوّل إلى مهارة تتكرر، وتذكرك ببائع الفول الذي يكرر صحن الفول بتقنية واحدة كل يوم من خمسين عامًا.

من خلال متابعتك اليومية، هل ينتبه القراء فعلًا إلى غياب الكاريكاتير في الصحافة المكتوبة أو المواقع الإلكترونية الإخبارية؟

القارئ في العصر الحديث بشكل عام هو قارئ سلبي، لا يتفاعل ولا يدقق في المعلومات أو في الصور، والسبب هو التدفق المذهل للمعلومات والصور.

نحن نقفز فوق الأخبار والصور والأفلام، نركض إلى المجهول، نلهث ونبحث عن شيء ما، ولا نعرف بالضبط ما هو الشي الذي نبحث عنه، لأنّ الخيارات المطروحة أمامنا كثيرة جدًا. ما يراه الطفل الآن في يوم واحد من الصور والمعلومات والأخبار يتخطى ويفوق كل ما رآه والده خلال سنوات عمره.

قريبًا، صدور كتاب يجمع رسوماتي
أنت متخصص في “الأنيميشن”، وأخرجت لـ “المؤسسة العامة السينما” في دمشق عددًا من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون. لماذا لم تتابع في هذا المجال، هل أخذك فن الكاريكاتير بعيدًا عن عوالم الفن السابع والتلفزيون؟

سينما الرسوم المتحركة (الكرتون) فنٌ مركبٌ، هي صناعة تحتاج إلى تضافر عوامل عدة، فريق عمل من الرسامين، وأجهزة مونتاج وغيرها، وتمويل مالي، وهذه الأمور ليس من السهل توفرها.

في سورية، أخرجتُ عددًا من الأفلام، ومع الأسف كان الهدف الرئيس للقائمين على مؤسسة السينما هو المشاركة في المهرجانات والحصول على الجوائز، وليس تأسيس قاعدة سينمائية لإنتاج أفلام كرتون.

الغريب في الموضوع تأسس دائرة مختصة لإنتاج أفلام الكرتون في التلفزيون السوري، وتم استيراد أجهزة بملايين الليرات، لكن طوال عشرين عامًا لم تنتج الدائرة أي فيلم، علمًا أنها كانت تضم أحد عشر فنانًا تشكيليًا.

عام 2010، تم استيراد أجهزة كمبيوتر جديدة أيضًا، ولم يكن أي عضو في اللجنة له علاقة بالرسوم المتحركة. بعد وصول الأجهزة، طلبت مني الإدارة استلام الأجهزة، فرفضت في بداية الأمر، ثم وافقت بشروطي، وهي الموافقة على سيناريو مسلسل للأطفال يتألف من 15حلقة، مدة كل حلقة 12دقيقة، وشارك فيه خيرة شباب “الأنيميشن” في سورية، وكان هذا أول إنتاج للدائرة بعد 25 عامًا، وهو العمل الذي أخبرتكم أن عرضه مُنع لأسباب أجهلها.

هل هجرت الفن التشكيلي اليوم، بعد كل ما حقّقت من نجاحات، بصفتك فنانًا تشكيليًا ترك بصمة واضحة في المشهد التشكيلي السوري والعربي؟

أمارس الرسم يوميًا، لأنه فضاء الحرية الوحيد المتبقي لدي. عندي حاليًا مجموعة كبيرة من اللوحات جاهزة للعرض. شروط العرض في كندا تختلف عن شروطها في سورية، فهنا أنت بحاجة إلى مدير أعمال يشرف على إنتاجك، حيث يُنظر إلى الفنّ على أنه سلعة مثل أي منتج آخر، وتنطبق عليه قوانين السوق، ومن الصعب على الفنان أن يرسم ويفكر بالسوق.

عبر التاريخ، كان الفنان يعمل خادمًا لدى الحاكم أو رجال الدين، ويكفي أن ننظر إلى عصر النهضة لنعرف أنّ الأغنياء ورجال الدين هم من حدد اتّجاه الفن وأسلوبه، ولم يستطع الفنان التحرر إلا مدة قصيرة، مع ظهور الفنانين الأنبياء في بداية القرن العشرين، من ثَمّ التف رأس المال عليهم، وجعل أعمالهم خاضعة لشروط السوق ورأس المال معًا.

أخيرًا، ألا تفكر في جمع رسومك الكاريكاتيرية التي أنجزتها في عشرية الثورة في كتاب؟

طوال عشر سنوات، لم أسمع عن دار نشر قامت بإصدار كتاب عن الكاريكاتير. منذ سنتين، تم الاتّفاق مع دار نشر “ميسلون” لطباعة أعمالي في ألبوم فني، وتم توقيع الاتّفاق، لكن مع الأسف توقفت دار النشر عن العمل قبل إنجاز الكتاب. قريبًا، سوف أنشر كتابًا عن أعمالي الكاريكاتيرية هنا في كندا، وأتمنى أن يصل إلى الناس كوثيقة ورقية مطبوعة، لأنّ الوثائق الإلكترونية تندثر بشكل غريب، ولا أحد يحترم حقوق الفنان.

هناك أكثر من خمسين موقعًا وجريدة إلكترونية تنشر أعمالي الكاريكاتورية، من دون إذن مسبق، أنا أفضل طباعة الكتاب، لأنني من ذاك الجيل الذي يحب رائحة أحبار
موفق قات: الكاريكاتير السوري ساهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد
حجم الخط
+

يأخذنا رسام الكاريكاتير، الفنان التشكيلي والسينمائي السوري موفق قات، في حوار اليوم، إلى عوالمه الإبداعية الشيقة، ليعرّفنا إلى فصول من سيرته ومسيرته الفنية الحافلة بالعطاء والتجديد.

ضيفنا خصّ مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في هذا الحوار، بحديث مستفيض عن دور وأهمية الكاريكاتير في زمن الثورة السورية، وهو الذي أعلن وقوفه إلى جانب ثورة شعبه منذ اليوم الأول في آذار/ مارس 2011، مساهمًا بمواهبه المتعدّدة وعدّته الإبداعية في فضح الدكتاتورية الأسدية، والوحشية التي واجه فيها مجرمو الحرب شعبهم الثائر المنتفض ضد الاستبداد والطغيان والفساد، مواجهة كان سلاحه فيها ريشة ساخرة لاذعة، كشفت عن عمق جراحنا وتفتحها في زمن الفجائع السوري.

“قات”، من مواليد دمشق في سورية عام 1955. يقيم حاليًا في مدينة “تورنتو” الكندية، وهو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في سورية والعالم في العقد الأخير، ومن الذين أسّسوا فنًا ملتزمًا بقضايانا الإنسانية، منحازًا برسومه إلى عامة الناس من المقهورين والمظلومين والضحايا، لذا لا غرابة في أن يكون في رصيده عشرات الجوائز المحلية والعربية والدولية تقديرًا لفنه الملتزم، منها: “جائزة الكاريكاتير العربي”، في الدوحة لعام 2012، و”جائزة الصحافة العربية”، التي يقدّمها (نادي دبي للصحافة)، عن (فئة الرسم الكاريكاتيري) للعام 2016.

صاحب «حكاية مسمارية» 1991، خريج “المعهد العالي للسينما” (VGIK) في موسكو، اختصاص رسوم متحركة، يُعدُّ من أوائل الفنانين السوريين المتخصصين في “الأنيميشن”، أخرج لـ “مؤسسة السينما السورية” في دمشق، مجموعة من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون، ورسم وأخرج أول فيلم كرتون سوري نُفّذ بواسطة الكمبيوتر، عنوانه «جحا في المحكمة» 1994. كما رسم وأخرج الفيلم الكرتوني «ألف صورة وصورة» 1995، بمناسبة مرور مئة عام على اختراع السينما في العالم.

نال موفق قات عن معظم أعماله السينمائية جوائز محلية وعالمية، وحقّق حضورًا مهمًا في مجال الفن التشكيلي، حيث ترك بصمة واضحة من خلال لوحاته الفنية التي شارك فيها في معارض شخصية عدة في عواصم عربية وعالمية.

هنا نص الحوار معه:

موفق قات، الفنان متعدد المواهب، كيف يحلو لك أن يقدم نفسه لقرائنا؟

أنا سليل عائلة شركسية تحافظ على تقاليد “الخابزا” (أي الفروسية)، ولدت في دمشق، وأحمل الثقافة العربية الإسلامية الشامية، سافرت إلى موسكو وتشربت الثقافة السوفييتية – الروسية، وأعيش في كندا منذ عشر سنوات، وهذا ما دعاني للغوص في الثقافة الأنجلوساكسونية، لذا أعدّ نفسي حاملًا لثقافات أربع، وأتكلم لغاتها الأربع.

تحدد مستقبلي الفني في صالة سينما الكندي بدمشق، بعد مشاهدة فيلم الكرتون «المهر الأحدب»؛ إذ غادر الجميع الصالة، وبقيت هناك داخل الفيلم إلى الآن. كان عمري في ذلك الوقت اثني عشر عامًا، وبعد سبع سنين كنت أحد تلاميذ مخرج ذلك الفيلم، وهو الفنان الكبير “إيفان إيفانوف فانو”، الذي قبلني في صفّه بشكل استثنائي، وكنت أول طالب أجنبي يدرس في معهد السينما بموسكو، باختصاص فنان رسوم متحركة.

بعد حفلة التخرج من المعهد العالي للسينما، تقدّم أستاذي البروفيسور “باريس نيمنسكي”، وقال لي: “عندما تصبح فوق البحر وأنت عائد إلى بلدك، ارمِ كلّ ما تعلمته في البحر وابدأ من جديد”. لم أستوعب كلامه إلا بعد عقد من الزمان، عندما اكتشفت أنّ السماء ليست زرقاء، والأشجار ليست خضراء، وأنّ الفن هو أن ترى الأشياء ليس كما هي بل كما تريد أنت، فهذا العالم ملكك أنت، تصرّف به كما تشاء، الله خلق هذا العالم، أما الفنان فهو الذي يخلق عالمه الخاص.

كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي
ما تعريفك الخاص لفن الكاريكاتير؟

فن الكاريكاتير هو أحد أشكال التعبير الفنية الأكثر اختزالًا من حيث الشكل والفكرة. الكاريكاتير السياسي هو منشور سري يتبادله الناس في المجتمعات المغلقة بخوف وحذر. مهمته الأساسية هي كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي مختصر. الكاريكاتير هو صرخة الطفل الصغير (إن الملك عارٍ) في قصة «أندرسن»، والمدهش حقًا أنّ دولًا تملك الطائرات والدبابات والأسلحة الكيميائية تخاف من بضعة خطوط سوداء على ورقة بيضاء، أليس هذا دليلًا على قوة هذا الفن؟!

إنّ الكاريكاتير فن ذكي لمّاح، وإذا كانت معالجة الفكرة ذات قيمة عالية فنيًا، فإنّ ذلك يجعل العمل يعيش مدة زمنية أطول. وأرى أنّ التجويد والتطريز في هذا الفن الساخر مقبول في حدود ألا يشوش على الفكرة الرئيسية. أنا، شخصيًا، أحاول تطريز الكاريكاتير في بعض الأحيان، وأضع بعض اللمسات التشكيلية الجمالية، وبعض الشطحات الغرافيكية. بعض الأعمال الكاريكاتيرية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحدث السياسي، أما إذا كان العمل يحمل قيمًا تشكيلية، فإنه يتابع حياته اعتمادًا على تلك القيم.

الشخصية في الكاريكاتير، إن كانت سياسية أو اجتماعية سلبية أو إيجابية، يجب أن تكون طريفة بالمعالجة، فليس من الحكمة أن نرسم شخصيات سياسية منفرة بأسنان بارزة كالوحوش ودماء غزيرة على اليدين.

كيف تصف لنا علاقتك، بصفتك رسام كاريكاتير، مع مجتمع الثورة السورية اليوم؟ ومن ثَمّ، ما مدى ارتباط رسومك بالحدث اليومي السوري، وأنت في منفاك الكندي، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن مسرح الحياة اليومية في بلدك؟

قبل الثورة، عملت بالكاريكاتير بشكل متقطع، فخلال دراستي في موسكو كنت أرسم الكاريكاتير السياسي لجريدة “أنباء موسكو”، التي كانت تصدر بأربع لغات، وتوقفت عن استعمال اسمي الحقيقي في التوقيع على الكاريكاتير، لأنّ صحيفة “الاتّحاد” الإسرائيلية كانت تنقل رسوماتي على صفحاتها، وهذا في عرف السلطات السورية “خيانة عظمى”.

من أعمال موفق قات في عشرية الثورة السورية
بعد عودتي إلى سورية، عملت مع صحف سورية عدة بشكل متقطع، ووجدت أنّ الوضع السياسي في (سورية الأسد) فيه مفارقات كاريكاتيرية أقوى وأكثر من أي كاريكاتير، لذلك عدت إلى السينما، وأخرجت عشرة أفلام كرتون قصيرة، فازت كلها بجوائز محلية ودولية، وأخرجت أول مسلسل كرتون أنتجه التلفزيون السوري باسم «جزيرة المغامرات»، لكنه -مع الأسف- لم يُعرض إلى الآن، مع أنه موجه للأطفال، وهو من 15 حلقة، مدة الحلقة 12دقيقة. وعملت في مجال الديكور السينمائي لأكثر من عشرين فيلمًا روائيًا.

بعد المغادرة القسرية لسورية، عملت في عدة صحف ومواقع إلكترونية كرسام كاريكاتير بشكل يومي، ولأول مرة شعرت بالحرية في الرسم والتفكير، لذلك تطورت القيم الفنية والفكرية لأعمالي مع هواء الحرية الذي بدأت أتنفسه في المنفى. وكانت المرة الأولى التي أستطيع فيها رسم الشخصيات السياسية واللصوص بشكل مباشر (دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وبشار الأسد، وحسن نصر الله، وغيرهم)، وكان من الطبيعي أن أغسل يدي بعد الانتهاء من رسم هؤلاء سبع مرات وواحدة بالتراب، بحسب السنة النبوية.

بتقديرك، ما الدور الأساس الذي أداه فن الكاريكاتير في زمن الثورة السورية؟

للكاريكاتير تأثير مهم في الثورة السورية، لأنه شارك ويشارك بفاعلية كبيرة في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد، وبخاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، إذ أصبح الكاريكاتير جزءًا مهمًا في ثورة السوريين، وذلك لما يتمتع به هذا الفن من شعبية.

كانت المفاجأة بالنسبة إلي عندما نظمت مع المخرج الهولندي “رونالد بوس” أكبر معرض للكاريكاتير السوري، حيث شارك فيه أكثر من أربعين فنان كاريكاتير سوري، وكان جلّ أعمالهم عن الأوضاع في سورية، عن الدكتاتور والتهجير والبراميل المتفجرة، وجال المعرض في دول أوروبية عدة، ووصلت رسائلنا إلى شريحة عريضة من الرأي العام الأوروبي، وتم -حينها- طبع ألبوم كبير رافق المعرض، ونفدت جميع النسخ، وتم إصدار طبعة ثانية. ويجب أن أنبّه هنا إلى أنه خلال فترة المعرض ظهرت مواهب شابة واعدة، لذلك يمكن التفاؤل حول مستقبل الكاريكاتير السوري.

التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل
بعد أن تفجرت ثورات الربيع العربي، التي قلبت المفاهيم، وأصبح الشارع أكثر حضورًا؛ ظهرت مواهب شابة في فن الكاريكاتير في سورية وغيرها من البلدان العربية. كيف تنظر إلى تطور هذا الفن زمن الثورة؟

مع تطور التكنولوجيا وتطور الصحافة الإلكترونية؛ تراجعت الصحافة الورقية، ولكن ذلك لم يؤثر في فن الكاريكاتير، ما حدث هو العكس تمامًا، الآن يمكن أن ترسم الكاريكاتير وترسله إلى أي مكان في العالم في بضع ثوان، ولا أعتقد أنّ فن الكاريكاتير سوف ينقرض، بل سوف يتابع حضوره بكثافة، لأنّ أدواته تطوّرت، ومساحة الحرية زادت، فلم يعد هناك رقيب يرفض الأعمال أو يطلب منك تعديل الرسم.

ماذا عن فن الكاريكاتير السوري اليوم؟

تطوّر مستوى الكاريكاتير السوري، وعمل قفزة كبيرة من حيث النوع، ومن حيث الكيف. اليوم، أغلب الفنانين السوريين يشاركون في المسابقات والمهرجانات الدولية، ويفوزون بجوائز مهمة، والمؤسف أن القليل منهم يعمل في مؤسسات المعارضة الرسمية.

حاولنا أكثر من مرة أن نؤسس تجمعًا أو اتّحادًا لرسّامي الكاريكاتير السوريين، ولكن لم تُكلّل جهودنا بالنجاح. السبب في ذلك هو عوامل التخلف والحذر والخوف الذي ورثناه من النظام السياسي الذي تربينا في كنفه على مدار خمسة عقود. أهم خطوة جماعية قمنا بها، بصفتنا رسامي كاريكاتير ننتمي إلى ثورة شعبنا، هي إقامة المعرض الجماعي الذي حدثتكم عنه سابقًا.

رسام الكاريكاتير السوري أصبح حرًا بعد الثورة، لكن هذه الحرية تظل ناقصة، لأن الفنان السوري يحمل إرثًا كبيرًا من الظلم والإهانة والخوف، لذلك يحتاج إلى وقت غير قليل للتخلص من ذاك الإرث.

بعد الخروج من الوطن وغياب سقف الرقيب، هل فقد رسام الكاريكاتير الساخر متعة التلاعب على حبال الخطوط الحمراء التابعة لمخابرات وفروع أمن النظام؟

رسام الكاريكاتير في سورية يحاول قول الحقيقة بدهاء وبشكل غير مباشر، وحين يكون خارج دائرة تسلط أجهزة القمع، يرسم بحرية ولا يخاف من تناول كل الرموز السياسية، ويتخطّى كل التابوهات الاجتماعية والدينية والسياسية.

بشكل عام، يختلف مفهوم الحرية بين فنان وآخر، ومع الأسف، إلى الآن، يوجد بعض الفنانين الذين يخافون من النظام، علمًا أنهم بعيدون عنه آلاف الكيلومترات، نعم لقد كان الخوف هو الساموك الوحيد الذي اعتمد عليه النظام لرفع سقف المعاناة.

انتقل الخوف بعد الثورة من الشعب إلى النظام، لذلك هرول إلى دول تشبهه كي تنقذه، وتحوّل إلى خادم لهم يعمل بأوامرهم ويبيع سورية لهم مقابل الإحساس بالأمان الذي فقده.

الآن، أرسم بحرية، لكن للحقيقة، ليس من السهل التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل الذي عايشته مع زملائي الفنانين، فالمسألة بحاجة إلى بعض الوقت.

هل الاستفزاز مهمة يجب أن يقوم بها رسام الكاريكاتير للتحفيز عندما تستحيل الوسائل الأخرى؟

أنا مع الاستفزاز الذي يحرك المشاعر النبيلة لدى الإنسان. الاستفزاز ضروري لبعض الناس الذين لا تتحرك مشاعرهم عندما يشاهدون الظلم والقتل الذي يحدث في سورية أو في أي مكان من العالم، هؤلاء تتحرك عواطفهم ومشاعرهم، عندما تصل المأساة إلى مدينتهم أو ضيعتهم أو طائفتهم أو عائلتهم فقط، عند ذلك يتحوّل الواحد منهم إلى ذئب ويصل عواؤه إلى عنان السماء، لهذا يضطر رسام الكاريكاتير إلى أن يستعمل بعض الأشكال والرموز القاسية، علّها تحرك بعض المشاعر المتلبدة.

رسام الكاريكاتير كالصياد يصطاد الأفكار
هل تفكّر وتصمّم رسوماتك الكاريكاتيرية، أم تترك الإلهام يقودك؟

إلى الآن، لم تستطع البشرية اكتشاف جوهر وآلية عمل المنهج الإبداعي. يقول أحد رسامي الكاريكاتير: “لا تقتنع زوجتي أنني عندما أجلس على الشرفة وأدخن، أكون في غمرة العمل”. الأفكار تأتي من دون استئذان، تطير في الفضاء، إنها موجودة في كل مكان، رسام الكاريكاتير يشبه الصياد، يجوب العالم ويصطاد الأفكار، ويجب أن يكون جاهزًا دومًا.

برأيك، هل تأثير وفاعلية الكاريكاتير أسرع في الوصول إلى قطاع أوسع من الناس، مقارنة مع طرق تعبير أخرى تعتمد الكتابة والشروحات؟

لأن إيقاع العصر أصبح سريعًا ولا وقت للقراءة، اتّجه الإنسان المعاصر إلى الأشكال الفنية التي تحتوي التكثيف والاختصار، حتى نشرات الأخبار تحوّلت إلى تكثيف الأخبار، وقراءة الأخبار أصبحت أسرع، لذلك انتشر الكاريكاتير كأحد أهم وأسرع وسائل إيصال الخبر أو المعرفة، خصوصًا مع تزايد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

اليوم، ثمة تحدٍّ لرسامي الكاريكاتير، قلّما يُتطرّق إليه، حيث توجد برامج رسم للكومبيوتر، قادرة على الرسم بطريقة فنية عالية قد تتجاوز قدرة الرسام. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

الكمبيوتر هو أداة، أو لنقل هو فريق عمل يعمل وفق رغبة وتوجيه المستخدم، وفي برامج الرسم الحديثة آلاف الأدوات الفنية من أقلام وألوان ومؤثرات، جميعها في خدمة الفنان، ونتائج العمل يقررها الفنان، بحسب موهبته وإمكاناته، في الكمبيوتر لا توجد ذرة إبداع، الإبداع ينتجه العقل البشري.

منذ البداية اكتشفت أهمية الكمبيوتر، وكنت سباقًا بين أبناء جيلي في استعماله، البعض كان يقيّم أعمالي على مستوى الكمبيوتر، وليس على جهدي وخبرتي الفنية، ولكن الزمن أثبت لهم أنّ الأساس هو الفنان وليست الأدوات، مع أنني لا أقلل من أهميتها.

ماذا عن الكلمات أو العبارات التي تكون مصاحبة للوحات، أيمكن الاستغناء عنها؟ أم إنها ضرورية، تكمل المعنى أو توضّحه؟

للكاريكاتير أشكال عديدة وتقنيات كثيرة، المهم هو ما يتركه العمل على المتلقّي، يمكن استعمال الكلام في الكاريكاتير، وكلنا يعرف أنّ رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي كان يستعمل الكلام، كأحد أهم العناصر في العمل الفني، في بعض الأحيان كلمة واحدة تنقذ الكاريكاتير، وفي بعض الأحيان يكون الكلام ثرثرة لا تقدّم ولا تؤخر.

حتى اللون له معان مختلفة، ويمكن توظيفه لخدمة الفكرة، وفي بعض الأحيان، إقحام اللون يسيء إلى العمل الفني، إذا لم يكن في المكان المناسب، ولكل فنان أسلوب يتطور بتطور الزمن، مع أن الأسلوب عند البعض الآخر يتحوّل إلى مهارة تتكرر، وتذكرك ببائع الفول الذي يكرر صحن الفول بتقنية واحدة كل يوم من خمسين عامًا.

من خلال متابعتك اليومية، هل ينتبه القراء فعلًا إلى غياب الكاريكاتير في الصحافة المكتوبة أو المواقع الإلكترونية الإخبارية؟

القارئ في العصر الحديث بشكل عام هو قارئ سلبي، لا يتفاعل ولا يدقق في المعلومات أو في الصور، والسبب هو التدفق المذهل للمعلومات والصور.

نحن نقفز فوق الأخبار والصور والأفلام، نركض إلى المجهول، نلهث ونبحث عن شيء ما، ولا نعرف بالضبط ما هو الشي الذي نبحث عنه، لأنّ الخيارات المطروحة أمامنا كثيرة جدًا. ما يراه الطفل الآن في يوم واحد من الصور والمعلومات والأخبار يتخطى ويفوق كل ما رآه والده خلال سنوات عمره.

قريبًا، صدور كتاب يجمع رسوماتي
أنت متخصص في “الأنيميشن”، وأخرجت لـ “المؤسسة العامة السينما” في دمشق عددًا من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون. لماذا لم تتابع في هذا المجال، هل أخذك فن الكاريكاتير بعيدًا عن عوالم الفن السابع والتلفزيون؟

سينما الرسوم المتحركة (الكرتون) فنٌ مركبٌ، هي صناعة تحتاج إلى تضافر عوامل عدة، فريق عمل من الرسامين، وأجهزة مونتاج وغيرها، وتمويل مالي، وهذه الأمور ليس من السهل توفرها.

في سورية، أخرجتُ عددًا من الأفلام، ومع الأسف كان الهدف الرئيس للقائمين على مؤسسة السينما هو المشاركة في المهرجانات والحصول على الجوائز، وليس تأسيس قاعدة سينمائية لإنتاج أفلام كرتون.

الغريب في الموضوع تأسس دائرة مختصة لإنتاج أفلام الكرتون في التلفزيون السوري، وتم استيراد أجهزة بملايين الليرات، لكن طوال عشرين عامًا لم تنتج الدائرة أي فيلم، علمًا أنها كانت تضم أحد عشر فنانًا تشكيليًا.

عام 2010، تم استيراد أجهزة كمبيوتر جديدة أيضًا، ولم يكن أي عضو في اللجنة له علاقة بالرسوم المتحركة. بعد وصول الأجهزة، طلبت مني الإدارة استلام الأجهزة، فرفضت في بداية الأمر، ثم وافقت بشروطي، وهي الموافقة على سيناريو مسلسل للأطفال يتألف من 15حلقة، مدة كل حلقة 12دقيقة، وشارك فيه خيرة شباب “الأنيميشن” في سورية، وكان هذا أول إنتاج للدائرة بعد 25 عامًا، وهو العمل الذي أخبرتكم أن عرضه مُنع لأسباب أجهلها.

هل هجرت الفن التشكيلي اليوم، بعد كل ما حقّقت من نجاحات، بصفتك فنانًا تشكيليًا ترك بصمة واضحة في المشهد التشكيلي السوري والعربي؟

أمارس الرسم يوميًا، لأنه فضاء الحرية الوحيد المتبقي لدي. عندي حاليًا مجموعة كبيرة من اللوحات جاهزة للعرض. شروط العرض في كندا تختلف عن شروطها في سورية، فهنا أنت بحاجة إلى مدير أعمال يشرف على إنتاجك، حيث يُنظر إلى الفنّ على أنه سلعة مثل أي منتج آخر، وتنطبق عليه قوانين السوق، ومن الصعب على الفنان أن يرسم ويفكر بالسوق.

عبر التاريخ، كان الفنان يعمل خادمًا لدى الحاكم أو رجال الدين، ويكفي أن ننظر إلى عصر النهضة لنعرف أنّ الأغنياء ورجال الدين هم من حدد اتّجاه الفن وأسلوبه، ولم يستطع الفنان التحرر إلا مدة قصيرة، مع ظهور الفنانين الأنبياء في بداية القرن العشرين، من ثَمّ التف رأس المال عليهم، وجعل أعمالهم خاضعة لشروط السوق ورأس المال معًا.

أخيرًا، ألا تفكر في جمع رسومك الكاريكاتيرية التي أنجزتها في عشرية الثورة في كتاب؟

طوال عشر سنوات، لم أسمع عن دار نشر قامت بإصدار كتاب عن الكاريكاتير. منذ سنتين، تم الاتّفاق مع دار نشر “ميسلون” لطباعة أعمالي في ألبوم فني، وتم توقيع الاتّفاق، لكن مع الأسف توقفت دار النشر عن العمل قبل إنجاز الكتاب. قريبًا، سوف أنشر كتابًا عن أعمالي الكاريكاتيرية هنا في كندا، وأتمنى أن يصل إلى الناس كوثيقة ورقية مطبوعة، لأنّ الوثائق الإلكترونية تندثر بشكل غريب، ولا أحد يحترم حقوق الفنان.

هناك أكثر من خمسين موقعًا وجريدة إلكترونية تنشر أعمالي الكاريكاتورية، من دون إذن مسبق، أنا أفضل طباعة الكتاب، لأنني من ذاك الجيل الذي يحب رائحة أحبارووحشية نظام الأسد
حجم الخط
+

يأخذنا رسام الكاريكاتير، الفنان التشكيلي والسينمائي السوري موفق قات، في حوار اليوم، إلى عوالمه الإبداعية الشيقة، ليعرّفنا إلى فصول من سيرته ومسيرته الفنية الحافلة بالعطاء والتجديد.

ضيفنا خصّ مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في هذا الحوار، بحديث مستفيض عن دور وأهمية الكاريكاتير في زمن الثورة السورية، وهو الذي أعلن وقوفه إلى جانب ثورة شعبه منذ اليوم الأول في آذار/ مارس 2011، مساهمًا بمواهبه المتعدّدة وعدّته الإبداعية في فضح الدكتاتورية الأسدية، والوحشية التي واجه فيها مجرمو الحرب شعبهم الثائر المنتفض ضد الاستبداد والطغيان والفساد، مواجهة كان سلاحه فيها ريشة ساخرة لاذعة، كشفت عن عمق جراحنا وتفتحها في زمن الفجائع السوري.

“قات”، من مواليد دمشق في سورية عام 1955. يقيم حاليًا في مدينة “تورنتو” الكندية، وهو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في سورية والعالم في العقد الأخير، ومن الذين أسّسوا فنًا ملتزمًا بقضايانا الإنسانية، منحازًا برسومه إلى عامة الناس من المقهورين والمظلومين والضحايا، لذا لا غرابة في أن يكون في رصيده عشرات الجوائز المحلية والعربية والدولية تقديرًا لفنه الملتزم، منها: “جائزة الكاريكاتير العربي”، في الدوحة لعام 2012، و”جائزة الصحافة العربية”، التي يقدّمها (نادي دبي للصحافة)، عن (فئة الرسم الكاريكاتيري) للعام 2016.

صاحب «حكاية مسمارية» 1991، خريج “المعهد العالي للسينما” (VGIK) في موسكو، اختصاص رسوم متحركة، يُعدُّ من أوائل الفنانين السوريين المتخصصين في “الأنيميشن”، أخرج لـ “مؤسسة السينما السورية” في دمشق، مجموعة من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون، ورسم وأخرج أول فيلم كرتون سوري نُفّذ بواسطة الكمبيوتر، عنوانه «جحا في المحكمة» 1994. كما رسم وأخرج الفيلم الكرتوني «ألف صورة وصورة» 1995، بمناسبة مرور مئة عام على اختراع السينما في العالم.

نال موفق قات عن معظم أعماله السينمائية جوائز محلية وعالمية، وحقّق حضورًا مهمًا في مجال الفن التشكيلي، حيث ترك بصمة واضحة من خلال لوحاته الفنية التي شارك فيها في معارض شخصية عدة في عواصم عربية وعالمية.

هنا نص الحوار معه:

موفق قات، الفنان متعدد المواهب، كيف يحلو لك أن يقدم نفسه لقرائنا؟

أنا سليل عائلة شركسية تحافظ على تقاليد “الخابزا” (أي الفروسية)، ولدت في دمشق، وأحمل الثقافة العربية الإسلامية الشامية، سافرت إلى موسكو وتشربت الثقافة السوفييتية – الروسية، وأعيش في كندا منذ عشر سنوات، وهذا ما دعاني للغوص في الثقافة الأنجلوساكسونية، لذا أعدّ نفسي حاملًا لثقافات أربع، وأتكلم لغاتها الأربع.

تحدد مستقبلي الفني في صالة سينما الكندي بدمشق، بعد مشاهدة فيلم الكرتون «المهر الأحدب»؛ إذ غادر الجميع الصالة، وبقيت هناك داخل الفيلم إلى الآن. كان عمري في ذلك الوقت اثني عشر عامًا، وبعد سبع سنين كنت أحد تلاميذ مخرج ذلك الفيلم، وهو الفنان الكبير “إيفان إيفانوف فانو”، الذي قبلني في صفّه بشكل استثنائي، وكنت أول طالب أجنبي يدرس في معهد السينما بموسكو، باختصاص فنان رسوم متحركة.

بعد حفلة التخرج من المعهد العالي للسينما، تقدّم أستاذي البروفيسور “باريس نيمنسكي”، وقال لي: “عندما تصبح فوق البحر وأنت عائد إلى بلدك، ارمِ كلّ ما تعلمته في البحر وابدأ من جديد”. لم أستوعب كلامه إلا بعد عقد من الزمان، عندما اكتشفت أنّ السماء ليست زرقاء، والأشجار ليست خضراء، وأنّ الفن هو أن ترى الأشياء ليس كما هي بل كما تريد أنت، فهذا العالم ملكك أنت، تصرّف به كما تشاء، الله خلق هذا العالم، أما الفنان فهو الذي يخلق عالمه الخاص.

كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي
ما تعريفك الخاص لفن الكاريكاتير؟

فن الكاريكاتير هو أحد أشكال التعبير الفنية الأكثر اختزالًا من حيث الشكل والفكرة. الكاريكاتير السياسي هو منشور سري يتبادله الناس في المجتمعات المغلقة بخوف وحذر. مهمته الأساسية هي كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي مختصر. الكاريكاتير هو صرخة الطفل الصغير (إن الملك عارٍ) في قصة «أندرسن»، والمدهش حقًا أنّ دولًا تملك الطائرات والدبابات والأسلحة الكيميائية تخاف من بضعة خطوط سوداء على ورقة بيضاء، أليس هذا دليلًا على قوة هذا الفن؟!

إنّ الكاريكاتير فن ذكي لمّاح، وإذا كانت معالجة الفكرة ذات قيمة عالية فنيًا، فإنّ ذلك يجعل العمل يعيش مدة زمنية أطول. وأرى أنّ التجويد والتطريز في هذا الفن الساخر مقبول في حدود ألا يشوش على الفكرة الرئيسية. أنا، شخصيًا، أحاول تطريز الكاريكاتير في بعض الأحيان، وأضع بعض اللمسات التشكيلية الجمالية، وبعض الشطحات الغرافيكية. بعض الأعمال الكاريكاتيرية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحدث السياسي، أما إذا كان العمل يحمل قيمًا تشكيلية، فإنه يتابع حياته اعتمادًا على تلك القيم.

الشخصية في الكاريكاتير، إن كانت سياسية أو اجتماعية سلبية أو إيجابية، يجب أن تكون طريفة بالمعالجة، فليس من الحكمة أن نرسم شخصيات سياسية منفرة بأسنان بارزة كالوحوش ودماء غزيرة على اليدين.

كيف تصف لنا علاقتك، بصفتك رسام كاريكاتير، مع مجتمع الثورة السورية اليوم؟ ومن ثَمّ، ما مدى ارتباط رسومك بالحدث اليومي السوري، وأنت في منفاك الكندي، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن مسرح الحياة اليومية في بلدك؟

قبل الثورة، عملت بالكاريكاتير بشكل متقطع، فخلال دراستي في موسكو كنت أرسم الكاريكاتير السياسي لجريدة “أنباء موسكو”، التي كانت تصدر بأربع لغات، وتوقفت عن استعمال اسمي الحقيقي في التوقيع على الكاريكاتير، لأنّ صحيفة “الاتّحاد” الإسرائيلية كانت تنقل رسوماتي على صفحاتها، وهذا في عرف السلطات السورية “خيانة عظمى”.

من أعمال موفق قات في عشرية الثورة السورية
بعد عودتي إلى سورية، عملت مع صحف سورية عدة بشكل متقطع، ووجدت أنّ الوضع السياسي في (سورية الأسد) فيه مفارقات كاريكاتيرية أقوى وأكثر من أي كاريكاتير، لذلك عدت إلى السينما، وأخرجت عشرة أفلام كرتون قصيرة، فازت كلها بجوائز محلية ودولية، وأخرجت أول مسلسل كرتون أنتجه التلفزيون السوري باسم «جزيرة المغامرات»، لكنه -مع الأسف- لم يُعرض إلى الآن، مع أنه موجه للأطفال، وهو من 15 حلقة، مدة الحلقة 12دقيقة. وعملت في مجال الديكور السينمائي لأكثر من عشرين فيلمًا روائيًا.

بعد المغادرة القسرية لسورية، عملت في عدة صحف ومواقع إلكترونية كرسام كاريكاتير بشكل يومي، ولأول مرة شعرت بالحرية في الرسم والتفكير، لذلك تطورت القيم الفنية والفكرية لأعمالي مع هواء الحرية الذي بدأت أتنفسه في المنفى. وكانت المرة الأولى التي أستطيع فيها رسم الشخصيات السياسية واللصوص بشكل مباشر (دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وبشار الأسد، وحسن نصر الله، وغيرهم)، وكان من الطبيعي أن أغسل يدي بعد الانتهاء من رسم هؤلاء سبع مرات وواحدة بالتراب، بحسب السنة النبوية.

بتقديرك، ما الدور الأساس الذي أداه فن الكاريكاتير في زمن الثورة السورية؟

للكاريكاتير تأثير مهم في الثورة السورية، لأنه شارك ويشارك بفاعلية كبيرة في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد، وبخاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، إذ أصبح الكاريكاتير جزءًا مهمًا في ثورة السوريين، وذلك لما يتمتع به هذا الفن من شعبية.

كانت المفاجأة بالنسبة إلي عندما نظمت مع المخرج الهولندي “رونالد بوس” أكبر معرض للكاريكاتير السوري، حيث شارك فيه أكثر من أربعين فنان كاريكاتير سوري، وكان جلّ أعمالهم عن الأوضاع في سورية، عن الدكتاتور والتهجير والبراميل المتفجرة، وجال المعرض في دول أوروبية عدة، ووصلت رسائلنا إلى شريحة عريضة من الرأي العام الأوروبي، وتم -حينها- طبع ألبوم كبير رافق المعرض، ونفدت جميع النسخ، وتم إصدار طبعة ثانية. ويجب أن أنبّه هنا إلى أنه خلال فترة المعرض ظهرت مواهب شابة واعدة، لذلك يمكن التفاؤل حول مستقبل الكاريكاتير السوري.

التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل
بعد أن تفجرت ثورات الربيع العربي، التي قلبت المفاهيم، وأصبح الشارع أكثر حضورًا؛ ظهرت مواهب شابة في فن الكاريكاتير في سورية وغيرها من البلدان العربية. كيف تنظر إلى تطور هذا الفن زمن الثورة؟

مع تطور التكنولوجيا وتطور الصحافة الإلكترونية؛ تراجعت الصحافة الورقية، ولكن ذلك لم يؤثر في فن الكاريكاتير، ما حدث هو العكس تمامًا، الآن يمكن أن ترسم الكاريكاتير وترسله إلى أي مكان في العالم في بضع ثوان، ولا أعتقد أنّ فن الكاريكاتير سوف ينقرض، بل سوف يتابع حضوره بكثافة، لأنّ أدواته تطوّرت، ومساحة الحرية زادت، فلم يعد هناك رقيب يرفض الأعمال أو يطلب منك تعديل الرسم.

ماذا عن فن الكاريكاتير السوري اليوم؟

تطوّر مستوى الكاريكاتير السوري، وعمل قفزة كبيرة من حيث النوع، ومن حيث الكيف. اليوم، أغلب الفنانين السوريين يشاركون في المسابقات والمهرجانات الدولية، ويفوزون بجوائز مهمة، والمؤسف أن القليل منهم يعمل في مؤسسات المعارضة الرسمية.

حاولنا أكثر من مرة أن نؤسس تجمعًا أو اتّحادًا لرسّامي الكاريكاتير السوريين، ولكن لم تُكلّل جهودنا بالنجاح. السبب في ذلك هو عوامل التخلف والحذر والخوف الذي ورثناه من النظام السياسي الذي تربينا في كنفه على مدار خمسة عقود. أهم خطوة جماعية قمنا بها، بصفتنا رسامي كاريكاتير ننتمي إلى ثورة شعبنا، هي إقامة المعرض الجماعي الذي حدثتكم عنه سابقًا.

رسام الكاريكاتير السوري أصبح حرًا بعد الثورة، لكن هذه الحرية تظل ناقصة، لأن الفنان السوري يحمل إرثًا كبيرًا من الظلم والإهانة والخوف، لذلك يحتاج إلى وقت غير قليل للتخلص من ذاك الإرث.

بعد الخروج من الوطن وغياب سقف الرقيب، هل فقد رسام الكاريكاتير الساخر متعة التلاعب على حبال الخطوط الحمراء التابعة لمخابرات وفروع أمن النظام؟

رسام الكاريكاتير في سورية يحاول قول الحقيقة بدهاء وبشكل غير مباشر، وحين يكون خارج دائرة تسلط أجهزة القمع، يرسم بحرية ولا يخاف من تناول كل الرموز السياسية، ويتخطّى كل التابوهات الاجتماعية والدينية والسياسية.

بشكل عام، يختلف مفهوم الحرية بين فنان وآخر، ومع الأسف، إلى الآن، يوجد بعض الفنانين الذين يخافون من النظام، علمًا أنهم بعيدون عنه آلاف الكيلومترات، نعم لقد كان الخوف هو الساموك الوحيد الذي اعتمد عليه النظام لرفع سقف المعاناة.

انتقل الخوف بعد الثورة من الشعب إلى النظام، لذلك هرول إلى دول تشبهه كي تنقذه، وتحوّل إلى خادم لهم يعمل بأوامرهم ويبيع سورية لهم مقابل الإحساس بالأمان الذي فقده.

الآن، أرسم بحرية، لكن للحقيقة، ليس من السهل التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل الذي عايشته مع زملائي الفنانين، فالمسألة بحاجة إلى بعض الوقت.

هل الاستفزاز مهمة يجب أن يقوم بها رسام الكاريكاتير للتحفيز عندما تستحيل الوسائل الأخرى؟

أنا مع الاستفزاز الذي يحرك المشاعر النبيلة لدى الإنسان. الاستفزاز ضروري لبعض الناس الذين لا تتحرك مشاعرهم عندما يشاهدون الظلم والقتل الذي يحدث في سورية أو في أي مكان من العالم، هؤلاء تتحرك عواطفهم ومشاعرهم، عندما تصل المأساة إلى مدينتهم أو ضيعتهم أو طائفتهم أو عائلتهم فقط، عند ذلك يتحوّل الواحد منهم إلى ذئب ويصل عواؤه إلى عنان السماء، لهذا يضطر رسام الكاريكاتير إلى أن يستعمل بعض الأشكال والرموز القاسية، علّها تحرك بعض المشاعر المتلبدة.

رسام الكاريكاتير كالصياد يصطاد الأفكار
هل تفكّر وتصمّم رسوماتك الكاريكاتيرية، أم تترك الإلهام يقودك؟

إلى الآن، لم تستطع البشرية اكتشاف جوهر وآلية عمل المنهج الإبداعي. يقول أحد رسامي الكاريكاتير: “لا تقتنع زوجتي أنني عندما أجلس على الشرفة وأدخن، أكون في غمرة العمل”. الأفكار تأتي من دون استئذان، تطير في الفضاء، إنها موجودة في كل مكان، رسام الكاريكاتير يشبه الصياد، يجوب العالم ويصطاد الأفكار، ويجب أن يكون جاهزًا دومًا.

برأيك، هل تأثير وفاعلية الكاريكاتير أسرع في الوصول إلى قطاع أوسع من الناس، مقارنة مع طرق تعبير أخرى تعتمد الكتابة والشروحات؟

لأن إيقاع العصر أصبح سريعًا ولا وقت للقراءة، اتّجه الإنسان المعاصر إلى الأشكال الفنية التي تحتوي التكثيف والاختصار، حتى نشرات الأخبار تحوّلت إلى تكثيف الأخبار، وقراءة الأخبار أصبحت أسرع، لذلك انتشر الكاريكاتير كأحد أهم وأسرع وسائل إيصال الخبر أو المعرفة، خصوصًا مع تزايد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

اليوم، ثمة تحدٍّ لرسامي الكاريكاتير، قلّما يُتطرّق إليه، حيث توجد برامج رسم للكومبيوتر، قادرة على الرسم بطريقة فنية عالية قد تتجاوز قدرة الرسام. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

الكمبيوتر هو أداة، أو لنقل هو فريق عمل يعمل وفق رغبة وتوجيه المستخدم، وفي برامج الرسم الحديثة آلاف الأدوات الفنية من أقلام وألوان ومؤثرات، جميعها في خدمة الفنان، ونتائج العمل يقررها الفنان، بحسب موهبته وإمكاناته، في الكمبيوتر لا توجد ذرة إبداع، الإبداع ينتجه العقل البشري.

منذ البداية اكتشفت أهمية الكمبيوتر، وكنت سباقًا بين أبناء جيلي في استعماله، البعض كان يقيّم أعمالي على مستوى الكمبيوتر، وليس على جهدي وخبرتي الفنية، ولكن الزمن أثبت لهم أنّ الأساس هو الفنان وليست الأدوات، مع أنني لا أقلل من أهميتها.

ماذا عن الكلمات أو العبارات التي تكون مصاحبة للوحات، أيمكن الاستغناء عنها؟ أم إنها ضرورية، تكمل المعنى أو توضّحه؟

للكاريكاتير أشكال عديدة وتقنيات كثيرة، المهم هو ما يتركه العمل على المتلقّي، يمكن استعمال الكلام في الكاريكاتير، وكلنا يعرف أنّ رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي كان يستعمل الكلام، كأحد أهم العناصر في العمل الفني، في بعض الأحيان كلمة واحدة تنقذ الكاريكاتير، وفي بعض الأحيان يكون الكلام ثرثرة لا تقدّم ولا تؤخر.

حتى اللون له معان مختلفة، ويمكن توظيفه لخدمة الفكرة، وفي بعض الأحيان، إقحام اللون يسيء إلى العمل الفني، إذا لم يكن في المكان المناسب، ولكل فنان أسلوب يتطور بتطور الزمن، مع أن الأسلوب عند البعض الآخر يتحوّل إلى مهارة تتكرر، وتذكرك ببائع الفول الذي يكرر صحن الفول بتقنية واحدة كل يوم من خمسين عامًا.

من خلال متابعتك اليومية، هل ينتبه القراء فعلًا إلى غياب الكاريكاتير في الصحافة المكتوبة أو المواقع الإلكترونية الإخبارية؟

القارئ في العصر الحديث بشكل عام هو قارئ سلبي، لا يتفاعل ولا يدقق في المعلومات أو في الصور، والسبب هو التدفق المذهل للمعلومات والصور.

نحن نقفز فوق الأخبار والصور والأفلام، نركض إلى المجهول، نلهث ونبحث عن شيء ما، ولا نعرف بالضبط ما هو الشي الذي نبحث عنه، لأنّ الخيارات المطروحة أمامنا كثيرة جدًا. ما يراه الطفل الآن في يوم واحد من الصور والمعلومات والأخبار يتخطى ويفوق كل ما رآه والده خلال سنوات عمره.

قريبًا، صدور كتاب يجمع رسوماتي
أنت متخصص في “الأنيميشن”، وأخرجت لـ “المؤسسة العامة السينما” في دمشق عددًا من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون. لماذا لم تتابع في هذا المجال، هل أخذك فن الكاريكاتير بعيدًا عن عوالم الفن السابع والتلفزيون؟

سينما الرسوم المتحركة (الكرتون) فنٌ مركبٌ، هي صناعة تحتاج إلى تضافر عوامل عدة، فريق عمل من الرسامين، وأجهزة مونتاج وغيرها، وتمويل مالي، وهذه الأمور ليس من السهل توفرها.

في سورية، أخرجتُ عددًا من الأفلام، ومع الأسف كان الهدف الرئيس للقائمين على مؤسسة السينما هو المشاركة في المهرجانات والحصول على الجوائز، وليس تأسيس قاعدة سينمائية لإنتاج أفلام كرتون.

الغريب في الموضوع تأسس دائرة مختصة لإنتاج أفلام الكرتون في التلفزيون السوري، وتم استيراد أجهزة بملايين الليرات، لكن طوال عشرين عامًا لم تنتج الدائرة أي فيلم، علمًا أنها كانت تضم أحد عشر فنانًا تشكيليًا.

عام 2010، تم استيراد أجهزة كمبيوتر جديدة أيضًا، ولم يكن أي عضو في اللجنة له علاقة بالرسوم المتحركة. بعد وصول الأجهزة، طلبت مني الإدارة استلام الأجهزة، فرفضت في بداية الأمر، ثم وافقت بشروطي، وهي الموافقة على سيناريو مسلسل للأطفال يتألف من 15حلقة، مدة كل حلقة 12دقيقة، وشارك فيه خيرة شباب “الأنيميشن” في سورية، وكان هذا أول إنتاج للدائرة بعد 25 عامًا، وهو العمل الذي أخبرتكم أن عرضه مُنع لأسباب أجهلها.

هل هجرت الفن التشكيلي اليوم، بعد كل ما حقّقت من نجاحات، بصفتك فنانًا تشكيليًا ترك بصمة واضحة في المشهد التشكيلي السوري والعربي؟

أمارس الرسم يوميًا، لأنه فضاء الحرية الوحيد المتبقي لدي. عندي حاليًا مجموعة كبيرة من اللوحات جاهزة للعرض. شروط العرض في كندا تختلف عن شروطها في سورية، فهنا أنت بحاجة إلى مدير أعمال يشرف على إنتاجك، حيث يُنظر إلى الفنّ على أنه سلعة مثل أي منتج آخر، وتنطبق عليه قوانين السوق، ومن الصعب على الفنان أن يرسم ويفكر بالسوق.

عبر التاريخ، كان الفنان يعمل خادمًا لدى الحاكم أو رجال الدين، ويكفي أن ننظر إلى عصر النهضة لنعرف أنّ الأغنياء ورجال الدين هم من حدد اتّجاه الفن وأسلوبه، ولم يستطع الفنان التحرر إلا مدة قصيرة، مع ظهور الفنانين الأنبياء في بداية القرن العشرين، من ثَمّ التف رأس المال عليهم، وجعل أعمالهم خاضعة لشروط السوق ورأس المال معًا.

موفق قات: الكاريكاتير السوري ساهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد
غسان ناصر
غسان ناصر

29 تشرين الأول/أوكتوبر 2020
0 789
موفق قات: الكاريكاتير السوري ساهم في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد
حجم الخط
+

يأخذنا رسام الكاريكاتير، الفنان التشكيلي والسينمائي السوري موفق قات، في حوار اليوم، إلى عوالمه الإبداعية الشيقة، ليعرّفنا إلى فصول من سيرته ومسيرته الفنية الحافلة بالعطاء والتجديد.

ضيفنا خصّ مركز حرمون للدراسات المعاصرة، في هذا الحوار، بحديث مستفيض عن دور وأهمية الكاريكاتير في زمن الثورة السورية، وهو الذي أعلن وقوفه إلى جانب ثورة شعبه منذ اليوم الأول في آذار/ مارس 2011، مساهمًا بمواهبه المتعدّدة وعدّته الإبداعية في فضح الدكتاتورية الأسدية، والوحشية التي واجه فيها مجرمو الحرب شعبهم الثائر المنتفض ضد الاستبداد والطغيان والفساد، مواجهة كان سلاحه فيها ريشة ساخرة لاذعة، كشفت عن عمق جراحنا وتفتحها في زمن الفجائع السوري.

“قات”، من مواليد دمشق في سورية عام 1955. يقيم حاليًا في مدينة “تورنتو” الكندية، وهو أحد أبرز رسامي الكاريكاتير في سورية والعالم في العقد الأخير، ومن الذين أسّسوا فنًا ملتزمًا بقضايانا الإنسانية، منحازًا برسومه إلى عامة الناس من المقهورين والمظلومين والضحايا، لذا لا غرابة في أن يكون في رصيده عشرات الجوائز المحلية والعربية والدولية تقديرًا لفنه الملتزم، منها: “جائزة الكاريكاتير العربي”، في الدوحة لعام 2012، و”جائزة الصحافة العربية”، التي يقدّمها (نادي دبي للصحافة)، عن (فئة الرسم الكاريكاتيري) للعام 2016.

صاحب «حكاية مسمارية» 1991، خريج “المعهد العالي للسينما” (VGIK) في موسكو، اختصاص رسوم متحركة، يُعدُّ من أوائل الفنانين السوريين المتخصصين في “الأنيميشن”، أخرج لـ “مؤسسة السينما السورية” في دمشق، مجموعة من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون، ورسم وأخرج أول فيلم كرتون سوري نُفّذ بواسطة الكمبيوتر، عنوانه «جحا في المحكمة» 1994. كما رسم وأخرج الفيلم الكرتوني «ألف صورة وصورة» 1995، بمناسبة مرور مئة عام على اختراع السينما في العالم.

نال موفق قات عن معظم أعماله السينمائية جوائز محلية وعالمية، وحقّق حضورًا مهمًا في مجال الفن التشكيلي، حيث ترك بصمة واضحة من خلال لوحاته الفنية التي شارك فيها في معارض شخصية عدة في عواصم عربية وعالمية.

هنا نص الحوار معه:

موفق قات، الفنان متعدد المواهب، كيف يحلو لك أن يقدم نفسه لقرائنا؟

أنا سليل عائلة شركسية تحافظ على تقاليد “الخابزا” (أي الفروسية)، ولدت في دمشق، وأحمل الثقافة العربية الإسلامية الشامية، سافرت إلى موسكو وتشربت الثقافة السوفييتية – الروسية، وأعيش في كندا منذ عشر سنوات، وهذا ما دعاني للغوص في الثقافة الأنجلوساكسونية، لذا أعدّ نفسي حاملًا لثقافات أربع، وأتكلم لغاتها الأربع.

تحدد مستقبلي الفني في صالة سينما الكندي بدمشق، بعد مشاهدة فيلم الكرتون «المهر الأحدب»؛ إذ غادر الجميع الصالة، وبقيت هناك داخل الفيلم إلى الآن. كان عمري في ذلك الوقت اثني عشر عامًا، وبعد سبع سنين كنت أحد تلاميذ مخرج ذلك الفيلم، وهو الفنان الكبير “إيفان إيفانوف فانو”، الذي قبلني في صفّه بشكل استثنائي، وكنت أول طالب أجنبي يدرس في معهد السينما بموسكو، باختصاص فنان رسوم متحركة.

بعد حفلة التخرج من المعهد العالي للسينما، تقدّم أستاذي البروفيسور “باريس نيمنسكي”، وقال لي: “عندما تصبح فوق البحر وأنت عائد إلى بلدك، ارمِ كلّ ما تعلمته في البحر وابدأ من جديد”. لم أستوعب كلامه إلا بعد عقد من الزمان، عندما اكتشفت أنّ السماء ليست زرقاء، والأشجار ليست خضراء، وأنّ الفن هو أن ترى الأشياء ليس كما هي بل كما تريد أنت، فهذا العالم ملكك أنت، تصرّف به كما تشاء، الله خلق هذا العالم، أما الفنان فهو الذي يخلق عالمه الخاص.

كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي
ما تعريفك الخاص لفن الكاريكاتير؟

فن الكاريكاتير هو أحد أشكال التعبير الفنية الأكثر اختزالًا من حيث الشكل والفكرة. الكاريكاتير السياسي هو منشور سري يتبادله الناس في المجتمعات المغلقة بخوف وحذر. مهمته الأساسية هي كسر المقدّس السياسي بأسلوب فكاهي مختصر. الكاريكاتير هو صرخة الطفل الصغير (إن الملك عارٍ) في قصة «أندرسن»، والمدهش حقًا أنّ دولًا تملك الطائرات والدبابات والأسلحة الكيميائية تخاف من بضعة خطوط سوداء على ورقة بيضاء، أليس هذا دليلًا على قوة هذا الفن؟!

إنّ الكاريكاتير فن ذكي لمّاح، وإذا كانت معالجة الفكرة ذات قيمة عالية فنيًا، فإنّ ذلك يجعل العمل يعيش مدة زمنية أطول. وأرى أنّ التجويد والتطريز في هذا الفن الساخر مقبول في حدود ألا يشوش على الفكرة الرئيسية. أنا، شخصيًا، أحاول تطريز الكاريكاتير في بعض الأحيان، وأضع بعض اللمسات التشكيلية الجمالية، وبعض الشطحات الغرافيكية. بعض الأعمال الكاريكاتيرية تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحدث السياسي، أما إذا كان العمل يحمل قيمًا تشكيلية، فإنه يتابع حياته اعتمادًا على تلك القيم.

الشخصية في الكاريكاتير، إن كانت سياسية أو اجتماعية سلبية أو إيجابية، يجب أن تكون طريفة بالمعالجة، فليس من الحكمة أن نرسم شخصيات سياسية منفرة بأسنان بارزة كالوحوش ودماء غزيرة على اليدين.

كيف تصف لنا علاقتك، بصفتك رسام كاريكاتير، مع مجتمع الثورة السورية اليوم؟ ومن ثَمّ، ما مدى ارتباط رسومك بالحدث اليومي السوري، وأنت في منفاك الكندي، بعيدًا آلاف الكيلومترات عن مسرح الحياة اليومية في بلدك؟

قبل الثورة، عملت بالكاريكاتير بشكل متقطع، فخلال دراستي في موسكو كنت أرسم الكاريكاتير السياسي لجريدة “أنباء موسكو”، التي كانت تصدر بأربع لغات، وتوقفت عن استعمال اسمي الحقيقي في التوقيع على الكاريكاتير، لأنّ صحيفة “الاتّحاد” الإسرائيلية كانت تنقل رسوماتي على صفحاتها، وهذا في عرف السلطات السورية “خيانة عظمى”.

من أعمال موفق قات في عشرية الثورة السورية
بعد عودتي إلى سورية، عملت مع صحف سورية عدة بشكل متقطع، ووجدت أنّ الوضع السياسي في (سورية الأسد) فيه مفارقات كاريكاتيرية أقوى وأكثر من أي كاريكاتير، لذلك عدت إلى السينما، وأخرجت عشرة أفلام كرتون قصيرة، فازت كلها بجوائز محلية ودولية، وأخرجت أول مسلسل كرتون أنتجه التلفزيون السوري باسم «جزيرة المغامرات»، لكنه -مع الأسف- لم يُعرض إلى الآن، مع أنه موجه للأطفال، وهو من 15 حلقة، مدة الحلقة 12دقيقة. وعملت في مجال الديكور السينمائي لأكثر من عشرين فيلمًا روائيًا.

بعد المغادرة القسرية لسورية، عملت في عدة صحف ومواقع إلكترونية كرسام كاريكاتير بشكل يومي، ولأول مرة شعرت بالحرية في الرسم والتفكير، لذلك تطورت القيم الفنية والفكرية لأعمالي مع هواء الحرية الذي بدأت أتنفسه في المنفى. وكانت المرة الأولى التي أستطيع فيها رسم الشخصيات السياسية واللصوص بشكل مباشر (دونالد ترامب، وفلاديمير بوتين، وبشار الأسد، وحسن نصر الله، وغيرهم)، وكان من الطبيعي أن أغسل يدي بعد الانتهاء من رسم هؤلاء سبع مرات وواحدة بالتراب، بحسب السنة النبوية.

بتقديرك، ما الدور الأساس الذي أداه فن الكاريكاتير في زمن الثورة السورية؟

للكاريكاتير تأثير مهم في الثورة السورية، لأنه شارك ويشارك بفاعلية كبيرة في فضح إرهاب ووحشية نظام الأسد، وبخاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعية والمواقع الإلكترونية، إذ أصبح الكاريكاتير جزءًا مهمًا في ثورة السوريين، وذلك لما يتمتع به هذا الفن من شعبية.

كانت المفاجأة بالنسبة إلي عندما نظمت مع المخرج الهولندي “رونالد بوس” أكبر معرض للكاريكاتير السوري، حيث شارك فيه أكثر من أربعين فنان كاريكاتير سوري، وكان جلّ أعمالهم عن الأوضاع في سورية، عن الدكتاتور والتهجير والبراميل المتفجرة، وجال المعرض في دول أوروبية عدة، ووصلت رسائلنا إلى شريحة عريضة من الرأي العام الأوروبي، وتم -حينها- طبع ألبوم كبير رافق المعرض، ونفدت جميع النسخ، وتم إصدار طبعة ثانية. ويجب أن أنبّه هنا إلى أنه خلال فترة المعرض ظهرت مواهب شابة واعدة، لذلك يمكن التفاؤل حول مستقبل الكاريكاتير السوري.

التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل
بعد أن تفجرت ثورات الربيع العربي، التي قلبت المفاهيم، وأصبح الشارع أكثر حضورًا؛ ظهرت مواهب شابة في فن الكاريكاتير في سورية وغيرها من البلدان العربية. كيف تنظر إلى تطور هذا الفن زمن الثورة؟

مع تطور التكنولوجيا وتطور الصحافة الإلكترونية؛ تراجعت الصحافة الورقية، ولكن ذلك لم يؤثر في فن الكاريكاتير، ما حدث هو العكس تمامًا، الآن يمكن أن ترسم الكاريكاتير وترسله إلى أي مكان في العالم في بضع ثوان، ولا أعتقد أنّ فن الكاريكاتير سوف ينقرض، بل سوف يتابع حضوره بكثافة، لأنّ أدواته تطوّرت، ومساحة الحرية زادت، فلم يعد هناك رقيب يرفض الأعمال أو يطلب منك تعديل الرسم.

ماذا عن فن الكاريكاتير السوري اليوم؟

تطوّر مستوى الكاريكاتير السوري، وعمل قفزة كبيرة من حيث النوع، ومن حيث الكيف. اليوم، أغلب الفنانين السوريين يشاركون في المسابقات والمهرجانات الدولية، ويفوزون بجوائز مهمة، والمؤسف أن القليل منهم يعمل في مؤسسات المعارضة الرسمية.

حاولنا أكثر من مرة أن نؤسس تجمعًا أو اتّحادًا لرسّامي الكاريكاتير السوريين، ولكن لم تُكلّل جهودنا بالنجاح. السبب في ذلك هو عوامل التخلف والحذر والخوف الذي ورثناه من النظام السياسي الذي تربينا في كنفه على مدار خمسة عقود. أهم خطوة جماعية قمنا بها، بصفتنا رسامي كاريكاتير ننتمي إلى ثورة شعبنا، هي إقامة المعرض الجماعي الذي حدثتكم عنه سابقًا.

رسام الكاريكاتير السوري أصبح حرًا بعد الثورة، لكن هذه الحرية تظل ناقصة، لأن الفنان السوري يحمل إرثًا كبيرًا من الظلم والإهانة والخوف، لذلك يحتاج إلى وقت غير قليل للتخلص من ذاك الإرث.

بعد الخروج من الوطن وغياب سقف الرقيب، هل فقد رسام الكاريكاتير الساخر متعة التلاعب على حبال الخطوط الحمراء التابعة لمخابرات وفروع أمن النظام؟

رسام الكاريكاتير في سورية يحاول قول الحقيقة بدهاء وبشكل غير مباشر، وحين يكون خارج دائرة تسلط أجهزة القمع، يرسم بحرية ولا يخاف من تناول كل الرموز السياسية، ويتخطّى كل التابوهات الاجتماعية والدينية والسياسية.

بشكل عام، يختلف مفهوم الحرية بين فنان وآخر، ومع الأسف، إلى الآن، يوجد بعض الفنانين الذين يخافون من النظام، علمًا أنهم بعيدون عنه آلاف الكيلومترات، نعم لقد كان الخوف هو الساموك الوحيد الذي اعتمد عليه النظام لرفع سقف المعاناة.

انتقل الخوف بعد الثورة من الشعب إلى النظام، لذلك هرول إلى دول تشبهه كي تنقذه، وتحوّل إلى خادم لهم يعمل بأوامرهم ويبيع سورية لهم مقابل الإحساس بالأمان الذي فقده.

الآن، أرسم بحرية، لكن للحقيقة، ليس من السهل التخلّص من إرث الاستبداد الثقيل الذي عايشته مع زملائي الفنانين، فالمسألة بحاجة إلى بعض الوقت.

هل الاستفزاز مهمة يجب أن يقوم بها رسام الكاريكاتير للتحفيز عندما تستحيل الوسائل الأخرى؟

أنا مع الاستفزاز الذي يحرك المشاعر النبيلة لدى الإنسان. الاستفزاز ضروري لبعض الناس الذين لا تتحرك مشاعرهم عندما يشاهدون الظلم والقتل الذي يحدث في سورية أو في أي مكان من العالم، هؤلاء تتحرك عواطفهم ومشاعرهم، عندما تصل المأساة إلى مدينتهم أو ضيعتهم أو طائفتهم أو عائلتهم فقط، عند ذلك يتحوّل الواحد منهم إلى ذئب ويصل عواؤه إلى عنان السماء، لهذا يضطر رسام الكاريكاتير إلى أن يستعمل بعض الأشكال والرموز القاسية، علّها تحرك بعض المشاعر المتلبدة.

رسام الكاريكاتير كالصياد يصطاد الأفكار
هل تفكّر وتصمّم رسوماتك الكاريكاتيرية، أم تترك الإلهام يقودك؟

إلى الآن، لم تستطع البشرية اكتشاف جوهر وآلية عمل المنهج الإبداعي. يقول أحد رسامي الكاريكاتير: “لا تقتنع زوجتي أنني عندما أجلس على الشرفة وأدخن، أكون في غمرة العمل”. الأفكار تأتي من دون استئذان، تطير في الفضاء، إنها موجودة في كل مكان، رسام الكاريكاتير يشبه الصياد، يجوب العالم ويصطاد الأفكار، ويجب أن يكون جاهزًا دومًا.

برأيك، هل تأثير وفاعلية الكاريكاتير أسرع في الوصول إلى قطاع أوسع من الناس، مقارنة مع طرق تعبير أخرى تعتمد الكتابة والشروحات؟

لأن إيقاع العصر أصبح سريعًا ولا وقت للقراءة، اتّجه الإنسان المعاصر إلى الأشكال الفنية التي تحتوي التكثيف والاختصار، حتى نشرات الأخبار تحوّلت إلى تكثيف الأخبار، وقراءة الأخبار أصبحت أسرع، لذلك انتشر الكاريكاتير كأحد أهم وأسرع وسائل إيصال الخبر أو المعرفة، خصوصًا مع تزايد انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

اليوم، ثمة تحدٍّ لرسامي الكاريكاتير، قلّما يُتطرّق إليه، حيث توجد برامج رسم للكومبيوتر، قادرة على الرسم بطريقة فنية عالية قد تتجاوز قدرة الرسام. كيف تنظر إلى هذا الأمر؟

الكمبيوتر هو أداة، أو لنقل هو فريق عمل يعمل وفق رغبة وتوجيه المستخدم، وفي برامج الرسم الحديثة آلاف الأدوات الفنية من أقلام وألوان ومؤثرات، جميعها في خدمة الفنان، ونتائج العمل يقررها الفنان، بحسب موهبته وإمكاناته، في الكمبيوتر لا توجد ذرة إبداع، الإبداع ينتجه العقل البشري.

منذ البداية اكتشفت أهمية الكمبيوتر، وكنت سباقًا بين أبناء جيلي في استعماله، البعض كان يقيّم أعمالي على مستوى الكمبيوتر، وليس على جهدي وخبرتي الفنية، ولكن الزمن أثبت لهم أنّ الأساس هو الفنان وليست الأدوات، مع أنني لا أقلل من أهميتها.

ماذا عن الكلمات أو العبارات التي تكون مصاحبة للوحات، أيمكن الاستغناء عنها؟ أم إنها ضرورية، تكمل المعنى أو توضّحه؟

للكاريكاتير أشكال عديدة وتقنيات كثيرة، المهم هو ما يتركه العمل على المتلقّي، يمكن استعمال الكلام في الكاريكاتير، وكلنا يعرف أنّ رسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي كان يستعمل الكلام، كأحد أهم العناصر في العمل الفني، في بعض الأحيان كلمة واحدة تنقذ الكاريكاتير، وفي بعض الأحيان يكون الكلام ثرثرة لا تقدّم ولا تؤخر.

حتى اللون له معان مختلفة، ويمكن توظيفه لخدمة الفكرة، وفي بعض الأحيان، إقحام اللون يسيء إلى العمل الفني، إذا لم يكن في المكان المناسب، ولكل فنان أسلوب يتطور بتطور الزمن، مع أن الأسلوب عند البعض الآخر يتحوّل إلى مهارة تتكرر، وتذكرك ببائع الفول الذي يكرر صحن الفول بتقنية واحدة كل يوم من خمسين عامًا.

من خلال متابعتك اليومية، هل ينتبه القراء فعلًا إلى غياب الكاريكاتير في الصحافة المكتوبة أو المواقع الإلكترونية الإخبارية؟

القارئ في العصر الحديث بشكل عام هو قارئ سلبي، لا يتفاعل ولا يدقق في المعلومات أو في الصور، والسبب هو التدفق المذهل للمعلومات والصور.

نحن نقفز فوق الأخبار والصور والأفلام، نركض إلى المجهول، نلهث ونبحث عن شيء ما، ولا نعرف بالضبط ما هو الشي الذي نبحث عنه، لأنّ الخيارات المطروحة أمامنا كثيرة جدًا. ما يراه الطفل الآن في يوم واحد من الصور والمعلومات والأخبار يتخطى ويفوق كل ما رآه والده خلال سنوات عمره.

قريبًا، صدور كتاب يجمع رسوماتي
أنت متخصص في “الأنيميشن”، وأخرجت لـ “المؤسسة العامة السينما” في دمشق عددًا من الأفلام الكرتونية، وأخرى للتلفزيون. لماذا لم تتابع في هذا المجال، هل أخذك فن الكاريكاتير بعيدًا عن عوالم الفن السابع والتلفزيون؟

سينما الرسوم المتحركة (الكرتون) فنٌ مركبٌ، هي صناعة تحتاج إلى تضافر عوامل عدة، فريق عمل من الرسامين، وأجهزة مونتاج وغيرها، وتمويل مالي، وهذه الأمور ليس من السهل توفرها.

في سورية، أخرجتُ عددًا من الأفلام، ومع الأسف كان الهدف الرئيس للقائمين على مؤسسة السينما هو المشاركة في المهرجانات والحصول على الجوائز، وليس تأسيس قاعدة سينمائية لإنتاج أفلام كرتون.

الغريب في الموضوع تأسس دائرة مختصة لإنتاج أفلام الكرتون في التلفزيون السوري، وتم استيراد أجهزة بملايين الليرات، لكن طوال عشرين عامًا لم تنتج الدائرة أي فيلم، علمًا أنها كانت تضم أحد عشر فنانًا تشكيليًا.

عام 2010، تم استيراد أجهزة كمبيوتر جديدة أيضًا، ولم يكن أي عضو في اللجنة له علاقة بالرسوم المتحركة. بعد وصول الأجهزة، طلبت مني الإدارة استلام الأجهزة، فرفضت في بداية الأمر، ثم وافقت بشروطي، وهي الموافقة على سيناريو مسلسل للأطفال يتألف من 15حلقة، مدة كل حلقة 12دقيقة، وشارك فيه خيرة شباب “الأنيميشن” في سورية، وكان هذا أول إنتاج للدائرة بعد 25 عامًا، وهو العمل الذي أخبرتكم أن عرضه مُنع لأسباب أجهلها.

هل هجرت الفن التشكيلي اليوم، بعد كل ما حقّقت من نجاحات، بصفتك فنانًا تشكيليًا ترك بصمة واضحة في المشهد التشكيلي السوري والعربي؟

أمارس الرسم يوميًا، لأنه فضاء الحرية الوحيد المتبقي لدي. عندي حاليًا مجموعة كبيرة من اللوحات جاهزة للعرض. شروط العرض في كندا تختلف عن شروطها في سورية، فهنا أنت بحاجة إلى مدير أعمال يشرف على إنتاجك، حيث يُنظر إلى الفنّ على أنه سلعة مثل أي منتج آخر، وتنطبق عليه قوانين السوق، ومن الصعب على الفنان أن يرسم ويفكر بالسوق.

عبر التاريخ، كان الفنان يعمل خادمًا لدى الحاكم أو رجال الدين، ويكفي أن ننظر إلى عصر النهضة لنعرف أنّ الأغنياء ورجال الدين هم من حدد اتّجاه الفن وأسلوبه، ولم يستطع الفنان التحرر إلا مدة قصيرة، مع ظهور الفنانين الأنبياء في بداية القرن العشرين، من ثَمّ التف رأس المال عليهم، وجعل أعمالهم خاضعة لشروط السوق ورأس المال معًا.

أخيرًا، ألا تفكر في جمع رسومك الكاريكاتيرية التي أنجزتها في عشرية الثورة في كتاب؟

طوال عشر سنوات، لم أسمع عن دار نشر قامت بإصدار كتاب عن الكاريكاتير. منذ سنتين، تم الاتّفاق مع دار نشر “ميسلون” لطباعة أعمالي في ألبوم فني، وتم توقيع الاتّفاق، لكن مع الأسف توقفت دار النشر عن العمل قبل إنجاز الكتاب. قريبًا، سوف أنشر كتابًا عن أعمالي الكاريكاتيرية هنا في كندا، وأتمنى أن يصل إلى الناس كوثيقة ورقية مطبوعة، لأنّ الوثائق الإلكترونية تندثر بشكل غريب، ولا أحد يحترم حقوق الفنان.

هناك أكثر من خمسين موقعًا وجريدة إلكترونية تنشر أعمالي الكاريكاتورية، من دون إذن مسبق، أنا أفضل طباعة الكتاب، لأنني من ذاك الجيل الذي يحب رائحة أحبار

أخيرًا، ألا تفكر في جمع رسومك الكاريكاتيرية التي أنجزتها في عشرية الثورة في كتاب؟

طوال عشر سنوات، لم أسمع عن دار نشر قامت بإصدار كتاب عن الكاريكاتير. منذ سنتين، تم الاتّفاق مع دار نشر “ميسلون” لطباعة أعمالي في ألبوم فني، وتم توقيع الاتّفاق، لكن مع الأسف توقفت دار النشر عن العمل قبل إنجاز الكتاب. قريبًا، سوف أنشر كتابًا عن أعمالي الكاريكاتيرية هنا في كندا، وأتمنى أن يصل إلى الناس كوثيقة ورقية مطبوعة، لأنّ الوثائق الإلكترونية تندثر بشكل غريب، ولا أحد يحترم حقوق الفنان.

هناك أكثر من خمسين موقعًا وجريدة إلكترونية تنشر أعمالي الكاريكاتورية، من دون إذن مسبق، أنا أفضل طباعة الكتاب، لأنني من ذاك الجيل الذي يحب رائحة أحبار الطباعة وملمس الورق.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة