
تزامنت الاشتباكات في حلب مع التوتر الأمني الذي شهدته إيران على خلفية الاشتباكات التي حصلت بين قوى الأمن الإيرانية وبعض المتظاهرين، خصوصاً في المناطق الغربية من إيران التي تسيطر عليها أغلبية كردية.
في سوريا، أبدى المستوى السياسي والعسكري التركي (رئاسة البرلمان ووزارة الدفاع) استعداداً صريحاً لتقديم الدعم العملياتي للحكومة السورية في اشتباكاتها ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في حلب. يرتكز الموقف التركي على مبدأ “وحدة الأراضي السورية” ورفض الازدواجية العسكرية (وجود قوتين مسلحتين)، مع التشديد على ضرورة تطبيق اتفاق 10 آذار/ مارس 2025 كإطار مرجعي للتعامل المستقبلي.
أما في الموضوع الإيراني، فقد أكد المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، عمر جليك، إن “تركيا لا ترغب في أن ترى تفشي الفوضى في إيران على الرغم من بعض المشكلات بين المجتمع والحكومة”. وشدد جليك على أن “التدخل الأجنبي سيؤدي إلى عواقب أسوأ، وأن التدخل الذي تثيره إسرائيل على وجه الخصوص سيؤدي إلى أزمات أكبر”.
لا شكّ، ينطلق الاتراك في نظرتهم الى التحولات في المنطقة، من منظار الأمن القومي التركي بالأساس وبداية، ومن تأثيرها على النفوذ التركي في المنطقة ثانياً. إلى جانب المحددات المادية، تنطلق تصورات التهديد التركية من الذاكرة الجماعية التركية المشبعة بالشكّ والريبة تجاه الخارج بسبب التجارب التاريخية المؤلمة، ونتيجة لما يُسمى “متلازمة سيفر”.
تنعكس ذكريات اتفاقيات سيفر في العقل الجمعي التركي؛ فقد تكوّنت مع التاريخ والتجارب قناعة راسخة وعميقة لدى النخبة التركية (بشقّيها العلماني والإسلامي) بأن القوى الغربية لم تتخلَّ يومًا عن مخططاتها لتقسيم الأناضول، وأنها تسعى دائمًا لدعم الأقليات -وتحديدًا الأكراد- لتقويض الدولة من الداخل، استكمالًا لما نصّت عليه معاهدة سيفر لعام 1920 التي مزقت الدولة العثمانية.
أدت هذه المتلازمة إلى تشكيل “ثقافة أمنية” تقوم على ركائز عدّة أبرزها:
أ- الخوف من التقسيم:
يحتل “الخطر الانفصالي” رأس هرم تصورات التهديد التركية. وعليه، لا يُنظر للمسألة الكردية وامتداداتها في سوريا كملف إرهاب تقليدي، بل كتهديد “أنطولوجي” (وجودي) يمس هوية الدولة وبقاءها.
تطورت تصورات هذا التهديد لتشمل ما تسميه أنقرة “الممر الإرهابي” في شمال سوريا والعراق. ترى العقيدة العسكرية التركية أن السماح بوجود كيان كردي شبه مستقل على حدودها الجنوبية ليس مجرد تهديد أمني تكتيكي، بل هو “تطويق جيوسياسي” يهدف لعزل تركيا عن الشرق الأوسط وتمزيق نسيجها الديموغرافي الداخلي.
ب- الريبة من التحالفات:
حتى وهي عضو في حلف الناتو، تتعامل تركيا مع حلفائها الغربيين (خصوصاً بعد محاولة انقلاب عام 2016 ) بحذر شديد، وتفسر أي دعم غربي للوحدات الكردية في سوريا كجزء من “مؤامرة كبرى” تستهدف وحدة التراب التركي.
شكّلت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 تموز/يوليو 2016 “اللحظة التأسيسية الثانية” للجمهورية التركية. قرأ الحكم في تركيا التردد الغربي في إدانة الانقلاب في ساعاته الأولى كدليل مادي ملموس يؤكد صحة “متلازمة سيفر”، مما أدى إلى دمج “التهديد الداخلي” بـ”التهديد الخارجي” في سلة واحدة تحت مسمى “معركة البقاء”.
ج- أولوية الأمن الداخلي:
تُهندس السياسة الخارجية التركية برمتها بناءً على متطلبات الحفاظ على “وحدة الدولة المركزية”. هذا هو المحرك الأساسي الذي يبرر التدخل العسكري الوقائي في شمال سوريا والعراق، لمنع نشوء أي كيان كردي متصل جغرافيًا يُنظر إليه كـَ “خنجر” في خاصرة الأناضول الجنوبية.
وعليه، أدّت التطورات الأخيرة التي اضطلع الأكراد فيها بدور مركزي، إلى تصوّر لدى الأتراك بخطورة انهيار النظام وتفكك الجغرافيا السياسية الإيرانية، مما يتيح للفصائل الكردية المسلحة (مثل “بيجاك” والحزب الديمقراطي) -التي تشير التقارير إلى تلقيها دعماً استخباراتياً خارجياً- تأسيس كيان حكم ذاتي في الغرب الإيراني.
بناءً على ما سبق، تشكّل الفوضى في إيران معضلة أمنية مركبة لتركيا؛ إذ لا يُنظر إلى احتمالية انهيار السلطة المركزية في طهران كفرصة جيوسياسية حتمية، بل قد تشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي.
من المنظور الاستراتيجي التركي، يؤسس هذا السيناريو لترابط جغرافي بين مناطق النفوذ الكردي في شمال شرق سوريا وشمال العراق والعمق الإيراني. وتعدّ تركيا هذا الامتداد بمثابة تطويق استراتيجي لحدودها الجنوبية والشرقية بكيانات معادية مدعومة إسرائيلياً، مما يشكل تهديداً لوحدة الأراضي التركية يتجاوز في خطورته التنافس التقليدي مع الدولة الإيرانية.