الباحث في الشؤون السياسية باسل الحاج جاسم
ملخص
ميليشيات “قسد”، التي تُعد غطاءً لحزب العمال الكردستاني، كثيراً ما استخدمت التصعيد كأداة للتفاوض وليس بديلاً عنه، كذلك فإن التصعيد الأخير في مدينة حلب، في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تزامن مع انتهاء مهلة اتفاق الـ10 من مارس (آذار)، الذي لم تنفذ هذه الميليشيات أي بند من بنوده.
شهدت مدينة حلب خلال الأيام الأخيرة تصعيداً عسكرياً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وسط مخاوف من تأثير ذلك في المدنيين والبنية التحتية الحيوية للمدينة. وتركزت التساؤلات حول أهداف ميليشيات “قسد” وما إذا كانت رهاناتها على الضغط الدولي والتدخل الخارجي قادرة على تحقيق أي مكاسب، في وقت لا تزال نتائج هذا التصعيد محل ترقب من قبل السوريين والمجتمع الدولي.
في مقابلة صوتية مع “اندبندنت عربية”، قال الباحث في الشؤون السياسية، باسل الحاج جاسم، إن ميليشيات “قسد”، التي تُعد غطاءً لحزب العمال الكردستاني، كثيراً ما استخدمت التصعيد كأداة للتفاوض وليس بديلاً عنه، كذلك فإن التصعيد الأخير في مدينة حلب، في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تزامن مع انتهاء مهلة اتفاق الـ10 من مارس (آذار)، الذي لم تنفذ هذه الميليشيات أي بند من بنوده.
استجداء التدخل الخارجي
وكان لديها كثير من الرهانات إلا أنها جميعها فشلت، راهنت في البداية على تدخل خارجي أو ضغوط دولية لكن حساباتها كانت خاطئة، فالعلاقات الدولية مع الحكومة السورية اختلفت، هناك احتضان ودعم عربي إقليمي دولي للحكومة السورية، وأيضاً بعد توقيع الحكومة السورية على اتفاق سياسي للانضمام للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، سحبت هذه الورقة، ورقة مكافحة الإرهاب، من ميليشيات “قسد” التي كانت تستخدمها للابتزاز داخلياً وخارجياً، وأيضاً عولت على عدم قدرة الحكومة السورية والجيش السوري على التصرف مع أحياء مكتظة بالسكان، فدخول الجيوش إلى أحياء سكنية يربكها سياسياً وإنسانياً وإعلامياً على العكس من الميليشيات.
وأضاف أن هذا الرهان أيضاً أثبت فشله، فالعالم كله شاهد الطريقة الاحترافية التي تعامل بها الجيش السوري مع حيي الشيخ مقصود والأشرفية، من خلال فتح ممرات إنسانية، وتحديد مواقع تمركز الميليشيات وقواتها وأسلحتها، واستقبال النازحين من الحيين بطريقة منظمة، وتقديم المساعدات الإنسانية وتأمين السكن لهم في المقابل كانت هذه الميليشيات عبر قناصيها تستهدف المدنيين، وتستهدف بمسيرات وقذائف مدفعية أحياء سكنية مجاورة، إذ استهدفت مشفى الرازي وسكناً للطلبة ومبنى المحافظة ومسجداً يضم ويحتضن نازحين من الحيين
.إنجاز لم يكتمل
ويشير إلى أن هذا الرهان أثبت فشله أيضاً “وبالتأكيد ما بعد حلب ليس كما قبلها، والأنظار الآن تتجه إلى ريف حلب، دير حافر ومسكنة وسد تشرين، حيث هناك بنية تحتية تتعلق بتزويد الكهرباء وتزويد المياه لحلب التي قطعتها ميليشيات ‘قسد’ بعد طردها من مدينة حلب، وهي تعرض بذلك حياة أكثر من 4 ملايين نسمة للخطر”، موضحاً أنه لا يمكن أن تكتمل ربما فرحة السوريين إلا بتحرير كامل الجزيرة العربية السورية، حيث المحافظات الثلاث، الحسكة ودير الزور والرقة.
وأضاف أن هذه الميليشيات تسعى إلى فرض شروط غير موجودة في اتفاق الـ10 من مارس، تتعلق ببنية الدولة وشكلها وهويتها، لافتاً إلى تناقض خطابها، إذ تدّعي في أوقات الهدوء والتفاوض أنها تمثل جميع أطياف المجتمع السوري في المناطق التي تسيطر عليها، بينما تعود في أوقات الحرب والتصعيد للحديث عن فئة عرقية معينة تتعرض لهجوم ولا بد من حمايتها.
وقال إن التناقض الآخر يتعلق بأنهم تحدثوا أنه في حيي الشيخ مقصود والأشرفية لا يوجد سوى شرطة مدنية، ومن أين للشرطة المدنية ما شاهده العالم من استخدام مسيرات وهاون ومدفعية وأسلحة لا تمتلكها إلا جيوش.
جيشان ودولتان؟
واعتبر الحاج جاسم “ما يجري في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب يمثل تزويراً للتاريخ والجغرافيا معاً”، مؤكداً أنه “لم يحدث في التاريخ أن تأتي مجموعة بشرية لتسكن حيّاً أو منطقة، ثم بعد 40 عاماً تخرج لتطالب بالحكم الذاتي أو الفيدرالية باعتبارها أرضاً تاريخية”، وأضاف أن “حي الشيخ مقصود، الذي كان يُعرف بجبل السيدة قبل نهاية السبعينيات، لم يكن يحمل أي طابع عرقي، وكانت تقطنه عائلات مسيحية عربية وأرمنية إلى جانب عائلات عربية معروفة”، موضحاً أن “التجمعات التي ظهرت لاحقاً جاءت نتيجة التوسع العمراني والبناء العشوائي، وعلى رغم أنها لا تشكل أغلبية حتى اليوم، فإن هناك إصراراً على فرض توصيف قومي مصطنع على الحيين”.
وحذر الحاج جاسم من أن “استمرار مماطلة ميليشيا ‘قسد’ في تنفيذ اتفاق الـ10 من مارس وتعويلها على عوامل داخلية وخارجية، إلى جانب حال الغليان الشعبي، سيدفع نحو انفجار جديد، لكن هذه المرة في مناطق أخرى تسيطر عليها الميليشيا”، وتابع أن “استمرار احتلال ثلاث محافظات، وأجزاء من محافظة حلب، ومنع عودة مئات الآلاف من المهجرين من الحسكة والرقة ودير الزور، إضافة إلى ريف حلب، خصوصاً قرى سد تشرين وريف أبو قلقل ومنبج وناحية الشيوخ، يترافق مع نهب النفط السوري”، مشدداً على أنه “لا يمكن لأي دولة أن تستقر أو تقوم على سيادتها بوجود جيشين وسلطتي أمر واقع”.