جاءت اللحظة وكنت يومها في 2015 تلك الأم التي رافقت ابنها البكر، ثمرة أمومتها الأولى ذو الخمسة عشرة ربيعاً لمصيره المجهول والمحفوف بالمخاطر المحتملة والغير محتملة، كان أصغرها احتمالاً مغامرة مميتة في قوارب مطاطية غدرت بركابها في البحر ولم تصل بهم لبر الأمان، ذاك البحر لو نطق يوماً لتحدث معنا باللغات السورية وسرد لنا تفاصيل كل جثة كيف سلمت روحها للبحر، نعم سمعنا عن حكايات البحر والغرقى والبوح بأسرارهم في لحظات حياتهم الأخيرة.
كانت المرة الأولى ويا لها من أولى ويا لها من شاقة، أن تحمل بيديك حقيبة تُصفف فيها ملابس ابنك وحاجياته البسيطة، علبة ماء، بعض المال، هوية شخصية تحمل اسما وصورة، بسكوتة وقطعة شوكولاتة أو حبات تمر، وهكذا ببساطة شديدة التعقيد تدفع أمهات طفلها لحتفه، هيا امضي في طريقك يا ولدي، لترعاك يد الله وإن غفل عنك فالبحر أولى بك.
لم أكن امرأة قوية أبدا، ومن قال بأن الأمهات قويات، أشباحي الكثيرة تحيط بي وجعلتني أكثر هشاشة نحن الأمهات أكثر خلق الله هشاشة.
بكيت كي أذيل الذنب عني، وأنا راضية أسير إلى طريقي، طريقه، طريقنا جميعا، ظننتُ حسنا بالطريق لعله يودي به وبنا إلى الجنة المنشودة، نعم فأي مكان سيكون جنة مقارنة بجهنم سوريا.
التزم ولدي بالصمت على غير عادته وظلَّ يتحرك في المكان كعادته لا يستطيع الجلوس، وأنا أعلم حق المعرفة بأن جهله وصغر سنه لم تكن توافق شجاعته، شجاعته الحمقاء العمياء كانت أقوى مني وأقوى من أي قرار آخر في ذلك التوقيت.
انتظرنا مع الناس الغارقين في الانتظار، هناك كنتُ أجتر خيالاتي المتكررة وأشكل منها سيناريوهات للموت الذي يترصد بنا أينما التفتنا، انتهى الوقوف لساعات طويلة في لحظة عابرة، عدنا إلى أدراجنا خائبين.
انتابني شعور بالسعادة، وأبقيته في سري بلئم متقصد، يا لها من حظوة، سيمكث ابني في البيت يوما آخر، سأراه يتنفس أمام عيني.
عاد متعباً وحزيناً تمدد على سريره وغطَّ في نوم عميق، مضى النهار بليله ثقيلاً، تمددت بحذر إلى جانبه، ملتصقة بجسده النحيل، وضعت أنفي على رأسه أبحث عن رائحته لاستنشاقها كقارورة عطر أوشكت على الانتهاء، أصارع عجزي وأكتمُ بكائي وأغرق في أمومتي.
أعدنا الكّرة في اليوم الثاني، كنا ننتظر موعد الطائرة الغليظة، لا مفر ولا رجعة من قرار السفر، فالبقاء يعني موت آخر بطريقة أخرى، لا حياة هانئة في بيوت هذه المدينة، يهددنا صوت السلاح.
فمشهد حمله بات مغريا للمراهقين من الذكور والإناث، العديد منهم انضموا لوحدات عسكرية، وحدات حماية الشعب الكردية، وحدات حماية المرأة الكردية، التحق آلاف الشباب والشابات الكرد بجبهات القتال.
كانت الأحداث التي شهدتها مناطقنا عنيفة مليئة بالانفجارات، تحولنا أهدافاً أساسية لتنظيم داعش وجماعاته الإرهابية التي ارتكبت فظاعات بحق الإنسانية، وكنا كرداً وهذه تهمة لتصنيفنا كفارا بالنسبة لهم.
مدَّ التنظيم سيطرته على قرى وبلدات كثيرة، وانضم العديد إليهم حتى من سكان المنطقة العرب لصفوف التنظيم، الكثيرين انصاعوا خوفا من بطشهم أو رغبة بالحماية أو طمعاً بالمال، وأملاً بثواب في الحوريات والجنة الموعودة، كانت مفاتيح الجنة معلقة في رقابهم.
المشاركة في القتال أو مواجهة القتل خياران مفروضان ولا ثالث لهما إلا الفرار من المكان الذي تحول إلى ساحة معركة لتصفية حسابات، محدداتها الهويات القومية والدينية والإيديولوجيات.
مرَّ اليوم الثاني ك الأول ثقيلاً وعدنا خائبين إلى منزلنا، لم أتمكن من التفوه بكلمة، وراح ابني يعبر عن اعتراضه على مرافقتي له بالصراخ والعتاب:
” ماما إن هذا كله بسببك لأنك ترافقينني وتبكين، وهذا فأل سيء، أرجوك ماما في المرة القادمة ابقي في البيت، أرجوك”.
تعاطفت مع رغبته والألم يعصر قلبي كليمونة خضراء لا ماء فيها.
لقد كبر أولادنا في الحرب بسرعة، لم يعيشوا طفولتهم كما يجب، لا مدارسهم ولا تعليمهم، ولا حياتهم.
الكهرباء التي انقطعت وحرمتنا وأطفالنا حتى من فرصة مشاهدة برامج الأطفال، الجميع مشغول بتأـمين الماء والخبز وجرار الغاز.
تحول حديث أطفالنا وألعابهم إلى محاكاة لمعارك قتالية متخيلة وهم يحاولون تقليد المعارك القتالية التي تتسرب عبر الهواتف النقالة، تتصدر أنواع الأسلحة وإحصاء أرقام الضحايا بعد كل انفجار أو معركة نشرات الأخبار، والفضائيات ضليعة بنقل الأخبار الكاذبة أكثر من الحقيقية، إنها نوع من الخيانة.
أما الخبز، له حكاياته الخاصة، وإحدى أهم حكاياته كانت مع ابني، قد يبدو الأمر مضحكاً حين أتحدث عنه و بإنه كان سببا من الأسباب التي شجعتني بالموافقة على قراره بالسفر في هذا العمر.
القرار الذي قلب حياتنا رأسا على عقب، ومسني في أمومتي أكثر من أي شيء آخر، ولم أكنّ أملك قلب أسد أبداً كما اتهموني به، لكني فضلت خيار المسافات البعيدة أملاً في الحياة بسلام.
كان قد اعتاد في كل ليلة حين يحين وقت توزيع الخبز من الفرن الآلي الذي يتوسط مدينة القامشلي حيث نسكن بالقرب منه في منطقة السياحي، وتحديداً في “المربع الأمني” وهي التسمية الشائعة لذاك الجزء من مدينة القامشلي المقسمة عسكرياً بشكل معقد بين الفصائل والنظام والإدارة الذاتية للكرد.
على بوابة ملعب 12 آذار صورة للزعيم عبد الله اوجلان مبتسما، وعلى الجهة المقابلة الفرن الآلي وعلى البوابة صورة لبشار الأسد ملوحا ومبتسما، وكأنهما يمارسان نوعا من التفاوض الصامت.
ملعب رياضي ومخبز يصنع قوت الناس، والناس منقسمين حتى في أكل الخبز.
لم يكن ابني يعرف الخوف وتثيره المغامرات الخطرة وخوض تجارب غريبة، لذا كان يصُرّ على الوقوف في طابور طويل ولساعات تدوم خلال الليل بانتظار دوره للحصول على خمسة أكياس من الخبز.
وهي مستحقات كل شخص يقف في الطابور تحت رقابة عناصر أمنية، لم نكن نحن من نطلب ذلك منه، لكنها رغبته في المغامرة وهذه السلوكيات هي ما كانت تجعلني قلقة طوال الوقت بشأنه.
مخاوفي في التحاقه بقوات عسكرية في عمر صغير، أو الانخراط في جماعات لتهريب الأسلحة والمواد المهربة، أو حتى في إدمان السجائر والمخدرات وأشياء كثيرة تفشت في المدارس وفي المدينة.
كانت المخاطر جراء الفوضى تحيط بنا من كل صوب، لا أمان في مدن الحروب الاهلية.
وجاءت المرة الثالثة التي قضيتها في انتظار طائرة الحلم، في مطار الميعاد، مطار القامشلي الدولي، كانت الأخيرة التي أنهكت قلبي وحولته لقلب امرأة عجوز لم يعدّ ينتظم إلا بتناول حبة دواء نصحني بها الطبيب كل صباح ليهدأ النبض في قلبي ويستمر في أوجاعه.
لست من حملت حقيبة طفلها هذه المرة، هو بنفسه وحيداً دوني حين غادر حاملاً حقيبته الصغيرة على ظهره الغض، ظهره الذي أداره لأمه وبيته وحيه وإخوته منطلقاً لمعركته.
في الحقيبة القليل من الملابس تكفيه لحين مغادرته باليخت الذي وعدنا به المهرب حال أن يصلّ إلى مدينة استنبول التركية، وبعض الأوراق الثبوتية وجواز سفره الذي سيغادر به مطار دمشق إلى استنبول.
ومحفظة صغيرة كنت قد اشتريتها له لحفظ النقود التي بحوزته، وبعض النصائح التي رميتها على مسامعه عبثاً، ومنها ألا يسافر إلا بسفينة كبيرة ونظامية.
عانقته حتى كدتُّ ابتلعه، وأنا مدركة بأن الغياب سيطول بيننا، وسيأكلني الفقدان والاشتياق لهذا العناق.
وحاولت أن اتماسك أمامه وتظاهرت بالقوة وكتمت البكاء، كلانا يعلم أي بركان كان يغلي ويتهيأ للانفجار.
تغلبت مجبرة على رغبتي بمرافقته، والتزمت البيت الذي ضاق بي وبأخوته، رافقه والده للمطار.
ركضنا لشرفة المنزل، أنا وأطفالي الثلاثة أخوته نراقب رحيله بصمت ثقيل، نظر عالياً ولوح بيده مودعاً.
لن أحدثكم عما حدث، لكن كم كان الرحيل موجعاً يا إلهي.
الفقد حالة عظيمة، طوبى لقلوب أمهات الشهداء.
وشهدت القامشلي – حي السياحي 12/ 10/ 2015 من شرفة منزلنا في الطابق الرابع مساءً على حدث الافتراق.
الجيران على طول الشارع ينظرون إلى شرفتنا ويراقبون الحدث، جميع نساء الحي تلوحنَّ لابني ويشاركنني البكاء من بعيد.
يرفعون أيديهم بالدعاء لله ولابني بالكردية:
Hafiz xweda Safin
ليحفظك الإله.
وتغرق عيونهن في البكاء.
غرق الحي بأكمله في طقسه الحزين.
اختفى آخر ظل لابني في شارعنا المجاور لملعب البطولات الرياضية والانتفاضات الباسلة، في حينا الشهير.
وفي منزلنا فقدنا شخصاً ما وأصبح مكانه خالياً.
انتظرنا طوال ساعات ونحن نعيش القلق والحزن، عاد والده وحيداً ومكسور القلب، كان رحيله بطائرة عسكرية غير مخصصة للركاب كفيلاً بحلول مرحلة ستكون أكثر ثقلاً من قبلها.
تسللت لغرفته، كان سريره لازال على حاله، مسدت عليه برفق وقذفت بجسدي عليه، تكورت على فراغ لا يشبع لهفتي.
أحتضن ظلال أمومتي الكهلة، عدت بنفسي إلى مشهد البارحة وأول البارحة حين عانقته، وإلى أول يوم تحرك ذلك الكائن في رحمي.
وللحظات عصيبة عشتها حتى أنجبته طفلاً لهذا العالم، وتذكرت كل أشياءه الأولى التي فرحت بها، وبكيت اللحظة الأخيرة التي فقدته بها.
حاولت وحاولت أن أشبع من رائحته الملتصقة بأنفي، أردت زجها في روحي عنوة دون فائدة.
تلتهمني نيران وفي عروقي تجري حسرات لا حد لها، انفجر بركان من النحيب وأنا استعيد كل الذكريات والخسارات واللحظات السعيدة التي مرت.
إلى أن تمزق قلبي بسكاكين صدئة لخيالات أمومة شاقة في زمن الحرب.
هل تعلم الحرب ماذا تفعل بقلوب الأمهات؟
هل يعلم صناع الحروب أي حقد يزرعون؟
وأي أدعية ترفع للسماء بحقهم؟
عشر سنوات مضت على الحكاية، ونحن لا زلنا نسرد حكاياتنا الموجعة.
الآن في شتاء 2026 مطار القامشلي مغلق لأجل غير محدود، والحرب اشتعلت من جديد.
أتذكر هذه الحكاية اليوم وأنا بعيدة عن ذاك المكان، أشاهد الأمهات والآباء والأخوة والأصدقاء لازالوا يبكون أبنائهم وبناتهم ضحايا الهويات وضحايا البحث عن الحرية، نال منهم سلاح الجيران.