في ستينيات القرن الماضي، كان بوسع المرء أن يتلمّس الشرخ العميق الذي يخترق المجتمع الألماني من خلال تتبّع علاقة الألمان بالبلاط الملكي الإيراني. فمن جهة، كانت هناك شريحة واسعة تتابع بشغف أخبار ثريا إسفندياري بختياري عبر مجلات الإثارة والفضائح، تلك الفتاة المولودة لأب إيراني وأم ألمانية، والتي قادتها الأقدار في عام 1951 إلى “عرش الطاووس” في طهران حين تزوّجت الشاه محمد رضا بهلوي في ما بدا حينها قصة من قصص الخيال. غير أن هذه القصة انتهت نهاية مريرة عام 1958، حين طلّقها الشاه بعد أن عجزت عن منحه وريثًا ذكرًا يضمن استمرار السلالة الحاكمة.
في المقابل، كان ثمة ألمان من طينة مختلفة، أولئك الذين خرجوا في الثاني من حزيران/ يونيو 1967 للاحتجاج على زيارة الشاه لبرلين الغربية. بالنسبة إلى هؤلاء، لم يكن بهلوي سوى رمز للاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان. في ذلك اليوم، انقضّت مجموعة من نحو 150 رجلًا من أتباع الشاه على المتظاهرين السلميين بالهراوات الخشبية، فيما وقفت شرطة برلين متفرّجة لا تحرّك ساكنًا.
كان الوجه القبيح لنظام الشاه مكشوفًا لكل من أراد أن يرى. ففي الوقت الذي كان فيه الملك يتنقّل بين دافوس والريفييرا الفرنسية منغمسًا في حياة البذخ والترف، كان جهاز أمنه في الداخل يسحق المعارضين بلا رحمة. لكن هذه الحقيقة ظلّت هامشية في حسابات السياسة الألمانية، إذ كانت إيران شريكًا تجاريًا حيويًا ومورّدًا رئيسيًا للنفط، وبموجب قواعد اللعبة الدبلوماسية السائدة آنذاك، كان نظام الشاه فوق النقد.
أما المتهكّمون من رجال السلك الدبلوماسي، فكان بإمكانهم الإشارة إلى التسامح مع الأقليات الذي عُرفت به الحضارة الأخمينية قبل ألفين وخمسمئة عام، تلك الحضارة التي نشأ في كنفها اللقب الفارسي القديم “خشايارشا” الذي اشتُقّ منه لاحقًا لقب “شاه”. وبفضل حرص بون على النأي بنفسها عن أي صراع يتعلق بإيران، حظيت ألمانيا الغربية بصورة إيجابية لدى طهران، وبدت كما لو كانت شريكًا محايدًا، على حدّ تعبير المؤرخ فرانك بوش. هكذا تحوّلت الدولة القمعية الإيرانية خلال الستينيات إلى سوق رائجة للأسلحة الألمانية الغربية، وهو ما لم تأتِ عليه صحافة الإثارة التي كانت منشغلة بأخبار ثريا بأي ذكر. رسميًا، صار الحديث منذ عام 1974 عن “مساعدات تدريبية” بدلًا من “مساعدات تجهيزية”، في مناورة لغوية لا تخفى على أحد.
والأكثر إثارة للقلق أن أسس البرنامج النووي الإيراني الراهن وُضعت في تلك الحقبة على الأراضي الأوروبية، حين درس عدد كبير من الإيرانيين الفيزياء النووية في جامعات القارة العجوز.
| رضا بهلوي الابن الأكبر للشاه، يراه بعض الإيرانيين أملًا جديدًا؛ فهو يقدّم نفسه ليبراليًا يطالب بانتخابات حرة وحرية صحافة (Getty) |
لمن لم يكن يعبأ كثيرًا بحقوق الإنسان في الغرب، كان بالإمكان النظر إلى دولة بهلوي الاستبدادية باعتبارها نموذجًا للتقدم والحداثة. الشاه نفسه كان يظهر دائمًا في هيئة أنيقة لا تشوبها شائبة، ووصفه أحد الصحافيين حينها بأنه “فاحش الثراء، وسيم، يقظ، فحل”. وقد فرض بهلوي على شعبه نمطًا غربيًا صارمًا؛ ففي كانون الثاني/ يناير 1963، أعلن ما سمّاه “الثورة البيضاء” التي منحت المرأة الإيرانية حق التصويت والترشّح، وكسرت نفوذ رجال الدين التقليديين، وأزاحت التقاليد القضائية الشيعية، وأعادت هيكلة منظومتي التعليم والقضاء وفق مبادئ علمانية غربية.
لم يكتفِ بهلوي بذلك، بل أمر بشطب التأثير الإسلامي من كتب التاريخ المدرسية بالكامل. هذا وحده كان كافيًا لتحويله إلى عدو لدى أتباع الإسلام، لكنه أضاف إلى ذلك ادّعاءه بأنه مبعوث العناية الإلهية، وظلّ يتبختر عبر التاريخ المعاصر بوصفه “ملك الملوك”.
تجلّى هذا الغرور في أبهى صوره عام 1971، حين أقام احتفالًا خرافيًا بمناسبة مرور ألفين وخمسمائة عام على تأسيس الملكية الفارسية. اختار لذلك أطلال برسيبوليس، العاصمة القديمة، حيث أنشأ واحة من الفخامة تضمّ غابات مزروعة حديثًا، وأزهارًا ونوافير، وخمسين ألف طائر مغرّد استُقدمت خصيصًا من أوروبا. ولكي يصل الضيوف من رؤساء الدول والملوك بيسر، أمر ببناء مطار وطريق سريع بطول ثمانين كيلومترًا قرب المدينة الأثرية. كان إسرافًا ماليًا لا يُعقل.
حين تعالت أصوات الانتقاد، ردّ المستبدّ بثقة لا تتزعزع: “أؤمن إيمانًا راسخًا بأنني أحمل رسالة إلهية. أؤمن بالله، ولذلك أقول: إنني أنفّذ أوامره”.
لكن جشع بهلوي للثروة كان دنيويًا بامتياز. فمع ارتفاع أسعار النفط، تزايد سخط الإيرانيين الذين رأوا أن العائدات تذهب حصريًا إلى جيوب الشاه ونخبته الحاكمة، فيما يعاني عامة الشعب من مشكلات لا تختلف كثيرًا عمّا نشهده اليوم، كارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني.
في النصف الثاني من السبعينيات، بدأت المعارضة تتشكّل وتتصاعد ضد الملك المتغطرس، وكان قائد الأوركسترا من منفاه هو آية الله الخميني، الذي رسم خطة لإقامة دولة إسلامية يحكمها رجال الدين بسلطة مطلقة. كان هدفه تطهير جهاز الدولة بالكامل من القوى العلمانية التي ازدهرت في عهد الشاه. وهذا ما حدث فعلًا بعد عودة الخميني من المنفى في شباط/ فبراير 1979، وإعلانه قيام الجمهورية الإسلامية في الأول من نيسان/ أبريل من العام نفسه. أما إعدام من قاوموا حرس الثورة، فقد كان مجرد إنذار بما هو آتٍ.
في صباح السادس عشر من كانون الثاني/ يناير 1979، صعد الشاه المريض بالسرطان مع زوجته الثالثة فرح ديبا إلى مروحية عسكرية في مطار مهرآباد بطهران، بحجة الذهاب في إجازة طويلة. لم يعد قط.
بعد رحلة تيه بين محطات عدة، استقرّ أخيرًا في مصر، وتوفي في السابع والعشرين من تموز/ يوليو 1980 بالقاهرة. زعمت مجلات الإثارة أن الحب بينه وبين ثريا لم ينطفئ يومًا. أما الزوجتان السابقة واللاحقة، فقد استقرّت كلتاهما في باريس، من دون أن تلتقيا أبدًا، لتراقبا من بعيد آمن أهوال الدولة التي أسّسها رجال الدين.
لم تكن الاحتجاجات غريبة على إيران قبل موجة الاضطرابات الأخيرة. ففي عام 2009، خرج الإصلاحيون إلى الشوارع احتجاجًا على ما اعتبروه تزويرًا للانتخابات التي أبقت المتشدد محمود أحمدي نجاد في سدة الرئاسة. وفي عام 2019، انفجر الغضب الشعبي بعد رفع الحكومة التعسفي لأسعار البنزين. ثم بلغت الاحتجاجات ذروة جديدة في عامي 2022 و2023، حين اشتعلت الشرارة بمقتل جينا مهسا أميني في مركز احتجاز الشرطة، بعد أن اعتقلتها شرطة الآداب بسبب حجاب “غير لائق”.
منذ ذلك الحين، بات اسم رضا بهلوي يتردد بكثرة في إيران، وهو الابن الأكبر للشاه الذي يبدو نسخة طبق الأصل عن أبيه. غادر ولي العهد وطنه إلى المنفى في كانون الثاني/ يناير 1979 وهو بالكاد في الثامنة عشرة من عمره. اليوم، يراه بعض الإيرانيين أملًا جديدًا؛ فهو يقدّم نفسه ليبراليًا يطالب بانتخابات حرة وحرية صحافة.
لكن طموحه الأبرز هو إخراج إيران من عزلتها ومصالحتها مع أوروبا. وفي هذه النقطة تحديدًا يبدو صادقًا، فهذا ما أراده أبوه أيضًا.