-
-
..مسلم عبد طالاس.. كاتب. الجمهورية .نت
-
تُعدّ استقلالية المصرف المركزي من أكثر المفاهيم إساءة للفهم في النقاشات العامة، خصوصاً في سياقات الأزمات الممتدة. فهي لا تعني حياداً سياسياً مطلقاً، ولا انفصالاً عن الدولة أو المجتمع، بل هي آليةٌ مؤسسية صُمِّمَت تاريخياً لحماية النقود من الاستخدام السياسي قصير الأجل، ومن إغراءات تمويل العجز أو تهدئة الغضب الاجتماعي عبر أدوات نقدية غير مُستدامة. بهذا المعنى، ليست الاستقلاليةُ قيمةً معياريةً، بل هي شرطٌ وظيفي لاستقرار الاقتصاد الكلي وبناء الثقة بالعملة ومحاربة التضخم.
تقوم استقلالية المصرف المركزي في جوهرها على قدرة هذه المؤسسة على تحديد أهداف السياسة النقدية، وتنفيذها باستخدام أدوات تقنية قابلة للشرح والمُساءَلة، وضمن أفق زمني يتجاوز الدورة السياسية الضيقة. وقد أظهرت الأدبيات الاقتصادية، منذ نقاشات عدم الاتساق الزمني في السبعينيات، أن غياب هذه الاستقلالية غالباً ما يقود إلى تضخم مرتفع، وفقدان الثقة بالعملة، وانهيار القدرة على توجيه التوقعات الاقتصادية. غير أن التركيز على الجوانب القانونية والتنظيمية وحدها يُغفِلُ بعداً لا يقلّ أهمية، وهو استقلالية الخطاب النقدي.
الخطاب الذي يعتمده المصرف المركزي ليس مجرد وسيلة تواصل، بل هو جزء من السياسة النقدية نفسها. فالثقة بالنقود لا تُبنى فقط عبر الأدوات، بل عبر القدرة على شرح هذه الأدوات، وربطها بالتزامات مستقبلية، وتَحمُّل مسؤولية نتائجها. كلما كان خطاب المصرف واضحاً، تقنياً، ومشروطاً، ازدادت قابليته للمحاسبة، وتعزّزت مصداقيته. وكلما انزلقَ الخطاب نحو العمومية أو الرمزية، تآكلت هذه المصداقية، حتى لو بقيت الأدوات قائمة شكلياً.
في هذا السياق، تبرز خطورة مقاربة القضايا النقدية من خلال خطاب ديني، لا من حيث المضمون القيمي للدِّين، بل من حيث الوظيفة المؤسسية للخطاب. الدِّين، بوصفه منظومة أخلاقية ومعيارية، يمتلك مجاله المشروع في تنظيم السلوك الفردي والجماعي، لكنه لا يوفر أدوات تحليل أو تنفيذ للسياسة النقدية. وعندما يُستدعى الخطاب الديني ليؤدي وظيفة طمأنة نقدية، يكون ذلك مُؤشِّراً على فراغ في الخطاب الاقتصادي (النقدي) لا على تكامل بين المجالين.
تُقدِّمُ الحالة السورية مثالاً واضحاً على هذا الخلل، فقد صدر عن مجلس الإفتاء الأعلى بيان فقهي بمناسبة قرب استبدال العملة السورية وحذف صفرين منها، أكد فيه أن الإجراء تنظيميٌ لا يمس الحقوق، وأن الديون والعقود تبقى بالقيمة المكافئة، وحرَّمَ أي استغلال أو إضرار بالناس. من حيث المنطق الفقهي، لا تخرج هذه الفتوى عن إطارها الطبيعي، فهي تتعامل مع الواقعة بوصفها مُعطى تنظيمياً مكتمل الشروط، وتسعى إلى ضبط السلوك الأخلاقي للمعاملات في ظلّ هذا المعطى.
غير أن الفتوى، بحكم طبيعتها، تفترض تَحقُّقَ شروط اقتصادية وتقنية محددة، مثل وضوح آلية التحويل، واستقرار القيمة المكافئة، وقدرة النظام المصرفي على التنفيذ دون تشوهات. هذه افتراضات لا يملك الخطاب الديني أدوات التحقق منها أو مُساءلتها، ولا تقع ضمن مجاله الوظيفي. وعليه، فإن الفتوى تقدم شرعية معيارية مشروطة، لا ضمانة نقدية.
الإشكالية الحقيقية تبدأ مع ردّ فعل المصرف المركزي وخطاب محافظه، الذي لم يكتفِ بالإشارة إلى الفتوى، بل احتفى بها ودمَجَهَا في تفسير القرار النقدي، مُعتبِراً أن القيم الدينية تُشكّل إطاراً ناظماً للمعاملات النقدية وتُعزز الثقة والعدالة والاستقرار. في هذه اللحظة، لم تَعد الفتوى خطاباً موازياً، بل أصبحت جزءاً من خطاب المؤسسة النقدية نفسها.
هذا التداخل ينقل مركز الثقة من المجال النقدي التقني إلى المجال الرمزي القيمي. فبدلاً من أن تُبنى الثقة على أدوات السياسة النقدية، وعلى وضوح الالتزامات وقابلية القرارات للمحاسبة، يُعاد بناؤها على أساس الطمأنة الأخلاقية. هنا لا تتآكل فقط استقلالية المصرف المركزي بمعناها التقليدي، بل تتآكل أهلية هذه المؤسسة لبناء الثقة بالنقود أصلاً.
الفرق الجوهري هنا هو الفرق بين الشرعية والضمانة. الشرعية المعيارية، التي تقدمها الفتوى، تُجيب عن سؤال الجواز، لكنها لا تجيب عن سؤال الكفاءة أو المخاطر. الضمانة النقدية، بالمقابل، لا تَنتُجُ إلا عن قواعد واضحة، وأدوات قابلة للقياس، والتزامات يُمكن اختبارها زمنياً. عندما يُعامِل الخطاب الرسمي الشرعية المعيارية كما لو أنها ضمانة، يتم تعليق السياسة النقدية على سلطة رمزية خارج مجالها، وتضيع حدود المسؤولية المؤسسية.
الأخطر في هذا التحول أن السياسة النقدية لا تعود قابلة للتقييم. فإذا نجح القرار، يصعب تحديد سبب النجاح، وإذا فشل، لا توجد جهة يُمكن مُساءَلتها تقنياً. بهذا المعنى، لا يكون الخطاب الديني مجرد إضافة ثقافية، بل أداة لإزاحة المسؤولية، وتحويل المصرف المركزي من صانع سياسة نقدية إلى وسيط طمأنة اجتماعية.
لا تكمن المشكلة هنا في الدِّين، ولا في صدور الفتوى، بل في استخدامها لسدِّ فراغ لا يجوز أن يُملَأ إلا بلغة الاقتصاد. فالسياسة النقدية التي تحتاج إلى شرعية رمزية لتبرير نفسها هي سياسة فقدت قدرتها على التبرير التقني. واستقلالية المصرف المركزي لا تنهار فقط عندما تُفرَض عليه أوامر مباشرة، بل عندما يفقد لغته، ويعجز عن شرح قراراته بالأدوات التي تُبرِّرُ وجوده.
تنسجم هذه القراءة مع الأدبيات الاقتصادية التي ربطت بين استقلالية البنوك المركزية ومصداقية السياسة النقدية، ومع أعمال حديثة تؤكد أن التواصل الواضح والقابل للتحقُّق هو جزء لا يتجزأ من بنية السياسة نفسها. فاحتكارُ المصرف المركزي للغة النقود ليس مسألة شكلية، بل هو شرطٌ أساسي لعمل السياسة النقدية في الاقتصادات الحديثة.
من هذا المنظور، لا تُمثّل الحالة السورية جدلاً فقهياً، بل مثالاً مكثّفاً على ما يحدث عندما تتآكل استقلالية الخطاب في سياق أزمة ممتدة. وعندما يفقد المصرف المركزي أهليته لبناء الثقة عبر الأدوات، ويلجأ إلى الخطاب الرمزي، تصبح النقود أول ضحية. فالنقود، في النهاية، لا تثق بالنوايا ولا بالقيم، بل بالقدرة المؤسسية على الوضوح، والمحاسبة، وتَحمُّل تبعات الخطأ.
-
