كتابة رنا ممدوح
كعادة الطغاة، أو ما كنا نسمّيهم “حكّام دول العالم الثالث”، ما إن يستقرّ المستبد على مقعد الحكم حتى يخوض معركةً أبديةً للاحتفاظ به مدى الحياة. معركةٌ لا تكتفي بإزاحة الخصوم بل تمهّد لطريق الخلود، ولو على جثث الجميع.
يدهشني دائماً تأثير محيطنا بوصفنا “دول عالم ثالث”، وخلطة حكّامنا السرّية. تلك التي يبدو أن شيطاناً همس بها في أذن الرئيس الأمريكي ليظلّ جاثماً على صدور أمريكا والأمريكيين، بل والعالم كلّه، وكأن العدوى انتقلت بلا تأشيرة.
أتابع محاكاة ترامب مجلسَ الأمن عبر ما أسماه “مجلس السلام”، أو ربما “مركز شباب الخالدين للحكّام المستبدين”. أراقب التحديثات الإخبارية أولاً بأول.
أُسائل من هم سعداء الحظ الذين سيسارعون إلى اقتناص عرض ترامب المغري: مليار دولار للمقعد الدائم. من سيجلس بجوار ترامب حتى بعد مغادرته البيت الأبيض؟ فالخلود لا تنتهي صلاحيته بانتهاء الولاية.
عرباً وشرقَ أوسطيين، نعرف جيداً نوبات جنون العظمة التي تصيب الحكّام، ووهم صناعة المعجزات الذي لا يشيخ. يتردّد السؤال في رأسي: “هو إيه اللي ودّاه هناك؟”.
لم تبتعد مقالات الفراتس هذا الأسبوع عن رصد التناقضات وتبدّل شعارات كثيرٍ من “دول العالم الأول”، وعلى رأسها أمريكا. من القيم والديمقراطية إلى المنفعة والربح، ومن الخطاب الحقوقي إلى رفع شعارات الفرص الاستثمارية.
فعبر رحلةٍ خاضها كتّابنا، بدأت وانتهت في أمريكا، مررنا معهم أيضاً على سهل تهامة المحاذي البحرَ الأحمر في اليمن إلى ليبيا ثم جارتها مصر. رصدت مقالات الفراتس هذا الأسبوع كيف تتحوّل الأنظمة من أطرٍ مؤسسيةٍ إلى أدواتٍ للسيطرة والنفوذ وجني الأرباح وإحكام القبضة الأمنية، ما يؤدي إلى تهميش القانون بل والإنسان نفسه.
****
يخبرنا الصحفي إسماعيل الأغبري في مقالته “سيول اليمن مأساة موسمية” عن معاناة حميدة وأسرتها مع الحرب والطبيعة. وحميدة واحدةٌ من سكّان إقليم تهامة، أكثر مناطق اليمن تضرراً بسبب تضاريسه المنخفضة التي تستقبل السيول من الجبال، ما يجعله عرضةً لفيضاناتٍ مدمرةٍ تتكرر سنوياً.
يضيء الأغبري على معاناة المواطن اليمني. ليس فقط مع السيول والفيضانات في موسم الأمطار كلّ عامٍ، بل مع نقص التمويل وتشتت السلطة بين سلطتين: الحوثيين في الشمال، والحكومة المعترف بها دولياً في الجنوب، ما أدّى إلى غياب رؤيةٍ وطنيةٍ موحدةٍ لمواجهة التغير المناخي.
يوضّح الأغبري بأن السيول في اليمن ليست مجرد ظاهرةٍ طبيعيةٍ، بل اختباراً قاسياً لقدرة دولةٍ أنهكها الصراع السياسي والانقسام والانهيار الاقتصادي على حماية سكّانها وتأمين البنى التحتية اللازمة لهم. ووسط هذه التحديات، تصطدم القدرة على إدارة الكوارث والتكيّف معها في هذا البلد ببنيةٍ مؤسسيةٍ هشةٍ وتمويلٍ شحيحٍ وغياب رؤيةٍ وطنيةٍ، ما يحوّل كلَّ موسمِ أمطارٍ إلى كارثةٍ متكررة. ويزيد الطين بلّةً غيابُ الاستثمار في الوقاية والمعرفة المناخية والتنسيق المؤسسي.
****
ومن اليمن إلى ليبيا، حيث يضعنا الكاتب والباحث محمد تنتوش أمام مشروع قائد الجيش الوطني الليبي خليفة حفتر للانفراد وعائلته بالحكم. يبدأ تنتوش مقالته “هكذا بنى حفتر طريقه إلى السلطة” من ذروة نفوذ آل حفتر ومصادقة مجلس النواب الليبي على تعيين نجلَيه، صدام نائباً للقائد العام للقوات المسلحة الليبية وخالد رئيساً للأركان العامة.
يفكك الباحث الليبي منهجية حفتر في هندسة الولاءات والسلطة واعتماده سياسة “الانقلاب الصغير المتكرر”، واستخدام التحالفات المؤقتة (القبلية والعسكرية والسياسية) أدواتٍ للوصول، ثم التخلّص منها واحداً تلو الآخر لصالح تخصيص الدولة والجيش وتحويلهما مشروعاً عائلياً وراثياً تسيطر عليه دائرةٌ ضيقةٌ من الأبناء.
يعرّج تنتوش على مراحل صعود حفتر عبر تحليل ثلاث سماتٍ لازمت سلوكه. الأولى شرعنة الفعل الانقلابي ضرورةً وطنيةً. والثانية — ويشاركه فيها كثيرٌ من حكام شرقنا الأوسط — تقزيم دور الشركاء وتضخيم الذات. أما السمة الثالثة، فتتمثل في برود حفتر تجاه العلاقات الشخصية والاجتماعية عندما تتعارض مع الهدف السياسي، لا مكان للصداقة أو الاعتبارات الاجتماعية. هذه النظرة النفعية للعلاقات، التي تعلّق الروابط وتستأنفها حسب الحاجة، تحولت قاعدةً في إدارة التحالفات: فالحليف يُقدَّر ما دام يؤدي وظيفته، ثم يُستبعد بلا تردّدٍ عندما تنتهي الحاجة إليه.
ومع صعود نجم حفتر وأبنائه، واكتمال الانتقال من “قيادة ثورية عسكرية” إلى نظامٍ عائليٍّ مُقنَّن، تخبرنا تجارب الأوّلين بأن هذا النجاح الظاهري يحمل في داخله بذور هشاشته. فحين تُستبدل المؤسسة بالعائلة، ويُستبدل العقد السياسي بالولاء الشخصي، يصبح الخطر الأكبر داخلياً لا خارجياً. بعد تحييد الخصوم وتفكيك الحلفاء وإخضاع القبائل، لا يبقى خصمٌ محتملٌ سوى الصراع داخل البيت نفسه. فقد تبدأ مرحلة التنافس على الزعامة والاختلاف على توزيع الملفات، أو تضارب قراءة التوازنات الدولية بعد غياب الأب.
****
في نيويورك، وعبر تقريرها “أمريكا سجن رقمي للمهاجرين”، تصحبنا زميلتنا هبة أنيس في جولةٍ للتعرّف على الدور الجديد لوكالة الهجرة والجمارك الأمريكية المعروفة بِاسم “آيس” في ملاحقة اللاجئين والمهاجرين، وتهديد المعارضين السياسيين بدعوى حماية الأمن القومي.
تخبرنا هبة كيف وُظّفت سلطات الهجرة في أنشطةٍ ذات طابعٍ عسكريٍّ، ضمن منظومةٍ أمنيةٍ موسّعةٍ تجمع بين وكالة الهجرة والجمارك وأجهزة الشرطة المحلية. وكيف لم يعُد استدعاء هذه السلطات مرتبطاً بمتطلبات إنفاذ القانون بقدر ما أصبح وسيلةً لتنفيذ عملياتٍ واسعة النطاق وبدرجةٍ عالية من العنف، من دون الخضوع لقيود الشفافية والرقابة التقليدية.
يبدو هذا المشهد قريباً من “فزاعة حماية الأمن القومي” المألوفة لأمثالي ممن يعيشون في الشرق الأوسط. وهو ما عبّر عنه الكاتب المصري عبد الرحمن الجندي في حديثه لهبة حين روى كيف فرّ من القمع في مصر ليجده في أمريكا ترامب أكثر تطوراً، إلى حدٍّ يدفع الناس إلى “مراقبة أنفسهم بأنفسهم” وتقليص حياتهم لتجنب الاستهداف. وهو ما يعدّه جوهر السلطوية، حين يتحول مجرد الوجود، أو التعبير عن الرأي، خطراً يهدد بالترحيل.
بحسب ما رصدته هبة، لم تعد الملاحقات تقتصر على ذوي السوابق الجنائية، بل امتدت لتشمل الطلاب والنشطاء السياسيين (مثل محمود خليل، الناشط المناصر غزة) وطالبي اللجوء الذين لا يملكون سجلاتٍ إجرامية. وذلك مع إعادة تعريف المعارضة السلمية والاحتجاجات ضمن إطار “الإرهاب المحلي”، مستخدمةً تُهَم دعم “حماس” أو “معاداة السامية” ذريعةً لسحب الإقامات والترحيل.
وصل الأمر إلى ترحيل أطفالٍ يحملون الجنسية الأمريكية مع أمّهاتهم، ومراجعة بطاقات “الغرين كارد” بأثرٍ رجعيٍّ لمواطني دولٍ معينة. ما ضرب مفهومَ الأمان القانوني في الصميم، وجعل الحياة اليومية للمهاجرين تُعاش تحت وطأة ترقّبٍ دائم.
****
ومن قمع المهاجرين في أمريكا إلى قمع السكان المحليين في مصر، يأخذنا الصحفي المتخصص في حماية التراث شهاب طارق في جولةٍ داخل المتحف المصري الكبير، ليروي في مقالته “المتحف المصري الكبير يبتلع آثار الأقاليم” كيف ساهمت متاحف الأقاليم في مجد المتحف الكبير. وذلك عبر نقل أروع وأندر مقتنياتها الأثرية إليه، من دون أن يكون لسكان المحافظات والقرى التي أُفرغت من آلاف القطع أيّ ميزةٍ تضمن لهم الفوز بتذكرة دخولٍ مدفوعةٍ لزيارة المتحف، شأنهم شأن العرب والأجانب، في ظلّ تبرير إدارة المتحف بنفاد التذاكر المخصصة للمصريين.
يوضح شهاب أن ما بدا عراقيل فنيةً أمام أبناء محافظات الصعيد من الحصول، أخفى وراءه أبعاداً أكثر تعقيداً في المشهد الثقافي المصري. فافتتاح المتحف الكبير، بعد عقودٍ من الصعوبات في التمويل والتعقيدات الفنية، سلّط الضوء على الفجوة بين المركز والأطراف في توزيع المتاحف الأثرية. فقد أُفرغت كثيرٌ من متاحف المحافظات، لاسيما في جنوب مصر، وحُرم أبناؤها من حقهم في المعرفة والوصول إلى آثارهم والإحساس بالانتماء، ليصبحوا غرباء عن تراثٍ خرج من أرضهم وربما لن يعود. لنبقى أمام تسليعٍ للتاريخ وإعادة تنظيمه جغرافياً في المركز على حساب الأطراف.
****
ومن تسليع الآثار في مصر إلى تسليع الانتهاكات الحقوقية في واشنطن، تكشف الصحفية رشا جدّة، في تقريرها “موقع الشرق الأوسط في استراتيجية ترامب 2025”، كيف أعادت الولايات المتحدة تعريف مصالحها ودورها العالمي وفق مبدأ “أمريكا أولاً”. ليجد ترامب في المنطقة، وخصوصاً دول الخليج وممالكه، فرصاً استثماريةً غير مستغَلّة.
تُبرز رشا مظاهر تراجع ترامب عن سياسات أسلافه في البيت الأبيض، الذين رأوا في الشرق الأوسط عبئاً أمنياً، معتبراً أن نهج الإدارات السابقة في الضغط على حكومات المنطقة لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان بات من الماضي. وبدلاً من ذلك، تُعاد صياغة العلاقات الإقليمية على أساس المنفعة الاقتصادية، مع تقديم دول الخليج الشريكَ الأول، فيما تُصوَّر إسرائيل حليفاً استراتيجياً تاريخياً، ولكن ضمن علاقةٍ يغلب عليها الطابع العملي أكثر من أيّ وقتٍ مضى.
شرحت رشا مظاهر تبدّل الاستراتيجية الأمريكية تجاه حلفائها التقليديين. فكما ودّعت وثيقة الأمن القومي الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، أنهت أيضاً دعمَ الولايات المتحدة النظامَ العالميَّ برمّته، وانتقدت اتخاذ “الناتو” حلفاً دائمَ التوسع. وأكّدت الوثيقة أن السيطرة المطلقة أفضل من الشراكة المقيّدة، وأن على كل دولةٍ تحمّل مسؤولية إدارة شؤونها بنفسها، معتبرةً أن شبكة الحلفاء والشركاء الأمريكيين تضم عدداً كبيراً من الدول الغنية والمتقدّمة القادرة على تحمّل مسؤوليةً أكبر عن أمنها الإقليمي وتعزيز مساهمتها في ترتيبات الدفاع الجماعي.
****
لا تبدو هذه القصص المتناثرة جغرافياً سوى فصولٍ من حكايةٍ واحدة: عالمٌ يعيد ترتيب أولوياته بحيث تُستبدل القيم بعقودٍ، والحقوق بفرصٍ استثماريةٍ، والمؤسسات بأشخاص. من صنعاء إلى بنغازي، ومن القاهرة إلى نيويورك وواشنطن، تتشابه الأدوات وإن اختلفت اللافتات، ليظلّ الإنسان الحلقة الأضعف في معادلة السلطة والربح. وبينما يتسابق الحكّام على مقاعد الخلود، ويعيد العالم الأول اختراع لغته الأخلاقية وفق ميزان السوق، يبقى السؤال: مَن يحاسِب مَن، ومتى يوقف هذا العرض المفتوح على حساب البشر؟.
المصدر مجلة الفراتس