حين يُهزَم الداخل قبل الجبهات: قراءة نقدية في فشل الإدارة وسياسة الهروب إلى الخارج..
لا يمكن مقاربة فشل «قسد» في الدفاع عن المناطق التي سيطرت عليها من خلال اختزاله في عاملٍ خارجي واحد، أو تحميله لطرفٍ بعينه، كما تفعل اليوم أصواتٌ عربية وكردية على السواء، تُلقي باللائمة كاملة على الإدارة الأميركية، وكأنّ ما جرى كان مفاجأة أو خيانة طارئة. هذا الخطاب، رغم اختلاف دوافعه، لا يخرج عن كونه محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة، وتبرئة الذات من مسؤولية تراكمت على مدى سنوات.
فالولايات المتحدة، مهما كان حجم نفوذها أو التزاماتها، لم تكن يوماً بديلاً عن إدارة رشيدة، ولا ضمانة دائمة للاستقرار. التعويل المطلق عليها، من دون بناء شرعية محلية حقيقية أو منظومة حكم تشاركية، كان خياراً سياسياً خاطئاً تتحمّل «قسد» مسؤوليته قبل غيرها، كما تتحمّل القوى التي صمتت عنه أو برّرته نصيبها من الفشل.
لقد أظهرت التجربة أن الخلل لم يكن عسكرياً بحتاً، بل كان في جوهره سياسياً وإدارياً. فمنذ اللحظة الأولى، اختارت «قسد» إدارة المناطق بعقلية الإقصاء، فهمّشت القوى الكردية الأخرى، وأقصت المكوّن العربي عن مواقع التأثير وصنع القرار، مكتفية بإشراك شكلي لا يعكس شراكة حقيقية. هذا النهج أنتج فجوة عميقة بين السلطة والمجتمع، وكرّس شعوراً واسعاً بالاغتراب واللاانتماء، ما أفقد تلك المناطق أي حاضنة اجتماعية قادرة على الصمود ساعة الاختبار.
وإلى جانب ذلك، فشلت الإدارة في تقديم نموذج مقنع للحكم، سواء على المستوى الاقتصادي أو الخدمي. لم تشهد المناطق الخاضعة لسيطرتها تحسّناً ملموساً في مستوى المعيشة، ولا استثماراً جدياً للموارد المتاحة في مشاريع تنموية تخلق الاستقرار وتربط الناس بأرضهم. وبدلاً من ذلك، جرى توجيه جزء كبير من الإمكانات نحو خيارات عسكرية ضيقة، مثل حفر الأنفاق، من دون رؤية استراتيجية واضحة، ومن دون الاستفادة من دروس تجارب قريبة ومكلفة، كتجربة حزب العمال الكردستاني في تركيا بين عامي 2013 و2015، أو حتى تجارب حركات أخرى كحماس وحزب الله، حيث لا تُختزل الأنفاق في كونها بديلاً عن الشرعية أو عن الحاضنة الشعبية.
إنّ المواقف التي تُحمِّل الخارج كلّ المسؤولية لا تقل خطورة عن السياسات التي قادت إلى الفشل ذاته. فهي تُعيد إنتاج الوهم نفسه، وتؤجّل أي مراجعة جدية، وتمنع الاعتراف بأن ما سقط لم يكن فقط خطوط دفاع، بل نموذج إدارة كامل. أما الأصوات التي تبرّر هذا الأداء أو تصمت عنه، فهي شريكة في النتيجة، لأنها اختارت الاصطفاف الأعمى على حساب النقد والمساءلة.
في المحصّلة، لم يكن ما جرى قدراً محتوماً، ولا مؤامرة صرفة، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من سوء التقدير، وغياب الشراكة، وإدارةٍ لم تفهم أن القوة الحقيقية لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بالعدالة، والتمثيل، وكسب ثقة الناس قبل أي شيء آخر.