تشكّل المناطق ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سورية شريطاً جغرافياً متصلاً على طول الحدود السورية – التركية، يمتد من رأس العين غرباً وصولاً إلى عين ديوار والمالكية (ديريك) شرقاً، وبعمق يتراوح بين 15 و20 كيلومتراً باتجاه الجنوب، وصولاً إلى الطريق الدولي “إم 4″، الذي يربط العراق بسورية مروراً باليعربية وحلب وصولاً إلى دمشق.
وتبرز مدينتا الدرباسية وعامودا، التابعتان لمحافظة الحسكة، نموذجين لمناطق ذات غالبية كردية كبيرة، سواء في مركز المدينتين أو في القرى المحيطة بهما. ورغم ذلك، شهدت هذه المناطق تغييرات ديمغرافية منذ سبعينيات القرن الماضي، حين نقل نظام حافظ الأسد عام 1974، عوائل عربية من محافظة الرقة إلى أجزاء من الشريط الحدودي، بعد غمر أراضيهم بمياه سد الفرات، في إطار ما عُرف آنذاك بسياسات “التعريب”، حيث وُزعت عليهم أراضٍ تعود في الأساس لملّاك أكراد.
في المقابل، تُعد منطقة رأس العين مثالاً لمناطق التداخل السكاني، إذ تضم خليطاً من العرب والكرد، إلى جانب مجموعات شيشانية وشركسية وتركمانية. أما مدينة القامشلي، أكبر مدن المحافظة بعد الحسكة، فتتميّز بتنوّعها السكاني والديني، إذ تضم العرب والكرد والسريان، إلى جانب مختلف الطوائف المسيحية، وهو تنوّع ينسحب أيضاً على القرى المحيطة بها، وإن بنسب متفاوتة.
وبالاتجاه شرقاً نحو الحدود مع إقليم كردستان العراق، يزداد حضور المكون الكردي، سواء في قرى خالصة أو مختلطة مع العرب، وصولاً إلى معبر فيش خابور. ويشير متابعون إلى أن هذا الشريط الحدودي يمثّل مركز الثقل الديمغرافي للمكون الكردي السوري، فيما تقل نسبة الأكراد كلما اتجهنا جنوباً نحو مركز مدينة الحسكة، حيث تزداد القرى المختلطة أو القرى المتجاورة التي تسكنها مكونات مختلفة، عربية وكردية ومسيحية.
وخارج محافظة الحسكة، تبرز مدينة عين العرب (كوباني) في محافظة حلب مدينة ذات غالبية كردية ويقدّر عدد سكانها ما بين 80 و100 ألف نسمة، فيما تقع مدينة عفرين على الضفة الغربية لنهر الفرات، ويقدّر عدد سكانها بأكثر من نصف مليون نسمة، وتُعد أيضاً من المناطق ذات الغالبية الكردية.
وفي ظل تطورات وقف إطلاق النار الأخيرة بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، تتجه الدولة السورية، بحسب مصادر متابعة، لـ”العربي الجديد”، إلى اعتماد مقاربة أمنية تقوم على تجنّب إدخال قوات الجيش بالسلاح الثقيل إلى هذه المناطق، وعدم نشر قوى أمنية من خارجها. وبدلاً من ذلك، يجري الحديث عن استنساخ تجربة صحنايا وجرمانا في محيط دمشق، عبر تنسيب أبناء هذه المناطق إلى قوى الأمن الداخلي، لتولّي مهام حفظ الأمن المحلي.
وتشير المصادر إلى أن هذا التكتيك يهدف إلى الحدّ من الاحتكاك ومنع أي دخول “مستفز” لقوى من مكونات أخرى، في ظل حساسية التركيبة السكانية، وهو نهج سبق أن استُخدم في تجارب إقليمية مشابهة، أبرزها في جنوب شرق تركيا خلال فترات الصراع مع حزب العمال الكردستاني. وبينما تؤكد الجهات الرسمية التزامها بعدم إدخال السلاح الثقيل وعدم انتداب عناصر أمنية من خارج المنطقة، تبقى التحديات الأمنية والسياسية مرتبطة بمدى صمود وقف إطلاق النار، وقدرة هذه الترتيبات المحلية على منع تجدد التوتر في واحدة من أكثر مناطق سورية تعقيداً من حيث الجغرافيا والديمغرافيا.
معبر سيمالكا – فيشخابور بين سورية والعراق
يُعدّ معبر سيمالكا–فيشخابور أحد أبرز المعابر الحدودية غير الرسمية التي لعبت دوراً سياسياً وأمنياً متقدماً في المنطقة منذ تسعينيات القرن الماضي. فُتح المعبر عام 1994، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، وكان في بداياته ممراً صغيراً يُستخدم أساساً لعبور قيادات وأعضاء المعارضة الكردية العراقية خلال الصراع بين الحركة الكردية في إقليم كردستان العراق والنظام في بغداد.
وجاء فتح هذا الممر في سياق إقليمي ودولي خاص، إذ تمّ بتوصية أوروبية وبموافقة من رئيس النظام آنذاك حافظ الأسد، الذي كانت تربطه عداوة سياسية عميقة مع الرئيس العراقي حينها صدام حسين. وقد أتاح المعبر حينها للكرد هامشاً أوسع للتحرك السياسي الخارجي، وفتح قنوات اتصال دبلوماسية مع دول غربية، في وقت كانت الحدود الرسمية مغلقة أو خاضعة لقيود مشددة.
وخلال تلك المرحلة، ظل معبر سيمالكا–فيشخابور مفتوحاً لعبور القيادات السياسية والشخصيات الحزبية، وكان يُدار من الجانب السوري من فرع المخابرات العسكرية، فيما تولّى إدارته من جانب إقليم كردستان العراق شوكت بربهاري، ما منح المعبر طابعاً أمنياً–سياسياً أكثر منه تجارياً أو مدنياً. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخل المعبر مرحلة جديدة، إذ تحوّل تدريجياً إلى معبر شبه رسمي، واتسع دوره بشكل ملحوظ، سواء من حيث حركة العبور أو الأهمية السياسية والاقتصادية والإنسانية، ليصبح لاحقاً أحد أبرز الشرايين الحيوية التي تربط شمال وشرق سورية مع إقليم كردستان العراق.
العربي الجديد