نبيل سليمان.. كاتب سوري
إنه المستشرق/ المستعرب الصيني شوي تشينغ قوه الذي تسمّى بالعربية (بسام). أما الكتاب فيتضمن جملةً من الدراسات والمقالات والحوارات في الحضارة والأدب والسياسة والتاريخ، سوف ترمي القراءة بالدهشة لما بلغه الكاتب خلال ثلاثة عقود ونيّف، منذ حمل الدكتوراه في الأدب العربي عام 1992، بعدما وقع في فتنة (ألف ليلة وليلة)، وسرعان ما حقّ له أن يقول: “اللغة العربية اختارتني ولست الذي اختارها”.
يبدأ بسام كتابه بتلمّس أوجه التشابه بين الحضارتين العربية والصينية، ومن ذلك: العراقة، والثراء الثقافي بوفرة الأقليات والمكوّنات، والانفتاح والتسامح. أما اختلاف الحضارتين فيشخّصه بسام بأن الصينية لا دينية، وزراعية، بينما العربية دينية وبدوية رعوية. ويسجّل الكاتب أن في الصين من يرى الآخر العربي متخلفًا ومتعصبًا، فقيرًا أو فاحش الغنى، بينما في العرب من يرى الآخر الصيني ذلك الذي يأكل أطعمة منكرة، أو مرهونًا للعمل ولا يعرف للمتعة سبيلًا.
وعي الذات الصينية
تحت عنوان “النموذج الصيني يأتي من المستقبل” يكتب شوي تشينغ قوه مشككًا في أن يكون القول بـ(النموذج الصيني) صحيحًا، فالنموذج الصيني قيد التشكّل (يأتي من المستقبل). ويؤثر بديلًا لذلك القول بـ(التجربة الصينية) التي ليست نقيضًا للنموذج الغربي، وفيها مكوّنات مستمدة من الغرب. ويذكّر الكاتب بأن الصين ترسل سنويًا بغرض التدريب كوادر كثيرة إلى الغرب واليابان وسنغافورة. وينفي أن يكون ثمة نموذج مثالي للحكم. وفي الشأن الصيني يقارن بين الثورة الإيرانية والإصلاح الصيني عام 1978، فيذكر بأطروحات قائد الإصلاح دنغ شياو بينغ، ومنها أن الفقر ليس اشتراكية، وأن العلم والتكنولوجيا أهم قوة إنتاجية، والاستقلال لا يعني العزلة، بل الانفتاح على العالم كله. ولعلّ أحدًا لا يزال يذكر الحِكَم الإصلاحية الصينية: لا يهم إن كانت القطة سوداء أم بيضاء، المهم أن تعرف صيد الفئران، وكذلك المثل الصيني القديم: توارَ خلف الأضواء.
بالاقتراب من السياسة، وتحت عنوان (تأملات مثقف صيني حول الديمقراطية) يكتب بسام بلغة الأسئلة التي تنطوي على الأجوبة، فإذا بالديمقراطية في جوهرها قيمٌ ومفاهيم قبل أن تكون انتخابات، ومن تلك القيم: التسامح والعقلانية وتقبّل الآخر، كما أن للديمقراطية أنماطًا، وليست فقط غربية.
ومما يتعنون بوعي الذات يفرد بسام للأولمبياد مقالاتٍ عنونَها بـ(خواطر)، فنتحدث عن (القوة الناعمة الصينية) كما تبدّت في أولمبياد باريس، وأولمبياد بكين، وأولمبياد طوكيو. ويختم مذكّرًا بمقولة نابليون: “الصين أسد نائم، فدعها تنم، لأنها إذا استيقظت فسوف تهز أركان العالم”.
وعي الآخر/ العالم
ابتدأ بسام هنا بإيلون ماسك صاحب شركة تسلا للسيارات الكهربائية، وهي الشركة التي أنتج مصنعها عام 2019 في شانغهاي ما يفوق إنتاجها في مصانعها جميعًا، كما حصل بعد إدخال إنتاج (آيفون) إلى الصين. وقد رأيتُ مذهولًا في بكين وفي شانغهاي وفي تيانجين طوفان السيارات اليابانية والألمانية المنتجة في الصين، وتحمل علامتها الأصلية بجوار علامتها الصينية.
| مصنع سيارات تسلا في مدينة شنغهاي (Getty) |
إنه التنين الصيني الذي يحذّره بسام من التحديات الداخلية التي يولّدها النجاح: الغرور والفساد والترف والتطرف والجمود الفكري وإقصاء الآخر ورفض مراجعة الذات أو التعلّم من الآخر لأنه غربي. فإذا لم تتوقَّ الصين ذلك، فستقع في الحلقة المفرغة التي أشار إليها ابن خلدون في مقدمته، كما يكتب بسام، مضيفًا أن ذلك كله هو ما على أميركا أيضًا أن تتوقّاه، ونقرأ: “الصين ليست عدو أميركا، وأميركا ليست عدو الصين. العدو الحقيقي هو ثالث الاثنين”. ويضيف أن أميركا تورطت بشكل غير مباشر فيما يسميه: الحرب السورية ضد داعش “ذلك الفطر السام الذي نبت على أطلال الربيع العربي”، وساهمت أميركا في تأجيج نيرانه. ولبسام هنا موقف ربما يُغضِب بعضهم، حيث يرد على بيان (اتحاد المثقفين العرب بشأن الموقف الصيني غير الأخلاقي تجاه الشعب السوري). وفي الرد يشرح الموقف الصيني الداعي إلى حل الأزمات سلميًا بالحوار. ويصف هذا الموقف بالحذر والحيرة والقلق والمرونة، فهو ضد الحصار وضد التدخل، وليس ضد الثورة وضد الشعب. وهنا يحضر ما كتبه بسام في (مطوّلته) عن الإرهاب والتطرف الديني، من التشديد على أنه لا يدافع عن الموقف الحكومي الصيني “الشيء الذي يترفّع عنه المثقف الحر عادةً”، لكن الغاية هي إزالة الغموض والعُقد النفسية في الصداقة العربية الصينية.
وعي الذات والعالم
في مدينة تشنغدو انعقدت عام 2017 ندوة حول الحوار بين الحضارتين ومواجهة التطرف. وفي مداخلة شوي تشينغ قوه/ بسام كانت تلك (المطوّلة) التي شدّد فيها على أن الإسلام رمز الإبداع والإشعاع عبر العصور، كما هو منظومة حضارية متكاملة ذات تاريخ باهر وتراث هائل، ويحرص دومًا على تحقيق التوازن بين المادي والروحي.
وقد عاد بسام تحت عنوان (كافح الإرهاب ولو في الصين) إلى ما كان في 1/3/2014 في محطة القطارات في مدينة كونمينغ عاصمة مقاطعة يونان، حيث قتل ستة رجال وامرأتان بالسيوف والسكاكين تسعة وعشرين قتيلًا وأصابوا مائة وثلاثة وأربعين جريحًا. ويذكر بسام ما كان في ميدان تيان آن مين في بكين عام 2013، وخلّف خمسة قتلى.
من الإسلاموفوبيا والعربفوبيا عند بعض الفئات الصينية في العقدين الماضيين، في إقليم شينجيانغ، يعدّد بسام إجبار النساء على ارتداء النقاب، وهستيريا التحريم: فرشاة الأسنان والإذاعات وأوراق الكتابة والبكاء في المأتم والرقص في الزفاف وما توزّع الحكومة من الأدوات الكهربائية… ومن ذلك تدمير محالّ بيع السجائر والنبيذ، وإجبار الصبايا على ترك العمل خارج المنزل، وتحريم المأكولات القادمة من مقاطعات أخرى، والمباني التي أمّنتها الحكومة بعد الزلزال، وتكفير من يعارض هذا الطوفان من التحريم. وقد بلغ الأمر أن اغتيل إمام من الويغور في منطقة طلوقان لانتقاده هذا التشدد، كما عُلّقت في البيوت صور أسامة بن لادن ومجاهدين أفغان. ويذكر بسام أن شابًا قال له عندما رآه يتحدث العربية: بلاد العرب جنة، وتركيا جنة الجنة.
يعود بسام إلى الأحداث التي وقعت في 5/7/2009 في مدينة أورومتشي عاصمة إقليم شينجيانغ المعروف بحب أفانين الحياة كالأزياء الزاهية والموسيقى… وقد كتب بسام عام 2017 تحت عنوان (التديّن أم التطرف؟ تلك هي المشكلة) معقّبًا على ما كتب فهمي هويدي تعقيبًا على أحداث شينجيانغ، معتمدًا على ترجمة جعلت – مثلًا – منع الدعوة إلى الفكر المتطرف: منع الدعوة إلى الأنشطة الدينية. وبقدر أكبر من الموضوعية والنزاهة يتحدث الكاتب عن مقاطعة يونان الشهيرة في الأدبيات الصينية بأرض الألوان السبعة، والتي تعيش فيها ثلاثون قومية من القوميات الصينية الستّ والخمسين. أما مقاطعة يونان ففيها من الويغور خمسة آلاف ومن المسلمين مليون، ومن المساجد 820، منها المسجد الكبير الذي جرى تدشينه عام 2010 في مدينة شاديان، ويتسع لعشرة آلاف مصلٍّ. ويأخذ بسام على قومية (الهان) التي ينتمي إليها أغلب الصينيين، الجهل بالويغور والإسلام، مع أن للأقليات جميعًا في الصين امتياز الإنجاب ولدين أو ثلاثة للأسرة مقابل واحد لقومية الهان، وكذلك الدرجات المطلوبة للانتساب إلى الجامعة: ما لقومية الهان أعلى من البقية. ويضيف بسام في بيانه للقصور الرسمي: إهمال البُعد الثقافي في برنامج التنمية، والقصور في تعليم الويغور وفي توظيفهم، وقصور المعالجة القضائية لأحداث شينجيانغ سواء في الشفافية أم السرعة.
فلسطين
يسوط بسام بالسخرية الكاوية ما نحن عليه من هوان. ومن بديع هذه السخرية ما خصّ به (الانتصارات العربية) من العراق (أم المعارك) وسحق (العلوج) الأميركيين، إلى ليبيا (زنقة زنقة) إلى سورية (أبطال بواسل الجيش العربي السوري المنافح عن شرف الأمة وكبريائها في وجه كل عدو حاقد) كما كان النظام الساقط يهدد و(انتصار الثورة السورية المجاهدة على قوات النظام النصيري وشبيحته)… وبينما يحذّر بسام في عام 2014 مما يراه يلوح في الأفق من خطر تقسيم دول عربية في مستقبل غير بعيد، نراه يتساءل عما إذا كان أصدقاؤه العرب سيغضبون إذا ما قال إن عليهم أن يتعلموا من اليهود الاهتمام بالتشجير والتخضير والزراعة؟
في كتاب “الصين والعرب من منظار باحث صيني” كثيرٌ موجع وعميق وهامّ مما يتصل بوعي الآخر الفلسطيني. ومن ذلك ما كتب عام 2014 تحت عنوان (خواطر عن غزة… وأبعد)، حيث يتحدث عن زيارته لإسرائيل في تموز/ يوليو 2014 لحضور ورشة عمل حول (إسرائيل والشرق الأوسط) في جامعة تل أبيب بمشاركة ثمانية عشر أكاديميًا.
| محطة قطارات كونمينغ (Kunming Railway Station)/ موقع هجوم 2014 (Getty) |
بعد زيارة متحف المحرقة، يكتب بسام: “لا شك في أن معاناة الشعب اليهودي جديرة بالتعاطف، ولكن ماذا عن معاناة الشعب الفلسطيني في غزة المحاصرة التي صارت أكبر غيتو في عالمنا المعاصر، بل أكبر معتقل فيه”. ويتابع أن حرب غزة (عام 2014) كشفت متناقضات وتوترات المجتمع الإسرائيلي، حيث الحيرة من مستقبل مجهول، وقلة ثقة الذات بالشرعية الأخلاقية للسياسة الإسرائيلية… ويستعيد الكاتب من محمود درويش: غزة كابوس العدو، لأنها: “برتقال ملغّم، وأطفال بلا طفولة، وشيوخ بلا شيخوخة، ونساء بلا رغبات”. ويختم الكاتب بأن (الورشة/ المؤتمر) رأت في الربيع العربي ارتداده إلى شتاء عربي، فصارت كل الأبواب مفتوحة أمام إسرائيل، على حد قول خبير إسرائيلي.
في عام 2019 كتب بسام تحت عنوان (صورة فلسطين في مرآة الثقافة الصينية المعاصرة)، ابتداءً بالعلاقة الوثيقة التي كانت بين ماو تسي تونغ وياسر عرفات، واعتراف الصين عام 1988 بدولة فلسطين. ويلاحظ بسام ما يسميه (تقلّب صورة فلسطين في الرأي العام الصيني). ففي وسائل التواصل الاجتماعي بدا الانقسام بين موالٍ لإسرائيل وموالٍ لفلسطين، ويضرب مثلًا بمقالة سوي جون يي الصحافي الشهير (لماذا أعارض إنشاء دولة فلسطين؟). ويعلّل هذا التغيير السلبي في الموقف الصيني بأحداث شينجيانغ، وربط الإسلام بالإرهاب، ومن قبلُ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وما يسميه بالحروب الأهلية في العراق وسورية وليبيا واليمن.
أدبيًا يذكر بسام أن في المكتبة الصينية عشرة كتب عن ياسر عرفات وأربعين كتابًا عن فلسطين، نصفها للصينيين. وعلى الرغم من وفرة الترجمة، ظل الاهتمام الصيني محدودًا بالأدب الفلسطيني، ما عدا شعر محمود درويش ولا ننسَ ترجمة أحد عشر كتابًا لإدوارد سعيد إلى الصينية.
بالإضافة إلى كل ما تقدم، لا يزال في كتاب “الصين والعرب من منظار باحث صيني” الكثير والهامّ مما يتصل بالفكر الصيني في اللغة العربية، قديمه وحديثه، ومحاورات مع بسام، وحوار هامّ أجراه هو مع أدونيس، وللحديث عن كل ذلك مقام آخر.