
عثرتُ بالصدفة عبر “يوتيوب” على فيلم أميركي وثائقي عن لبنان عام 1958. ويبدو أنه موجّه للرأي العام الأميركي، تعريفاً بالبلد الصغير والبعيد الذي نزلت فيه القوات الأميركية، بعد أحداث ذاك العام التي كادت تتحول حرباً أهلية كاملة الأوصاف.
“أنقذت” أميركا حينها لبنان من الالتحاق بـ”الجمهورية العربية المتحدة” (الوحدة المصرية-السورية)، التي لم تعمر طويلاً وكانت وبالاً على سوريا ومصر. كما جنّبته الالتحاق بالمعسكر الشرقي السوفياتي. وفي الوقت نفسه، ظل لبنان خارج “حلف بغداد” المعادي للناصرية بقدر عدائه للشيوعية. والأهم، هو بقاء النظام الديموقراطي، المنحاز ثقافياً واقتصادياً للغرب، بعيداً عن مسار الانقلابات العسكرية والأنظمة الاستبدادية والتجارب “الاشتراكية” التي عصفت بالعالم العربي.
البعد السياسي- الدعائي للفيلم، هو تبرير التدخل العسكري أمام الرأي العام الأميركي: حماية بلد حديث الاستقلال، مهدد بالابتلاع من دول الجوار، أو بتغيير نظامه الديموقراطي عبر ثورة مسلحة، والأفدح وقوعه بحرب أهلية طائفية.
آنذاك، وكما هو معروف، حفظت التسوية بين جمال عبد الناصر وأيزنهاور الجمهورية اللبنانية: تكونت قناعة لدى الرئيس المصري ببقاء لبنان المستقل “نافذة العالم العربي على الغرب”، وقناعة أميركية بتحييد لبنان عن سياسة المحاور في الحرب الباردة. أما المكسب الأكبر، عدا صون النظام الجمهوري، فهو نجاة لبنان من حربي 1967 و1973.
ما يلفت في هذا الوثائقي، ليس المضمون السياسي أو التعريف التاريخي والأركيولوجي بهذا البلد، بل صورته في لحظة 1958 والوجهة التي كان يسلكها: شق الأوتوسترادات وبناء الجسور، نهضة عمرانية شديدة الحداثة في اقتراحاتها الهندسية، التنمية الريفية والزراعية، مطار حديث (من الأكثر ازدحاماً في العالم، وفق الفيلم)، عاصمة كوزموبوليتية تشكل محطة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا (أيضاً حسب الفيلم)، معامل إنتاج الطاقة، مشاريع ريّ وسدود (مدهش كم كانت الأنهار نظيفة)، مؤسسات صحافية مستقلة وإذاعات، جامعات أميركية وفرنسية ونظام تعليمي متطور: يصور الفيلم مدارس المقاصد التي تبدو وكأنها تنافس أرقى المدارس الأميركية. ويركّز الفيلم على التعليم الجامعي للبنات، وحضور النساء في الفضاء العام وأناقتهن. مناطق سياحية لا تعد من بيروت إلى صيدا وبعلبك وجبيل… شركات النفط وخطوط نقله من السعودية والعراق إلى سواحل لبنان. المصانع الجديدة التي تبدو تحفة هندسية. شبكة المواصلات والأسواق وصالونات السيدات ودور الأزياء.. إلخ. والمُشاهِد سيلحظ مثلاً كيف أن المصلين في أحد مساجد وسط بيروت، جميعهم بثياب رسمية (قمصان بيض وربطات عنق) ما يدل على هيمنة معايير الأناقة البيروقراطية.
وهذا كله، في حين كانت دول مثل اليونان وتركيا أو قبرص أو الجنوب الإيطالي وحتى إسبانيا تتخبط بالفقر أو بأعباء إعادة البناء بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت كوريا الجنوبية تفتقر حتى إلى نظام صرف صحي ويعيش معظم سكانها في أكواخ بائسة، كذلك كان حال سنغافورة. وكانت دول عربية كثيرة، إما لم تستقل بعد أو بالكاد تعرف الكهرباء خارج العاصمة وبعض المدن الرئيسية، وتفتقر إلى نظام تعليمي وطبي أو شبكة طرقات معبدة، ناهيكم عن وجود صحافة أو برلمان.
على نحو ما، سننتبه بحسرة كيف أن حقبة قصيرة جداً لا تتعدى العقدين (من منتصف الخمسينات إلى منتصف السبعينات)، تجنب فيها لبنان حروب إسرائيل، وصراعات المحاور والتمردات المسلحة والانقلابات العسكرية، كانت كافية لنهضة ما زلنا بعد انطفائها واضمحلالها نعيش على بقاياها، ونستلهم منها المثال المفقود.
في الفيلم، سنرى كمال جنبلاط محاطاً في قصر المختارة بمئات من الرجال المسلحين، وصائب سلام محاطاً بأزلامه في صالون بيروتي، وبيار الجميل محاطاً بمحازبيه. ثلاثة مشاهد نعرف الآن أنها حملت نذير المستقبل القاتم، فيما جلسة الحكومة التي ضمت الرئيسين فؤاد شهاب ورشيد كرامي توحي لنا كم بتنا بعيدين وغرباء عن ذاك البلد الساحر ولحظته الثمينة الضائعة.
المدن