
تغيُّرٌ ملحوظ، ولو أنه طفيف، حدث في الأيام الأخيرة ضمن معسكر موالي السلطة. ثمة نبرة نقدية لم تكن حاضرة من قبل لدى البعض، وثمة احتجاج وتذمُّر مستجدّين لدى البعض الآخر. هذا “الانقلاب” استدعى مسؤولاً كبيراً في السلطة ليقلل من شأن أصحابه، من خلال احتساب الأمر كظاهرة افتراضية على وسائل التواصل، أي لا قيمة فعلية لها. بينما ظهر على “تلفزيون سوريا” مسؤول آخر، بصراحة وشجاعة يُحمَد عليهما، ليقول إن الديموقراطية لم تنجح في أي بلد عربي، مستشهداً بالملكية في العديد من البلدان، من أجل الإشادة بحكم العائلة وتبرير تغلغل عائلات بعينها في السلطة السورية، في مواجهة المنتقدين لهذه الظاهرة بدءاً من رأس هرمها المتمثّل بتعيين أشقاء الشرع في مناصب عليا.
للمفارقة، الشخص الذي تكلم عن عدم صلاحية الديموقراطية في بلدان المنطقة شغل عضوية اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري، بحيثياته المعروفة لجهة انعقاده وانفضاضه على عجل شديد، بما لا يليق بالفكرة وبحاجة سوريا إلى حوار وطني حقيقي. ويشغل أيضاً عضوية “اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب السوري”، وأيضاً كلمة انتخابات مضلّلة إذا فُهمت كالمعتاد بوصفها انتخابات شعبية، لأن الانتخاب اقتصر على أشخاص تختارهم اللجنة كهيئة ناخبة، ومع ذلك لم يلتئم المجلس العتيد وينعقد حتى الآن.
منطقياً، لا جديد يدفع الموالين إلى الاحتجاج والتذمّر، فتعيين أشقاء الشرع في مناصب عليا ليس جديداً. وكذلك هو حال عائلات أخرى، يتوزع فيها أشقاء أو آباء وأبناء على العديد من المناصب العليا، بصرف النظر كلياً عن معايير التأهيل العلمي والكفاءة والخبرة. الانتقادات التي صدرت في حينها من خارج الموالاة واجهها أنصار السلطة بالقول: مَنْ يحرر يقرر. وعليه برروا كافة تعيينات الأقارب بأنها ضرورية، لأن القيادة الجديدة لا تستطيع الوثوق بغير المقرَّبين منها.
في الوضع المعيشي لا جديد أيضاً، إذ سبق للذين يرون الأمور بواقعية الإشارة إلى أن مذكّرات التفاهم الاستثمارية، بأرقامها الضخمة من مليارات الدولارات، هي مجرد إعلانات نوايا، وكذلك حال مهرجانات التبرع للمدن السورية، حيث حصدت ما يُقارب مليار دولار من النوايا الطيبة، في حين لم يصل منها فعلياً سوى الفتات. لعل المؤشر الجديد الصادم كان ارتفاع أسعار الكهرباء، لكنه لن يكون صادماً إذا أُخِذ ضمن السياق الواقعي لاقتصاد منهار لا تُتخذ خطوات جادة وشفافة لمعالجته، ولا تشفع العلاقات الطيبة مع الخارج لاستجلاب مساعدات استثمارية ذات وزن وتأثير ملموسين.
أسباب أخرى للتذمر المستجد غير معلنة لحساسيتها، منها حديث ترامب قبل أيام عن الشرع، بما يطعن في سردية “التحرير”. وآخرها حتى الآن مبادلة الأسرى والرهائن بين السلطة وقوات “الحرس الوطني” في السويداء، بما يطعن في فكرة الدولة، لأن القائمين عليها يتعاطون على قدم المساواة مع من واظبوا على القول إنها ميليشيات خارجة عن القانون. حتى تكرار الإشارة إلى الأخيرة على هذا النحو، لمناسبة تبادل الأسرى، يزيد في عوامل الاستياء، فلا يؤدي غرض التأكيد على اختلاف موقع الطرفين.
ثم إن الأخبار الرائجة فيما يخص السويداء تنص على إمكانية التوصل إلى حل على غرار الحل بين دمشق وقسد، وهو بطبيعة الحال مختلف عن إخضاع السويداء كما كانت النية منعقدة لدى مهاجميها في شهر تموز الماضي، ولدى أنصار المهاجمين الذين كانوا يريدون إخضاعها بلا قيد أو شرط. إذا صحّت التسريبات فستنتهي فكرة العدو الذي في تلك الجهة، مثلما ستنتهي فكرة العدو الانفصالي الكردي، إذا صحّت نوايا تطبيق الاتفاق بين المركز وقسد، ومن نافل القول إن فقاعة الفلول قد فُقئت، ولن يفيد النفخ فيها إذا بقيت بمفردها.
إذاً، حسب المعطيات الأخيرة، لن يكون هناك عدو يشدّ عصب الموالاة، وهذه قد تكون ورطة حقيقية. وإذا عدنا إلى الأيام الأخيرة، التي شهدت تذمّراً غير مسبوق لدى الموالين، فأهم ما فيها هو استتباب الهدوء بعد الاتفاق مع قسد، وعدم وجود أفق للهجوم على السويداء، وانتهاء فقاعة الفلول، رغم الأخبار المتفرقة عن الاشتباك مع جماعة هنا أو هناك. وإذا عدنا إلى مجريات سنة مضت، فأهم ما ميّزها منذ آذار الماضي هو وجود “العدو” الذي يشدّ عصب الموالين، لا فرق إن كان تحت دخان العدو نارٌ ضخمة أم لا، فالأهم هي صورته الرائجة.
للتذكير، بدأ الأمر مع التهويل من خطر الفلول في الساحل، بما لا يتناسب مع النفير العام الذي أُعلن آنذاك. وقد نجح الأمر لجهة شدّ العصب الموالي، بل لجهة اكتساب موالين جدد، رغم المجازر التي اعترفت السلطة بحدوثها. مع نهاية أحداث الساحل بدا أن الكراهية متجهة إلى قسد وما تمثّل، لولا اتفاق آذار آنذاك الذي بموجبه، وخلال دقائق، انقلبت قسد من عدو إلى صديق. إلا أن الهدوء لم يستغرق سوى أيام قليلة كافية لتبدأ حملة كراهية واسعة ضد الدروز، بذريعة تسجيل مفبرك تبين أن لأحد الموالين، لتسفر الحملة الجديدة عن أول استهداف للدروز في نيسان الماضي، تلاه الهجوم على السويداء الذي تميّز بمشاركة الفزعات العشائرية في دلالة على التحشيد الشعبي. ثم، لم تهدأ حملات الكراهية إلا ببدء تنفيذ الاتفاق الأخير مع قسد، واليأس من تكرار هجوم جديد لإخضاع السويداء.
ما حدث خلال سنة يذكّر إلى حد مهول بجلسات الكراهية كما عبّر عنها جورج أورويل في روايته “1984”، إذا نزعنا عنها القليل جداً مما كان يُعدّ مبالغة أدبية. ففي رواية أورويل هناك دقيقتا كراهية يومياً، وهي بمثابة طقس كراهية موجَّه إلى أعداء الداخل. أما أعداء الخارج فلهم مهرجانات أضخم، ينخرط فيها فنانون وأدباء ومؤرّخون يعيدون كتابة التاريخ بما يتناسب مع العدو الراهن، بحيث يصبح شريراً وعدواً منذ الأزل. وقد حدث في أحد أسابيع الكراهية أن عُقد صلح مع العدو الذي كانت التظاهرة ضده، فتحوّلت فوراً إلى عدو آخر، اختُلق بدل العدو السابق، وراحت الماكينة ذاتها تصوّر العدو المستجد على أنه عدو منذ الأزل، تماماً على شاكلة سابقه الذي أصبح صديقاً.
لقد كانت آلة الدعاية أيام أورويل قليلة الإمكانيات والحيَل بالمقارنة مع عصر السوشيال ميديا، ففي الأخير صارت جلسات أو أيام الكراهية ممكنة بيسر شديد. الجزء الظاهر من السهولة يبرز من خلال استقطاب “مؤثّرين” يروّجون الكراهية بأدوات بسيطة شديدة الشعبوية، والجزء غير الصريح هو باختلاق هؤلاء المؤثّرين، واختلاق جزء من جمهورهم الافتراضي للتأثير على الجمهور الواقعي، إما بدفعه للالتحاق بنظيره الافتراضي، أو بدفعه للصمت وإخلاء الساحة للكارهين.
أسباب الكراهية المقصودة غير مهمة على الإطلاق، وإلا لما اختُلقت بسهولة وانتهت بسهولة، فالعبرة أصلاً في وجود العدو، وفي توجيه الأنظار إليه، بهدف حَرْفها عن وجهتها المنطقية. وما لم يتغير منذ أورويل حتى الآن هي ضرورة اختراع العدو، الضرورة التي تظهر بوضوح ما أن تقف بمفردها سلطة ما، لتُحاسَب على إنجازاتها، وليدرك أهلها صعوبة الحكم بلا عدو تُرمى عليه كافة الشرور.
المدن