برهنت الحرب في أوكرانيا للولايات المتحدة أن عليها تطوير مقاربة جديدة لمفهوم الانتصار في النزاعات مع القوى العظمى المعادية (تارا أناند/ فورين أفيرز)
ملخص
تكشف حرب أوكرانيا حدود الردع النووي وتؤكد أن حروب القوى العظمى قد تطول من دون أن تتحول إلى نووية، فلم تمنح الترسانة الروسية موسكو نصراً حاسماً بل فرضت حرب استنزاف طويلة واختباراً دائماً لعتبات التصعيد، والدرس لواشنطن واضح: الاستعداد لصراعات محدودة مع قوى نووية، وإدارة التصعيد بمرونة، وتعزيز التنسيق مع الحلفاء لضمان ردع أكثر صدقية في عالم يزداد خطورة.
على مدى ما يقارب أربعة أعوام مرت منذ غزو روسيا غير المبرر لأوكرانيا، كسرت الحرب التوقعات المرة تلو الأخرى، فقد ثبت أن الصراع الذي توقعه كثير من المحللين وجيزاً ومدمراً لكييف قد طال أمده وكبد الطرفين خسائر فادحة، وقد تخطت قدرة أوكرانيا على الدفاع عن أراضيها والابتكار في المجال العسكري وحشد الدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية وغيرها لقضيتها معظم التوقعات، أما روسيا فلم ترق إلى مستوى التوقعات العسكرية، لكنها أعادت بناء قواتها وحسّنت أساليبها التكتيكية مع مرور الوقت، وحافظت على اقتصادها عند مستويات فاجأت حتى أكثر المراقبين فطنة، وفي ظل تواصل أكبر حرب برية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، فيما لا يزال الشكل الذي سيتخذه أي سلام مستقبلي أو حتى وقف لإطلاق النار مجهولاً، فلا شك في أن مزيداً من المفاجآت تنتظرنا.
تراقب جيوش العالم بالفعل ساحات القتال في أوكرانيا وتستخلص من التكنولوجيا والتكتيكات المتطورة دروساً جديدة لمستقبل الحروب، لكن في المقابل لا تحظى الدروس الإستراتيجية التي يمكن استخلاصها من هذه الحرب باهتمام كبير، وهي الحرب الأولى منذ سقوط الاتحاد السوفياتي التي تجد فيها قوتان نوويتان عظميان نفسيهما على طرفي نزاع خطر، وإن بصورة غير مباشرة، ومع أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في القتال فإن واشنطن وموسكو داخلتان بعمق في تشكيل مسار هذا الصراع، وبالتالي في التطور المستمر لطبيعة التصعيد والردع وخوض الحروب في القرن الـ 21.
على واشنطن ألا تنتظر انتهاء الحرب قبل إجراء تقييم شامل لها، فهي تستطيع بالفعل استخلاص أربعة دروس مهمة: أولها أن خطر استخدام الخصم للأسلحة النووية حقيقي ولا يمكن التقليل من شأنه، وثانيها أنه حتى في ظل الردع النووي تظل الحرب التقليدية طويلة الأمد وشديدة التدمير ممكنة، وثالثها أن عتبات التصعيد ليست محددة مسبقاً بل تتكشف من خلال الصراع المستمر والمساومات الضمنية أثناء الحرب، وأخيراً أنه لا مفر من نشوب خلافات مع الحلفاء والشركاء، ولا سيما في شأن مسائل تحمل الأخطار وإدارة التصعيد، وتشير هذه الدروس إلى ضرورة أن تخطط الولايات المتحدة وتكثف استعداداتها لسيناريو الحرب المحدودة مع عدو يملك سلاحاً نووياً.
وفي سبيل تطبيق هذه الدروس عملياً يتعين على واشنطن أن تحدث سياساتها وخططها الدفاعية الخاصة بالصراعات المحدودة حتى تضمن امتلاكها المرونة اللازمة لخوض الحروب في القرن الـ 21 وتحقيق النصر فيها، ولكنها لا تستطيع القيام بذلك بمفردها، فهي بحاجة إلى التنسيق بصورة وثيقة مع شركاء التحالف المحتملين قبل اندلاع الصراع التالي، حتى وإن كانت تدرك استحالة التوافق التام، وسيؤدي ذلك إلى زيادة صدقية الضمانات الأمنية الأميركية، ويجعل إدارة التصعيد أكثر فعالية في حال تعثر الردع، ولكن إن لم تتعلم واشنطن من تجربتها في أوكرانيا فستجد نفسها عاجزة إلى حد خطر عن خوض حرب قوى عظمى، في وقت تتزايد فيه احتمالات نشوب مثل هذا الصراع.
تهديدات فعلية
على مدى عقود تلت الحرب الباردة تعامل كثير من صانعي السياسات والمخططين العسكريين في الولايات المتحدة مع الأسلحة النووية كعامل غير ذي صلة تقريباً بالحروب التقليدية الكبرى، وقد عززت ديمومة مبدأ عدم استخدام الأسلحة النووية بعد عام 1945 الاعتقاد بأن استخدامها أصبح أمراً غير وارد سياسياً وأخلاقياً، حتى بالنسبة إلى القادة الاستبداديين الذين يواجهون هزيمة عسكرية، وتُذكرنا الحرب في أوكرانيا على نحو صارخ بأن هذا الاعتقاد كان مبالغاً في تفاؤله، فمنذ بدء غزوها الشامل في فبراير (شباط) 2022 ما انفكت روسيا تهدد باللجوء إلى السلاح النووي بهدف ترويع أوكرانيا وإضعاف معنوياتها القتالية والحد من الدعم الغربي لها، ومعظم تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العدوانية مجرد تهديدات جوفاء، لكن في خريف عام 2022 دفعت التلميحات العلنية لبوتين وتقييمات الاستخبارات الأميركية بواشنطن إلى التفكير في أن استخدام روسيا للسلاح النووي احتمال وارد، فخلال ذلك الصيف أحرز الهجوم المضاد الأوكراني تقدماً كبيراً في خاركيف وضغط على مواقع الروس في خيرسون مما فاجأ القوات الروسية على ما يبدو، وفجأة بدا الانهيار الكارثي للخطوط الروسية أمراً محتملاً مما قد يفتح الطريق أمام أوكرانيا للتقدم نحو شبه جزيرة القرم، ويسفر عن انهيارات متتالية للجيش الروسي قد تهدد نظام بوتين.
وفي ذلك السياق وجه بوتين تهديده النووي الأشد صراحة، ففي سبتمبر (أيلول) 2022 أعلن أن روسيا “ستستخدم بالتأكيد جميع أنظمة الأسلحة المتاحة لها” دفاعاً عن سلامة أراضيها، مضيفاً أن هذا التصريح “ليس خدعة”، وأكدت أجهزة الاستخبارات الأميركية جدية التحذير الروسي، وفي وقت لاحق من عام 2024 أكد مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية ويليام بيرنز علناً أن أجهزة الاستخبارات الأميركية رأت “خطراً حقيقياً” باستخدام الأسلحة النووية في حال انهيار جبهات الجيش الروسي، وبعد ذلك وصف مستشار الأمن القومي جيك سوليفان احتمال استخدام روسيا للأسلحة النووية بأنه أمر محتمل، وفي ذلك الوقت أصدرت الولايات المتحدة تحذيرات علنية وسرّية لروسيا بأن استخدام الأسلحة النووية سيؤدي إلى عواقب وخيمة، فيما حثت إدارة بايدن الصين والهند على نصح موسكو بعدم القيام بذلك.
في نهاية المطاف صمدت الخطوط الروسية ولم يُمتحن أبداً استعداد بوتين لاستخدام الأسلحة النووية، لكن استعداد موسكو للنظر في استخدامها ضد دولة غير نووية يحمل دلالة مقلقة وهي أن مبدأ عدم استخدام الأسلحة النووية مبدأ هش، وإمكان استخدام الأسلحة النووية ليس مستحيلاً، وفي حال اندلاع حرب مباشرة بين الـ “ناتو” وروسيا فسيكون الخطر النووي أعلى ويمكن أن يشمل أسلحة نووية غير إستراتيجية وإستراتيجية على السواء، وكذلك فإن روسيا ليست مصدر القلق الوحيد، إذ تعكف كوريا الشمالية على بناء ترسانة متنوعة تتضمن أسلحة مصممة للاستخدام التكتيكي بصورة خاصة، وقد أشار زعيمها كيم جونغ أون إلى أنه لن يتردد في استخدام الأسلحة النووية إذا اندلع صراع في شبه الجزيرة الكورية، ومن المرجح أن تعهد بكين القديم بعدم استخدام الأسلحة النووية أولاً يجعل سقفها النووي أعلى من سقف روسيا أو كوريا الشمالية اللتين لم تقطعا على نفسيهما أي عهد من هذا القبيل، ولكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه السياسة ستظل سارية في حال تعرض الصين للهزيمة في صراع يتعلق بتايوان، فالإغراء باستخدام الأسلحة النووية في مثل هذه الظروف سيشتد مع تطوير الصين ترسانة أكبر وأوسع نطاقاً.
وما يجب أن تستخلصه الولايات المتحدة من ذلك ليس أنه عليها التراجع في مواجهة التهديدات النووية، فمن شأن ذلك أن يشجع الأعداء على استغلال تجنب واشنطن للأخطار وقد يفتح الباب أمام الابتزاز النووي، وبدلاً من ذلك فعلى الولايات المتحدة أن تستعيد تجربة الحرب الباردة عندما كان خطر استخدام الاتحاد السوفياتي للأسلحة النووية يخيم على كل جوانب السياسة الخارجية الأميركية، وأن تأخذ الأخطار النووية على محمل الجد مع الاستعداد لردع التصعيد وإدارته إذا لزم الأمر، وهذه مهمة صعبة بصورة خاصة عند التعامل مع شبه حلفاء مثل أوكرانيا أو تايوان لا تربطهم التزامات دفاعية رسمية بالولايات المتحدة، مما يزيد من الالتباس حول التزامات الأميركيين تجاههم.
تحتاج الولايات المتحدة إلى تحديث سياساتها وخططها للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها في مواجهة التهديدات الروسية والصينية والكورية الشمالية من دون أن تغامر بصورة مفرطة بالتصعيد النووي، ويبدأ ذلك بتحديث التقييمات المتعلقة بمدى تأثير الحرب في أوكرانيا على إستراتيجية الأعداء النووية، ولا سيما عتبة التصعيد النووي بالنسبة إليهم، وسيمنح ذلك صانعي السياسات فكرة أوضح عن كيفية احتواء الصراع في مختلف السيناريوهات، بما يشمل ممارسة ضبط النفس بصورة انتقائية ومنح الخصوم فرصاً للخروج من الأزمة، وكذلك تحتاج واشنطن إلى توسيع مجموعة خياراتها العسكرية الموثوقة والمتطورة للرد على التصعيد النووي بما يشمل القدرات الهجومية الإلكترونية والفضائية والتقليدية المتطورة، فضلاً عن القدرات النووية الميدانية، من أجل تعزيز الردع ومنح الرئيس مجموعة واسعة من الخيارات في حال فشل الردع.
نفس طويل
لقد كشفت الحرب في أوكرانيا واقع الخطر النووي في القرن الـ 21، لكنها بيّنت أيضاً حدود التهديدات النووية في إجبار الخصم على الاستسلام، فعلى رغم التفوق النووي الهائل لروسيا لم تمنح الأسلحة النووية موسكو القدرة على لوي ذراع خصمها كما توقع كثر، لأن أوكرانيا منعت روسيا من تحقيق أهدافها الرئيسة في الحرب، فقد صدت أوكرانيا الغزو الروسي الأولي وحافظت على استقلالها السيادي وألحقت خسائر فادحة بالقوات الروسية التي تكبدت أكثر من مليون خسارة بشرية، ودمرت معدات تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، ولم تستسلم كييف لتهديدات موسكو بل صعدت عملياتها تدرجياً، وشنت أوكرانيا ضربات على أهداف في العمق الروسي اعتبرها كثير من المحللين في السابق خطوطاً حمراً نووية محتملة، بما في ذلك هجمات على البنية التحتية للنفط والغاز ومراكز الإمداد اللوجستي وجسر مضيق كيرتش الذي يربط شبه جزيرة القرم بروسيا القارية، وحتى أسطول القاذفات الإستراتيجية الروسية القادرة على حمل أسلحة نووية، وأيضاً توغلت القوات الأوكرانية داخل الأراضي الروسية واحتلت ما يصل إلى 530 ميلاً مربعاً داخل كورسك عام 2024.
ومع ذلك لم ترد روسيا على هذه الهجمات باستخدام الأسلحة النووية بل بدا أن موسكو فكرت بجدية في التصعيد النووي، ليس رداً على الهجمات الأوكرانية على أراضيها بل عندما واجهت قواتها على الخطوط الأمامية احتمال الهزيمة، ويشير ضبط النفس النسبي الذي أبدته روسيا إلى أنها لا تعتبر الأسلحة النووية مجرد قنابل أشد قوة يمكن استخدامها عندما يكون ذلك مناسباً من الناحية العسكرية، فقد أصاب بوتين في تقديره بأن استخدام الأسلحة النووية ينطوي على أخطار هائلة، بما في ذلك ردود فعل سلبية على الصعيدين المحلي والدولي، واحتمال رد انتقامي من الولايات المتحدة.
لكن الحرب برهنت على أنه حتى لو لم تتجاوز النزاعات حد العتبة النووية فقد تسفر عن حرب تقليدية مدمرة للغاية وطويلة الأمد، ولا سيما عندما يكون التصعيد تدرجياً وتراكم الخسائر بطيئاً، وفي الواقع قد يكون طول أمد النزاع هو الثمن الذي تدفعه واشنطن في مقابل إدارة التصعيد، فمن خلال محاولتها تجنب التصعيد بهدف احتواء الحرب بين القوى العظمى من المرجح أن تخلق الولايات المتحدة الظروف المواتية لإطالة أمد النزاع.
ينبغي أن يحث هذا الدرس صانعي السياسات والمسؤولين عن التخطيط في الولايات المتحدة على إعادة النظر في الافتراضات السائدة حول الحروب المستقبلية مع روسيا أو الصين، فعلى رغم أن الصراعات المحدودة والحاسمة لا تزال ممكنة، مثل محاولة صينية خاطفة للاستيلاء على تايوان أو توغل روسي في دول البلطيق، وأنه لا يمكن استبعاد احتمال التصعيد النووي في وقت باكر من النزاع، فإن الحرب في أوكرانيا تضعف الاعتقاد بأن الحروب بين القوى العظمى ستكون حتماً قصيرة الأمد أو أنها ستتصاعد بسرعة، وصولاً إلى استخدام الأسلحة النووية، وبدلاً من ذلك فإن الرغبة في احتواء الصراع جغرافياً أو عسكرياً، والخوف من استخدام الأسلحة النووية، وصعوبة تحقيق نصر ساحق أو إيجاد مخرج مقبول، عوامل قد تدفع الخصوم إلى خوض حروب استنزاف طويلة الأمد مع محاولة احتواء التصعيد.
ومن أجل ردع، بل إن لزم الأمر دحر، أي غزو صيني لتايوان أو لأحد حلفاء الولايات المتحدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، أو أي هجوم روسي على أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي (ناتو)، فيجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لحرمان خصمها من تحقيق نصر عسكري سريع، أو تصعيد الصراع لإحراز الانتصار أو ضمان الغلبة في حرب طويلة الأمد، ومن شأن الحرب طويلة الأمد أن تضع عبئاً هائلاً على كاهل القوات الأميركية وتستنزف مخزونات الذخائر والصواريخ والدفاعات الجوية، وستلحق الضرر بالاقتصاد الأميركي وتؤدي إلى تعطيل التجارة الدولية وسلاسل التوريد للسلع الأساس وأدوات الإنتاج، وقد بدأت الولايات المتحدة في معالجة بعض هذه التحديات، ولا سيما من خلال الاستثمار في قاعدة الصناعات الدفاعية، لكنها لم تتخذ ما يكفي من الإجراءات للاستعداد لحروب استنزاف طويلة الأمد وأعمال عدوانية أقل حدة، مثل فرض حصار مطول على تايوان.
قد يؤدي هذا النقص في الاستعداد إلى الضغط على واشنطن من الناحية الإستراتيجية، وإذا كانت الولايات المتحدة أقل استعداداً من خصمها لخوض صراع طويل الأمد فقد تشعر أنها مضطرة إلى القيام بتصعيد باكر وكبير، يشمل احتمال استخدام الأسلحة النووية، من أجل حسم الصراع قبل أن تجد نفسها في موقف صعب، وقد اعتمدت واشنطن إستراتيجية التصعيد هذه للدفاع عن الـ “ناتو” خلال الحرب الباردة بحكم الضرورة، لكنها أمضت العقود التالية في السعي إلى الحفاظ على تفوقها العسكري التقليدي بدلاً من ذلك، كي تضع عبء التصعيد على عاتق خصومها وتتجنب الوقوع في مأزق نهجها السابق الذي كان أشد خطورة، أما اليوم فإن الاستعداد لصراع طويل الأمد، مهما كان ذلك صعباً، هو السبيل الوحيد لمنح البيت الأبيض مجموعة كاملة من الخيارات اللازمة لخوض صراع بين القوى العظمى.
مرحلة التفاوض
في أوكرانيا حاولت كل من الولايات المتحدة وروسيا إيجاد حدود للحرب من شأنها تحقيق الأهداف المرجوة بأقل كلفة ممكنة، لكن لم تدخل أي منهما الحرب وهي تمتلك فهماً واضحاً ومشتركاً لعتبات التصعيد لدى الطرف الآخر، ولم يتضح المدى الذي يمكن أن تصل إليه كل من واشنطن وموسكو سوى من خلال محاولات الطرفين المتكررة التحري والتلميح والتعديل، فمن المرجح أن تحدد عملية التفاوض والتحدي هذه، بدلاً من أي فهم مسبق لعتبات التصعيد، أي حرب مستقبلية بين القوى العظمى.
خلال الفترة التي سبقت الغزو الروسي الشامل حددت واشنطن وموسكو الشروط الأولية للتصعيد، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2021، صرّح الرئيس الأمريكي جو بايدن بأن نشر قوات أميركية في الميدان لردع الغزو الروسي أو دحره “ليس مطروحاً على طاولة النقاش”، فقد أراد بايدن تجنب صراع مباشر قد ينطوي على خطر كبير بالتصعيد النووي، أو “اندلاع الحرب العالمية الثالثة”، على حد تعبيره، ومن جانبه سعى بوتين إلى منع التدخل المباشر من قبل أطراف ثالثة وقطع، أو في الأقل الحد من، دعم الولايات المتحدة وحلفائها وشركائها لأوكرانيا، وحذر “أولئك الذين قد يشعرون برغبة في التدخل” من أن “روسيا سترد على الفور، وستكون العواقب غير مسبوقة في تاريخكم كله”.
بعد الغزو بدأت واشنطن وموسكو عملية استكشاف نشطة ومفاوضات ضمنية، ورفض التحالف الغربي الالتفات إلى تهديد بوتين واستمر في تقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية كبيرة تهدف إلى تمكين أوكرانيا من الحفاظ على سيادتها واستعادة المناطق التي خسرتها، وأوضح بايدن أن الولايات المتحدة ستدافع عن “كل شبر من أراضي الناتو”، محذراً بوتين من توسيع نطاق الصراع أو اعتراض المساعدات العسكرية التي تمر عبر بولندا ورومانيا، ومن جهتها حاولت موسكو ثني الولايات المتحدة عن تزويد أوكرانيا بالدبابات والطائرات المقاتلة والصواريخ بعيدة المدى التي من شأنها أن تمكنها من شن ضربات داخل العمق الروسي.
في معظم الحالات لم تؤثر المخاوف من التصعيد في قرارات إدارة بايدن حول المساعدة التي يجب تقديمها، وأرادت الولايات المتحدة أن تمنح أوكرانيا أفضل فرصة للفوز في الحرب، ولكن مع التمويل المحدود الذي وافره الكونغرس شككت واشنطن في الجدوى العسكرية لتوفير قدرات متطورة مقارنة بالبدائل الأكثر فائدة على المدى القصير، مثل الدفاعات الجوية والقذائف المدفعية، وأيضاً فإن الولايات المتحدة كانت تعاني نقصاً كبيراً في مخزوناتها من الأسلحة، واحتاجت إلى الاحتفاظ بها لمواجهة حالات طارئة أخرى.
ومع ذلك نجحت روسيا في إيجاد سبل للتأثير على حسابات واشنطن وعواصم أخرى في الـ “ناتو” من خلال التهديد بالتصعيد، واختبرت موسكو ما يمكنها تحقيقه دون اللجوء إلى هجوم عسكري مباشر على الـ “ناتو”، من تشويش القدرات الفضائية الغربية، وتنفيذ حملة تخريبية ضد أهداف في البنية التحتية وأهداف اللوجستية في أوروبا، واقتحام المجال الجوي للـ “ناتو”، وقد سمح ذلك لروسيا بخلق انطباع في واشنطن والعواصم الأوروبية بأنها قد تكون مستعدة للتصعيد، ودفع هذا القلق الولايات المتحدة وحلفاءها في الـ “ناتو” إلى الحد من تعاونهم العسكري والاستخباراتي على الأرض مع أوكرانيا، وتأخير توفير القدرات الصاروخية بعيدة المدى، مثل نظام صواريخ “أتاكمز” التكتيكية البالستية أرض-أرض (ATACMS)؛ ووضع قيود على أنواع الهجمات الأوكرانية على الأراضي الروسية التي كانوا على استعداد لدعمها أو تقبلها.
ومع ذلك فقد خالفت الولايات المتحدة وحلفاؤها وشركاؤها خلال الحرب جميع القيود التي حاولت روسيا فرضها على المساعدات الغربية، من خلال اختبار تهديدات روسيا وتصعيد دعمها تدريجياً للقوات الأوكرانية، فتمكنت واشنطن من تفتيت عتبات التصعيد المزعومة لروسيا تدرجياً، كاشفة عن زيف معظم التهديدات الروسية، وفي الوقت نفسه مكّنت عمليات تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم العملياتي الغربي الجيش الأوكراني من استخدام قدرات متطورة بصورة متزايدة لتحقيق نتائج كبيرة.
قبل الحرب لم يكن أحد ليتصور أن تصل الولايات المتحدة إلى هذه الدرجة من تسهيل شن ضربات بعيدة المدى داخل روسيا من دون أن تعرض الـ “ناتو” لهجوم مباشر، ولو كانت الولايات المتحدة قد اتخذت هذه الخطوة خلال الأيام الأولى بعد الغزو فلربما أثارت رداً من هذا القبيل من روسيا، ولكن لأن إدارة بايدن صعدت مساعدتها بصورة تدرجية فقد بدت كل خطوة وكأنها تغيير ثابت لا نقلة نوعية، وقبل توفير صواريخ “أتاكمز” أرسلت الولايات المتحدة إلى أوكرانيا صواريخ قصيرة المدى وطائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه، وقبل السماح بضرب أهداف في روسيا دعمت الولايات المتحدة الهجمات ضد شبه جزيرة القرم المحتلة.
من المؤكد أن هذه الإستراتيجية كانت لها حدودها، وعلى رغم أن أوكرانيا تمكنت من منع الاستيلاء على أراضيها وكبدت الروس خسائر فادحة لكن فرص استعادة السيطرة الكاملة على كامل أراضيها في المستقبل القريب ضئيلة، ويبدو من غير المحتمل أن أي شكل من أشكال المساعدة العسكرية كان ليشكل حلاً سحرياً، ولكن إذا استرجعنا الأحداث فسنجد أن واشنطن حجبت بعض المساعدات وقيدت العمليات الأوكرانية لفترة أطول من اللازم، وعلى رغم أن توفير صواريخ “أتاكمز” في وقت باكر لم يكن ليحدث الفرق الذي يزعمه أشد المؤيدين لاستخدامها، لكن الجيش الأوكراني كان بإمكانه الاستعانة بها لاستهداف مراكز الإمداد والتموين والمطارات وغيرها من الأهداف المهمة خلف خطوط الجبهة، من أجل تعطيل العمليات الروسية ودعم هجمات كييف المضادة خلال عامي 2023 و2024.
وفي حال نشوب نزاع مع روسيا أو الصين فسيثبت مجدداً أن التفاوض حول عتبات التصعيد أمر بالغ الأهمية في تحديد الأثمان التي سيتحملها الطرفان، وفي تحديد الطرف الذي سيخرج منتصراً، وعلى عكس ما حدث في أوكرانيا فمن المرجح أن تؤدي الحرب مع روسيا أو الصين إلى تفعيل المادة الخامسة من “معاهدة الـ ‘ناتو'” أو “قانون العلاقات مع تايوان”، أو “معاهدة ثنائية للدفاع المشترك”، مما يعني أن التدخل المباشر للولايات المتحدة لن يمثل العتبة الأكثر أهمية، ولكن حتى في تلك الحال ستتفاوض الأطراف حول عتبات الصراع الأساس، سواء كانت ضربات على الأراضي الوطنية أو هجمات على البنية التحتية الحيوية أو تصعيد نووي، ويجب أن تكون واشنطن مستعدة للاستكشاف والتلميح والمناورة على طول نطاق التصعيد، تارة بضبط النفس وطوراً بالتصعيد المتعمد، لإرساء حدود مواتية تمنح الولايات المتحدة الحرية العسكرية لتحقيق أهدافها المنشودة، مع تقليل الكلفة والأخطار إلى أدنى حد.
وعلاوة على ردع الهجمات النووية فيجب ألا تتردد الولايات المتحدة في إرساء حدود للصراع، فعلى سبل المثال قد يكون الصراع في الفضاء والفضاء الإلكتروني أمراً لا مفر منه، لكن على واشنطن أن تسعى إلى حماية أهم أصولها في الفضاء، بما فيها تلك التي تيسر القيادة والسيطرة النووية، ومنع الهجمات الإلكترونية التي قد تلحق أضراراً دائمة بالبنية التحتية الحيوية، مثل شبكة الكهرباء أو النظام المالي، من خلال التلويح بعواقب وخيمة مع الامتناع من شن هجمات مماثلة، وعلى الأرض ستتطلع كل من روسيا والصين إلى حماية أراضيهما حتى تتمكنا من شن الهجمات وتجديد إمداداتهما البحرية بلا أخطار، ويجب أن تكون الولايات المتحدة مستعدة للتصعيد والاستكشاف، وأن تشن ضربات موجهة على أهداف مختارة في البر الرئيس يُحتمل أن تستخدمها موسكو وبكين لإطلاق هجمات عنيفة، ومع ذلك يجب على واشنطن أن تمارس ضبط النفس في ما يتعلق بشدة الضربات على هذه الأهداف البرية من أجل ردع أية ضربات انتقامية واسعة النطاق، ولأن أي حدود ستظهر من خلال التفاوض الضمني فسيكون من المستحيل تحديد هذه العتبات قبل نشوب أي صراع محتمل، إذ تحتاج واشنطن إلى اتباع أساليب حربية مصممة للتحري بقدر ما هي مصممة لتحقيق أثر عسكري.
توافق على الاختلاف
بقدر ما أظهرت الحرب قدرة الـ “ناتو” على التكاتف لدعم شريك مهدد، فقد امتحنت أيضاً قدرة واشنطن على إدارة تحالف إبان صراع ينطوي على أخطار كبيرة، وكشفت بوضوح عن حدود قدرة واشنطن على التحكم بإدارة التصعيد، فأبدت أوكرانيا قدرة أكبر على تحمل أخطار التصعيد، ولا سيما تلك المرتبطة بالضربات على الأراضي الروسية، مقارنة بالولايات المتحدة وبعض حلفائها في الـ “ناتو”، وكذلك فإنها تصرفت من دون الرجوع للولايات المتحدة، وعملت في بعض الأحيان بصورة تتعارض مع أهداف الولايات المتحدة، وستظل هذه الديناميات قائمة حتى لو كانت واشنطن تقاتل إلى جانب حلفائها الذين تربطها بهم معاهدة، لكنها تشكل تحدياً أكبر عندما يتعين على الولايات المتحدة أن تهب لنجدة حلفاء شبه رسميين مثل أوكرانيا وتايوان في حال نشوب صراع مع الصين.
تقاتل القوات الأوكرانية دفاعاً عن وجود بلدها بمساعدة عسكرية واستخباراتية وغيرها من أشكال المساعدة من الولايات المتحدة وشركاء آخرين، ويمكن لواشنطن أن تقرر نطاق المساعدة العسكرية التي تقدمها وحجمها، وأن تفرض قيوداً على الاستخدام النهائي للأسلحة الأميركية من قبل القوات المسلحة الأوكرانية، ولكن بما أن الولايات المتحدة ليست طرفاً في القتال فإن الخيارات التكتيكية والعملياتية والإستراتيجية الرئيسة تقع في نهاية المطاف على عاتق كييف، وقد تباينت الآراء بين الولايات المتحدة وأوكرانيا مرات عدة من حيث حساب الأخطار والمكاسب من وراء شن ضربات على أهداف داخل روسيا، ففي حين أوصت واشنطن بضرورة توخي الحذر، ولا سيما عند استخدام المعدات العسكرية الأميركية لضرب العمق الروسي، وحثت على التركيز على العمليات التي من شأنها إضعاف قوات الاحتلال الروسية أو تعطيل العمليات العسكرية الروسية، سعت كييف باستمرار إلى الحصول على إذن بشن ضربات أعمق ضد مجموعة أوسع من الأهداف، سعياً إلى إضعاف العمليات العسكرية الروسية وتكبيد نظام بوتين كُلفاً اقتصادية وسياسية، مع تعزيز معنويات الأوكرانيين.
وفيما احترمت أوكرانيا بصورة عامة القيود التي فرضتها عليها الولايات المتحدة، إلا أنها شنت غزوها على منطقة كورسك باستخدام معدات أميركية من دون الحصول على موافقة واشنطن أو التنسيق معها، واستخدمت كييف قدراتها الخاصة في مجال الطائرات المسيّرة، التي لا تستطيع الحكومات الغربية فرض رقابة عليها، لضرب البنية التحتية الحيوية والأهداف التي تكتسب أهمية رمزية بالنسبة إلى موسكو، ولا يعد هذا الاختلاف مفاجئاً، فلم تكن أوكرانيا قلقة من احتمال استفزاز روسيا لشن هجوم على الـ “ناتو”، بل إن جر الغرب مباشرة إلى الحرب سيكون بمثابة مكسب لكييف.
لكن حلفاء الولايات المتحدة وشركاءها لن يكونوا دائماً أكثر استعداداً للمجازفة من واشنطن، فلو استخدمت روسيا أسلحة نووية ضد أوكرانيا وخشيت كييف من أن تدمر الضربات اللاحقة قواتها المسلحة أو تقتل مئات آلاف المدنيين في المناطق المأهولة بالسكان، فلربما كانت أوكرانيا، التي تقع في مرمى النيران النووية ولديها الكثير لتخسره، أقل ميلاً لتحمل هذا القدر من المخاطرة، أما الولايات المتحدة فقد ترى مع انهيار قاعدة الامتناع من استخدام السلاح النووي أن دورها القيادي في النظام النووي العالمي بات على المحك، ونتيجة لذلك فربما كانت واشنطن مستعدة لتحمّل أخطار أكبر، بما في ذلك احتمال دخولها المباشر في الصراع.
ينبغي على الولايات المتحدة أن تدرك حتمية حدوث خلافات في زمن الحرب مع شركائها في التحالف وأن تضع خططاً بناء على ذلك، وتزداد الحاجة إلى مثل هذه الخطط بصورة خاصة في ما يتعلق بالحلفاء شبه الرسميين مثل أوكرانيا وتايوان، إذ لم تضع الولايات المتحدة أية إجراءات مكتملة للتخطيط في زمن السلم وللعمليات المشتركة في زمن الحرب، ولكن حتى عندما تدافع الولايات المتحدة عن حليف تربطها به معاهدة مشتركة وتتوقع إحكام السيطرة على الأمور بصورة مباشرة أكثر، فلا بد من أن تتباين المصالح الوطنية والدوافع السياسية للقادة، وبسبب انتشار أنظمة الأسلحة بعيدة المدى فسيكون حلفاء الولايات المتحدة قادرين بصورة مستقلة على إلحاق أضرار جسيمة بأعدائهم، ويمكن لواشنطن وشركائها تقليل حدة الخلافات من خلال السعي إلى التوافق مسبقاً على مسائل الإستراتيجية العسكرية وإدارة التصعيد.
وبالتعاون مع شركائها في الأحلاف العسكرية فعلى واشنطن إعادة النظر في الخطط العسكرية المشتركة واختبار هياكل القيادة من خلال إجراء مناورات حربية واقعية، وفي ما يتعلق بتايبيه فعليها تطوير فهم مشترك لآلية القيادة والسيطرة في حال تدخلت الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان، وذلك من خلال مناورات حربية، إضافة إلى المحادثات الرسمية وغير الرسمية، من أجل تحديد وحل الخلافات المتعلقة بتحمل الأخطار العملياتية وإدارة التصعيد وإنهاء الحرب.
أما بالنسبة إلى أوكرانيا، فعلى رغم التعاون الناجح بالفعل بين كييف وواشنطن يجدر بالولايات المتحدة الاستفادة من أي وقف لإطلاق النار من أجل التخطيط المشترك لكيفية مواجهة أي عدوان روسي جديد، بخاصة إذا قدمت واشنطن ضمانات أمنية ونشر حلفاء الـ “ناتو” قواتهم على الأراضي الأوكرانية.
الحروب المقبلة
شكّلت الحرب في أوكرانيا درساً مأسوياً ومكلفاً عن صراعات القرن الـ 21، فقد حشد الطرفان مجتمعاتهما وأعادا تشكيلها وهاجما مجموعة متنوعة من الأهداف المهمة، وتكبدا خسائر فادحة في الأرواح، وقد تتسم حروب القوى العظمى في المستقبل بدرجة أكبر من التدمير، ومع ذلك فمن المرجح أن تظل هذه الحروب محدودة لا شاملة، لأن جميع الأطراف ترغب في تحقيق أهدافها مع الحد من الكُلف وتجنب وقوع كارثة نووية، وهذا التحدي ليس بجديد فقد كان سمة مميزة للحرب الباردة، لكن الحرب في أوكرانيا تنذر ببدء عصر جديد من الحروب المحدودة، ويتطلب الاستعداد لها وضع نظرية للنصر ترتكز على إدارة التصعيد على نحو ملائم، وتُصقل من خلال الدراسة المستمرة لعتبات التصعيد، وتُترجم إلى إستراتيجيات وخطط وقدرات أميركية مُحدثة توسع نطاق الخيارات المتاحة للرئيس، ومن خلال إظهار قدرتها على الدفاع عن حلفائها وشركائها في إطار تحمل درجة معقولة من الأخطار، ستعزز الولايات المتحدة قدرتها على الردع بجعل تدخلها أكثر صدقية في أعين خصومها.
ولا تقتصر إدارة التصعيد على تجنب اندلاع حرب نووية وحسب، فعلى الولايات المتحدة أيضاً أن تحدد أسلوب قتال خصومها في ظل التهديد النووي، من خلال التلويح بإلحاق خسائر أكبر بهم وتكبيدهم أخطار أعلى في حال تجاوزهم عتبات معينة، ومن المرجح أن تمتد الحروب المستقبلية بين الولايات المتحدة وروسيا أو الصين إلى أراضيهما وحتى إلى الفضاء والفضاء الإلكتروني، وسيتعين على واشنطن تقرير الحدود التي يجب أن تفرضها على النزاعات في تلك المجالات.
إن التخطيط أمر بالغ الأهمية، لكن الحروب لا تسير أبداً وفقاً للتوقعات، وبجب أن تصقل الولايات المتحدة مهاراتها في مجال الاستطلاع والتفاوض الضمني، وسيحاول الخصوم تقييد الإجراءات الأميركية وردعها، بينما يختبرون مدى جدية التهديدات الأميركية بالتصعيد ليروا ما يمكنهم تحقيقه في ظل القيود التي تفرضها الولايات المتحدة، وفي بعض الأحيان ستحتاج الولايات المتحدة إلى التصعيد المتعمد لكسب أفضلية، وفي أوقات أخرى قد يكون التصعيد البطيء أو ضبط النفس هو الحل الأمثل لثني الأعداء عن التصعيد، وفي كل الأحوال يجب على صانعي السياسات التأكد من أن الأخطار التي تتحملها واشنطن مدروسة وتهدف إلى إنهاء أي صراع محتمل بطريقة مقبولة، وعموماً فعلى واشنطن أن تضخ الاستثمارات اللازمة في مخزوناتها الإستراتيجية وقاعدتها العسكرية الصناعية وقدرتها الوطنية على الصمود في وجه الهجمات الإلكترونية والصدمات الاقتصادية لتتمكن من الانتصار في أي صراع طويل الأمد، وسيتطلب هذا التوازن الدقيق تنسيقاً مكثفاً مع شركاء التحالف الذين يقاتلون إلى جانب الولايات المتحدة، وكلما سنحت الفرصة يجب على واشنطن وشركائها إجراء تدريبات مشتركة تهدف إلى توحيد التوقعات قبل نشوب الصراع، ولكن التنسيق الدقيق في شأن الرسائل والتلميحات الإستراتيجية في خضم الأعمال العدائية أمر ضروري أيضاً، ولا سيما بالنسبة إلى تايوان، إذ تقيد الضوابط المفروضة على التواصل بين واشنطن وتايبيه التخطيط المشترك للطوارئ وتكامل العمليات في أوقات السلم.
وقبل أي شيء فقد برهنت الحرب في أوكرانيا للولايات المتحدة أن عليها تطوير مقاربة جديدة لمفهوم الانتصار في النزاعات التي تبادر إليها قوى كبرى تستهدف حلفاء واشنطن أو شركاءها القريبين، فالتعامل مع هذا النوع من الحروب، المحدود عسكرياً لكن واسع التأثير إستراتيجياً، يتطلب بنية متماسكة تربط بين التهديدات القابلة للتصديق وإدارة مدروسة لسلّم التصعيد، وإشرافاً دقيقاً على ديناميات الشراكات داخل التحالفات، بما يضمن الحفاظ على تماسكها وقدرتها على الصمود في وجه كُلف الصراع الطويلة.
ريبيكا ليسنر هي زميلة بارزة في شؤون السياسة الخارجية الأميركية لدى مركز البحوث “مجلس العلاقات الخارجية”، وقد شغلت منصب نائب مساعد الرئيس والمستشار الرئيس للأمن القومي لنائب الرئيس خلال إدارة جو بايدن.
جون كاويكا واردن هو محلل بارز في شؤون الردع في مركز أبحاث “الأمن العالمي” التابع لمختبر لورنس ليفرمور الوطني، وقد شغل منصب مدير شؤون الاستقرار الإستراتيجي والحد من التسلح في مجلس الأمن القومي خلال إدارة بايدن.
مترجم عن “فورين أفيرز”، مارس (آذار)/أبريل (نيسان) 2026