ساطع نورالدين
أسهل القول وربما أقربه الى الواقع، هو أن إيران لن تظل بعد اليوم جمهورية إسلامية، أو دولة شيعية، يتولاها مرشد روحي واحد، بل ثلاثة أو خمسة أو ربما أكثر، أحدهم فقط من رجال الدين والباقون من العسكريين والمدنيين.. ولن يصمد النص الذي كتبه الامام المؤسس روح الله الخميني عن ولي الفقيه وولايته على الامة التي لا تخضع للدستور، أكثر من أيام الحداد الأربعين.. ولن يكون لأميركا دور في تحديد مستقبل إيران على النمط الفنزويلي ، مثلما لن يكون للعرب، الخليجيين خاصة، سوى التحول الى جبهة أمامية مفتوحة مع الأحقاد الإيرانية التاريخية، التي لا تستثني أحداً من دول مجلس التعاون الخليجي لا سيما أقربهم الى إيران، وبقية البلدان العربية بمن فيهم أقربهم عنها.
لن يؤدي غياب خامنئي الى فراغ أو فوضى. عملية التسليم والتسلم بدأت فور اعلان نبأ وفاة المرشد. جرى ما يمكن ان يوصف بأنه إنقلاب ابيض من قبل حرس الثورة وذراع الدولة تولى مهمة اطلاق الصواريخ والمسيرات في كل إتجاه. واصدر توجيهات الى سكان العاصمة طهران بمغادرتها “لتجنب الوقوع ضحية الفوضى”. ولم يترك مجالا لأي لفة بيضاء كانت أم سوداء ان تتدخل في مهمة الدفاع عن النظام والدولة والمؤسسات، وهي المهمة التي تميز المرحلة الانتقالية الإيرانية، عن الحالة الانتقالية الفنزويلية الفريدة، التي سلمت الرئيس نيكولاس مادورو الى الاميركيين، مقابل وعد أميركي بتقاسم عائدات النفط والمعادين الثمينة معهم.
يمكن الافتراض ان عملية التسليم والتسلم بين مكتب المرشد وبين قيادة الحرس التي ستستمر طالما لم ينفد مخزون إيران من الصواريخ والمسيرات، ولم ينقطع سبيل وارداتها العسكرية من كوريا الشمالية او روسيا او حتى الصين نفسها. وهي مسألة أسابيع أو ربما أشهر، إذا لم ينفجر الصراع باكرا على السلطة في طهران في صفوف الحرس نفسه. الوقت حاسم بالنسبة الى ورثة ولي الفقيه، الذين يدينون لخامئني وحده تحويلهم الى أكبر مؤسسة للتوظيف والاستثمار في الاقتصادي الإيراني، والتي تملك أكبر شركات النقل الجوي، للركاب والبضائع، وأكثر من سبع شركات للنقل البحري، عدا عن إدارتها المباشرة لتجارة السجاد والذهب والفستق.. لاسيما مع اثنيتن من الدول الخليجية الست التي يقصفها الحرس هذه الايام.
المرحلة الان هي لإختبارات القوة والإرادة، ولا صوت يعلو فوق صوت الصواريخ والمسيرات التي تحرق إيران وست دول عربية محيطة بها. ولا بد من الاعتراف بأن إيران، بمؤسساتها العسكرية والأمنية، التي تبرهن هذه الأيام عن رسوخ عصبيتها القومية ، وتقرن القول بالفعل بأنها لن تستسلم بسهولة، بل ستظل تقاتل حتى الرمق الأخير، تقدم نموذجاً جديداً يخلو من المزايدات والشعارات الفارغة، من الصمود والمضي قدماً في الدفاع عن النفس الى حافة الانتحار الجماعي. وهو نموذج لطالما اعتمدته مع ميليشياتها العربية التي كانت تتولى في الماضي جميع المهمات الانتحارية الإيرانية، قبل ان تتقطع السبل بتلك الميليشيات ويتشتت حشدها ويتلاشى بأسها.. لتكتشف طهران أنها وحيدة في مواجهة أخطر حروبها وأشدها ضراوة
لعقود طويلة مقبلة لن يبقى من وقائع تلك الحرب، سوى ذلك الحقد الإيراني الذي ينصب اليوم على الجيران الخليجيين، وبينهم أصدقاء مفترضين، مهما تغير شكل النظام في طهران ومهما تغير دور أميركا وإسرائيل في اطلاق حمم ذلك البركان الخليجي الهائل.
بيروت في 1 / 3 / 2026