ملخص
رأى غربيون وروس أن ترمب بوضعه اليد على نفط فنزويلا وإمساكه بمقدرات إيران وثرواتها النفطية، سيتمكن من محاصرة الصين ولي ذراعها ومنعها من مواصلة التوسع العالمي على حساب النفوذ الأميركي. وبدت روسيا والصين عاجزتين إزاء القرار الأميركي بالقضاء على القيادة الإيرانية.
على رغم جولات التفاوض كان من الواضح ألا مفر من الصدام. فلا إيران تنازلت عن شروطها ورضخت للمطالب الأميركية، ولا الولايات المتحدة بإمكانها التراجع بعد حشدها لأكبر تجمع عسكري جوي وبحري منذ حرب العراق حول إيران، وإزاء ازدحام المواعيد والاستحقاقات الأميركية الداخلية والخارجية.
لقد كانت الصين ولا تزال، في التحليلات الاستراتيجية الرائجة، الهم الأول لإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وفي تحليلات كثيرة ربط كتاب ومحللون بين الحرب على إيران الخمينية وبين الأهداف الأميركية في محاصرة الصين. ورأى هؤلاء وبينهم غربيون وروس أن ترمب بوضعه اليد على نفط فنزويلا وإمساكه بمقدرات إيران وثرواتها النفطية، سيتمكن من محاصرة الصين ولي ذراعها ومنعها من مواصلة التوسع العالمي على حساب النفوذ الأميركي.
بهذا المعنى يمكن التكهن بأن زيارة ترمب المقررة إلى الصين ربما تكون أحد الأسباب في تعجيل موعد الحرب من دون أن تكون العامل الحاسم فيها.
لم يكن مفيداً له أن يذهب ترمب في زيارته المقررة إلى بكين نهاية مارس (آذار) الجاري من دون أن تكون صورة الصراع الذي يخوضه ضد إيران اتضحت. فالفارق كبير بين أن يقوم بهذه الزيارة المقررة منذ نحو عام، وهو في موقع الرجل الذي فرض إرادته في الشرق الأوسط، وبين أن يصل للقاء الزعيم الصيني شي جينبينغ وهو مترهل تحت وطأة الرفض الإيراني لجدول الشروط الأميركية التي تناور إيران في شأنها، كسباً للوقت وللدعم الذي توفر الصين إلى جانب روسيا بعضاً منه.
سيكون ترمب لدى وصوله إلى بكين خلال الـ31 من مارس الجاري ضعيفاً أمام مفاوضه الصيني المطلق الصلاحيات داخلياً، بينما يعاني هو إشكالات عدة في الكونغرس ومع المحكمة العليا إضافة لفضيحة جيفري إبستين المتمادية.
لقد أعلن ترمب مراراً أن العالم بأسره يترقب زيارته الصينية باهتمام. وهو سيسعى خلالها للحصول على موافقة المسؤولين الصينيين على شراء فول الصويا والنفط والغاز من الولايات المتحدة. لكن بكين تعتمد على روسيا في هذا المجال، وتستورد النفط من السعودية ودول عربية أخرى وإيران.
ويقول مدير الأبحاث في معهد الصين وآسيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية، ألكسندر لوكين، للصحيفة الروسية “نيزافيسيمايا غازيتا”، “للزعيم الصيني سلطة أكبر من سلطة ترمب الذي تجاوز بعض الشيء صلاحيات الكونغرس. لكن هذا لا يعني استحالة إجراء مفاوضات. فالرئيس الأميركي يملك سلطة إبرام معاهدات دولية. لكن المحكمة العليا جردت ترمب من أداته الرئيسة – الرسوم الجمركية. وبعد حرمانه من هذه الأداة، يتعين عليه التفكير في طرق أخرى لممارسة الضغط على الصين”. سيعوض ترمب نقطة الضعف هذه بعمليته الكبرى في الشرق الأوسط، وسيمتحن حقيقة الموقفين الصيني والروسي من “الحليف” الإيراني.
كان ترمب سيبدو ضعيفاً وهو ذاهب لملاقاة غريمه الدولي الأول من دون أن يحقق شيئاً في ما يتعلق بإيران، لا على مستوى إنجاز اتفاق نووي جديد نتيجة للمفاوضات، ولا في فرض الشروط الأميركية بالقوة.
بدت زيارة الصين موعداً ضاغطاً، فهي توازي في قيمتها لقاء ترمب بنظيره الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا منتصف الصيف الماضي، لكنها ليست وحدها السبب في حاجة الولايات المتحدة إلى عملية حسم مع إيران سلماً أو حرباً، وإنما طبيعة المفاوضات نفسها التي بدا أنها مجرد كسب للوقت، تحتاج إليه إيران لإبعاد الضربة وتريده الولايات المتحدة لاستكمال استعداداتها.
وعلى رغم أن جولة جنيف الثالثة من المحادثات بين وفدي إيران وأميركا انتهت إلى حديث عن لقاء ثنائي على المستوى الفني غداً الإثنين، فإن الجو الإيجابي الذي أشاعه الإيرانيون خصوصاً سرعان ما بدأ بالتبخر. أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن الإيجابيات غائبة عندما أبلغ وزير الخارجية المصري أن على أميركا التخلي عن مطالبها “المبالغ فيها”. وسبقه المرشد علي خامنئي إلى التهديد بإغراق حاملات الطائرات…
الرئيس ترمب أكد عشية هجوم أمس السبت هذه المناخات السلبية “لست سعيداً بما توصلنا إليه” قال للصحافيين. ثم أردف “أنا غير راض عن إيران ولم أتخذ قراري في شأنها حتى الآن”.
وفي الواقع ما كان أحد يتوقع الوصول إلى نتائج عجائبية في المفاوضات. فالشروط الأميركية المعلنة تتعدى الملف النووي إلى مسألة الصواريخ والأذرع وحق الإيرانيين في التظاهر ورفض النظام القائم. وإزاء جدول كهذا أصرت إيران على البند النووي من دون تنازل في موضوع التخصيب، مما يعني أنها تطرح على ترمب العودة بطريقة ما إلى اتفاق 2015 الذي سبق أن رفضه وانسحب منه، وهو ما لا ينسجم مع موقف الرئيس الأميركي ومطالبه، ولا مع حجم الاستعدادات العسكرية الأميركية على امتداد المنطقة من أوروبا إلى الخليج والمحيط الهندي. كانت الإشارات تكاثرت خلال الساعات الأخيرة إلى اقتراب الهجوم الأميركي- الإسرائيلي. وعززت تدابير عدد من الدول تجاه رعاياها مثل هذا الاحتمال. فخلال يوم السبت، الموعد الذي حددته القيادة العسكرية لبلوغها نقطة الاستعداد العسكري الشامل (سي بي أس)، اتخذت الصين حليف إيران البارز قرارها بسحب الرعايا الصينيين من إيران. وكانت لافتة للانتباه في اليوم نفسه دعوة السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هوكابي موظفي سفارته إلى الرحيل من إسرائيل “اليوم على أية رحلة متاحة”.
لقد بلغ الاستعداد الذروة نهاية الأسبوع. دعوة الاحتياط وفتح الملاجئ في إسرائيل واستعدادات على حدود أذربيجان وتركيا ووقف لعدد من الرحلات من إسطنبول إلى طهران، ومع ذلك كانت إشارات أخرى، منها الإعلان عن زيارة مارك روبيو إلى إسرائيل غداً الإثنين، الذي يصادف “عيد المساخر” اليهودي (ذكرى تآمر ملك فارسي لإبادة اليهود) توحي بإرجاء العمل العسكري، ولكنها على ما يبدو كانت جزءاً من عملية خداع.
انطلقت الحرب إلى أهدافها القصوى. اغتيل خامنئي وقيادات أساس إيرانية في الضربة الأولى. وجاء رد الفعل الإيراني جنونياً وانتقامياً ضد دول الخليج العربي التي سعت طويلاً إلى تسوية سياسية بين إيران والمجتمع الدولي، وهو ما يكشف مستوى الحقد الدفين ضد هذه الدول المزدهرة ويفرض تفكيراً متجدداً حول العلاقات التي يجب أن تسود مستقبلاً بينها وبين إيران على قاعدة الثقة والاطمئنان.
على أن الأكثر إثارة للاهتمام كان رد الفعل الصيني والروسي. اكتفت الصين ببياناتها المعهودة عن احترام سيادة الدولة واكتفت روسيا بالتحذير من “الأعمال المتهورة”.
بدت روسيا والصين عاجزتين إزاء القرار الأميركي بالقضاء على القيادة الإيرانية. واختصر الكاتب الروسي ميخائيل نيكولايفسكي موقفهما على النحو التالي:
“الوضع معقد للغاية بالنسبة إلى روسيا، التي لا يمكنها تحمل خسارة إيران في وضعها الحالي، كذلك لا تملك القدرة على القيام بأي شيء ذي شأن. أما الصين، فقد نأت بنفسها عن دعم إيران بصورة مباشرة كجزء من اتفاقها الشامل مع الولايات المتحدة”.
بالتأكيد لم تكن أميركا ولا إسرائيل بعيدتين عن هذه المناخات الروسية والصينية عندما قررتا كسر الجمود والذهاب إلى الحرب من دون انتظار سيكون باهظ الكلفة على المستوى العسكري المباشر، وعلى مستوى الموقع الأميركي في موازين القوى الدولية.
لقد فاقت النفقات التي تكبدها الأميركيون خلال الشهر ونصف الشهر الأخيرين المليار دولار. وبعد كل هذا الاستثمار المالي “سيجد ترمب صعوبة في سحب القوات من دون تحقيق مكاسب ملموسة، سواء من خلال هجوم أو اتفاق”، يقول جنرال إسرائيلي سابق. لكن الخسائر المالية لن تكون شيئاً في حسابات الخسارة الجيوسياسية في ما لو استمرت إيران على نهجها تحت العيون الروسية والصينية المفعمة بالرضى.
أبقى ترمب الوسيط العماني متفائلاً إلى اللحظة الأخيرة، لكن فرصته الأخيرة للتفاوض جرى استهلاكها. ما كان يمكن توقع قبوله بالعودة إلى صيغة اتفاق قام أصلاً بنقضه، أيضاً كان مستحيلاً أن يقوم بعمل عسكري، يكرر تجربة “مطرقة الليل” خلال الصيف الماضي، التي لم تسفر عن أي تحول سياسي. أما الآن يمكن لترمب أن يذهب إلى الصين نهاية الشهر والغريم الصيني فقد شريكاً أساساً مفترضاً يحاول الرئيس الأميركي تجهيز بديل مختلف عنه.
اندبندنت عربية
