تقف منطقة الشرق الأوسط اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة تتجاوز في أبعادها مجرد التصعيد العسكري العابر، لتدخل في طور التحول النوعي الذي يُعيد تعريف موازين القوى لعقود قادمة. فالاستهداف المباشر للعمق الإيراني، مقترناً بخطاب أميركي يتسم بالتصعيد، يؤشر إلى انهيار المرحلة التي سادت فيها الدبلوماسية والحروب بالوكالة، مفسحاً المجال أمام استراتيجية الإزاحة الوجودية للخصم. إذ لم يعد مسار المواجهة يدور حول تعديل سلوك النظام في طهران أو كبح طموحاته الإقليمية، بل انتقل إلى مرحلة تفكيك أسس القوة الإيرانية ببعدها الإقليمي السيادي. وبهذا فإننا أمام مشهد يُراد فيه استئصال القدرة الإيرانية، حيث سيتم توظيف القوة العسكرية الأميركية لإعادة الهندسة الجيوسياسية للموقع الإيراني، وهو ما يجعل من القراءة الحالية ضرورة لفهم ملامح النظام الإقليمي الجديد.
القراءة المتأنية للمشهد الشرق أوسطي في أعقاب الاستهدافات المباشرة لإيران، وبالتزامن مع النبرة غير المسبوقة في تصريحات ترامب، تشير إلى أن المنطقة قد غادرت فعلياً حقبة الحروب بالوكالة وقواعد الاشتباك المنضبطة لتدخل في طور جديد يمكن تسميته بـ”الجراحة الجيوسياسية الشاملة”. هذا التحول لا يستهدف مجرد ردع سلوك إيران السياسي فحسب، بل يسعى بوضوح إلى تفكيك الركائز المادية التي قامت عليها القوة الإيرانية طوال العقود الأربعة الماضية. نتيجة لذلك، فإن العمليات العسكرية الأخيرة، حين تُقرأ في سياق لغة ترامب، تظهر كترجمة ميدانية لإستراتيجية الإنهاء لا الاحتواء، حيث يبدو أن صانع القرار الأميركي قد اتخذ قراراً بكسر الأضلاع الثلاثة للمشروع الإيراني، والتي ترتكز بقوة على البرنامج النووي كطموح سيادي، والترسانة الصاروخية والبحرية كأدوات ردع وتهديد للممرات الدولية، والشبكة الإقليمية كأذرع للتمدد الجيوسياسي.
تصريحات ترامب حول منع الجماعات الإرهابية من زعزعة الاستقرار تؤكد أن تفكيك الأذرع لم يعد هدفاً ثانوياً بل هو جزء أصيل من عملية البتر الجراحي للمشروع الإيراني
عند تشريح خطاب ترامب، نجد أنه يتجاوز المنطق التقليدي للدبلوماسية الدولية، ليؤسس لشرعية الضربة الاستباقية الشاملة تحت مسمى “المهمة النبيلة من أجل المستقبل”. هذا التوصيف يعكس رؤية أميركية تعتبر أن وجود نظام إيراني بامتيازات تقنية وعسكرية ونووية هو تهديد غير قابل للتفاوض، وأن كلفة المواجهة الشاملة الآن هي استثمار ضروري لتجنب نتائج إيران النووية مستقبلاً. كما أن الحديث عن تدمير الأسطول البحري والصناعة الصاروخية بالكامل ليس مجرد وعيد انتخابي أو خطابي، بل هو إعلان صريح لتجريد طهران من قدرتها على ممارسة سياسة حافة الهاوية في مضيق هرمز أو عبر التهديد بالصواريخ الباليستية، مما يعني عملياً محاولة إعادة إيران إلى حجمها الجغرافي الطبيعي وتجريدها من نفوذها العابر للحدود.
بهذا المعنى، فإن المسار الحالي للتطورات يشير إلى أن الولايات المتحدة، مدفوعة برؤية ترامب وتنسيقها الوثيق مع إسرائيل، تعيد هندسة المنطقة عبر الصدمة العسكرية التي تهدف إلى إحداث فراغ في منظومة ما يُسمى بـ”محور المقاومة”. هذا الفراغ لا يُراد ملؤه بحوار سياسي، بل بفرض واقع أمني جديد تكون فيه القدرة العسكرية الأميركية هي المرجعية الوحيدة والنهائية. وبهذا فإن تحذير ترامب من وقوع خسائر بشرية في صفوف القوات الأميركية واعترافه بأن “هذا ما يحدث في الحروب” يعكس نضجاً في قرار المواجهة واستعداداً لتحمل التبعات، وهو ما يغلق الباب أمام الرهانات الإيرانية السابقة على فوبيا التورط الأميركي في حروب طويلة. إذاً نحن أمام إدارة ترى في القوة العسكرية أداة سياسية لإعادة رسم المنطقة وإحداث التحولات النهائية وحسم التوازنات وحماية الحلفاء، وتعتبر أن البراعة التقنية للجيش الأميركي هي الضمانة الوحيدة لمنع نشوب صراعات أوسع عبر إنهاء وتأطير القوة الإيرانية.
على المستوى الإقليمي، تعكس هذه التطورات نهاية مرحلة الغموض الاستراتيجي؛ فالهجوم على الداخل الإيراني والتهديد بمحو صناعاتها العسكرية يضع النظام في طهران أمام معضلة وجودية، فإما الرد الذي قد يؤدي إلى تفعيل سيناريو التدمير الشامل الذي توعد به ترامب، أو الانكفاء الذي يعني التخلي التدريجي عن الحلفاء الإقليميين وانهيار هيبة الردع. بالتوازي، فإن تصريحات ترامب حول “منع الجماعات الإرهابية من زعزعة الاستقرار” تؤكد أن تفكيك الأذرع الإقليمية لم يعد هدفاً ثانوياً، بل هو جزء أصيل من عملية الكي الجراحي للمشروع الإيراني في المنطقة. وهذا يعني أن الساحات الممتدة من بغداد إلى بيروت وصولاً إلى صنعاء ستكون عرضة لتحولات دراماتيكية، حيث ستفقد هذه القوى الغطاء الاستراتيجي الذي كانت توفره طهران، مما يمهد الطريق لإعادة رسم الخرائط السياسية في هذه الدول بعيداً عن التأثير الإيراني.
الشرق الأوسط الذي سيتشكل بعد هذا “الكيّ الأميركي” سيكون شرقاً أوسط بلا مخالب إقليمية قادرة على المناورة، لكنه قد يكون أيضاً شرقاً أوسط مثقلاً بجراح الهوية والسيادة
رسالة ترامب الواضحة بأن “إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً أبداً” ليست مجرد التزام بمنع التسلح، بل هي إعلان عن نهاية حقبة التوازنات القلقة، وإننا نتجه نحو نظام إقليمي جديد تُنتزع فيه أنياب القوى التي تعارض الهيمنة الأميركية عبر تدمير بنيتها التحتية العسكرية. وهو مسار محفوف بالمخاطر العالية، لكنه يعبر عن إرادة أميركية حاسمة لإنهاء الملف الإيراني بشكل جذري ونهائي. هذه العمليات، كما وصفها ترامب، ليست “للآن” بل هي لرسم ملامح القرن القادم في المنطقة، حيث لا مكان لقوى إقليمية تمتلك القدرة على تحدي الإرادة الأميركية.
تحليل مسار التطورات انطلاقاً من تصريحات ترامب يضعنا أمام رؤية استراتيجية تتجاوز مفهوم النصر العسكري الكلاسيكي نحو مفهوم السيادة المطلقة عبر إنهاء القدرات الإيرانية. لا سيما أن الوعيد بتدمير الأسطول البحري والصناعة الصاروخية تماماً يمثل محاولة أميركية لفرض واقع جيوسياسي جديد على إيران؛ هذا الواقع يحرمها من أدوات التأثير في الممرات المائية والمجالات الجوية، وهي الأدوات التي شكلت لسنوات الدرع الواقي للمشروع الإيراني. غير أن هذا المسار، بقدر ما يحمل من بأس وقوة تقنية، فإنه يفتح الباب أمام تساؤلات وجودية حول طبيعة اليوم التالي في منطقة لا تقبل الفراغ، خاصة أن القضاء على الصناعة العسكرية الإيرانية وتقويض أذرعها الإقليمية قد يؤدي إلى حالة من التيه الاستراتيجي في العواصم التي ارتبط أمنها بطهران، مما يضع المنطقة أمام خيارين: إما الانخراط في نظام أمني تقوده واشنطن بشروط إذعانية، أو الانزلاق نحو فوضى بنيوية ناتجة عن انهيار التوازنات القديمة قبل نضوج البدائل.
إن “المهمة النبيلة من أجل المستقبل” التي يتحدث عنها ترامب ليست سوى رهان كبير على أن القوة الأميركية قادرة على صياغة التاريخ وتجاوز تعقيدات الجغرافيا والديموغرافيا. ومع ذلك، فإن التطورات الأخيرة تكمن في إدراك أننا بصدد محاولة لإنهاء “الاستثناء الإيراني” في المنظومة الدولية عبر القوة الخشنة، وهو ما قد يستتبع ردود فعل غير متوقعة من قوى دولية أخرى ترى في هذا السلوك انفراداً أميركياً خطيراً بصياغة مصير الطاقة والجغرافيا العالمية.
الشرق الأوسط الذي سيتشكل بعد هذا “الكيّ الأميركي” سيكون شرقاً أوسط بلا مخالب إقليمية قادرة على المناورة، لكنه قد يكون أيضاً شرقاً أوسط مثقلاً بجراح الهوية والسيادة، حيث يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن للخيار العسكري أن يؤدي حقاً إلى استقرار سياسي مستدام، أم أنه مجرد تأجيل لصراع أكبر بروح انتقامية أعمق؟ إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد حرب، بل هو زلزال سيادي ستبقى ارتداداته تشكل وجدان المنطقة لعصور قادمة.
العرب اللندنية