خوشناف حمو.. كاتب وناشط مدني
كيف نكسب دون أن نُستفز؟
في الصراعات الطويلة، لا تكون الخسارة دائمًا نتيجة ضعف، بل كثيرًا ما تكون نتيجة استدراج ناجح.
الاستفزاز أداة قديمة وفعّالة: يدفع الخصم إلى رد فعل متسرّع، يخرجه من توازنه، ويجعله يخسر ما كان يستطيع الحفاظ عليه.
الكسب دون استفزاز لا يعني الصمت الدائم، ولا التنازل، بل يعني اختيار التوقيت والشكل. فليس كل حق يُنتزع بالصوت العالي، وليس كل مواجهة تخدم أصحابها. الحكمة هنا ليست في الامتناع عن الفعل، بل في إدارة الفعل.
التجارب التي نجحت تعلّمت أن تُميّز بين ما يستحق الرد وما يجب تجاهله.
تجاهل الاستفزاز لا يُضعف الموقف، بل يحرم الطرف الآخر من ورقته الأساسية.
فالذي لا يُستفَز يصعب التحكم به.
على المستوى اليومي، يظهر هذا المنطق في تفاصيل بسيطة:
في الخطاب الإعلامي الهادئ، في اللغة غير العدائية، في الابتعاد عن التعميم، وفي رفض الانجرار إلى ثنائيات حادة.
كل ذلك لا يُرضي العاطفة، لكنه يخدم المصلحة.
الكسب الحقيقي غالبًا ما يكون تراكميًا، خطوة صغيرة هنا، مساحة تُفتح هناك، علاقة تُبنى بهدوء. لا تبدو هذه الإنجازات مثيرة، لكنها حين تُجمع تصنع واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه.
الأهم أن عدم الاستفزاز يحمي المجتمع من الاستنزاف الداخلي. فالغضب الدائم يستهلك الطاقة، ويُضعف التركيز، ويشوّه البوصلة.
أما الهدوء، فيُبقي القدرة على التفكير والمناورة.
في عالم تُدار فيه الصراعات بالعواطف بقدر ما تُدار بالمصالح، يصبح التحكم في رد الفعل شكلًا من أشكال القوة. قوة لا تُرى، لكنها تحسم الكثير.
ربما لا يكون السؤال اليوم: كيف نرد؟
بل: متى نرد، وكيف، ولماذا؟