ليس مستغرباً انضمام “الحزب” إلى إيران في حربها الدفاعيّة الوجوديّة بعد يومين فقط من بدء الحرب الأميركيّة- الإسرائيليّة عليها. لكنّ الأعجب هو صبره الاستراتيجيّ طوال 15 شهراً من دون أيّ ردّ على اغتيال إسرائيل ما يقارب 500 فرد منه. وعليه، تبدو مهمّته الأصعب الآن تبرير “إسناد إيران” من لبنان، وفي المقام الأوّل أمام بيئته الشعبيّة، سواء من حيث الظرف السياسيّ والعسكريّ أو التوقيت المحدّد للمعركة، علاوة على رؤية النصر.
عندما خاض الأمين العامّ السابق السيّد حسن نصرالله معاركه المحدودة في الحجم والمدى والزمان ضدّ إسرائيل، على مدى ثلاثين عاماً، فإنّما كان يستند في استراتيجيّاته إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران” في كلّ شيء، من تدريب وتجهيز وتمويل وتسليح، وإنشاء مؤسّسات مدنيّة مختلفة، والتزوّد معنويّاً بشكل خاصّ في المجال الأيديولوجيّ، من نظريّة “ولاية الفقيه” إلى مهمّة “التمهيد للإمام المهديّ”.
لكن بعد سنتين من الحروب الإسرائيليّة المدعومة من الولايات المتّحدة في مرحلة ما بعد “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، لم تعد سرديّة المقاومة على قدر الزخم أو الجاذبيّة أو القدرة على الإقناع السابقة نفسها، بسبب استباحة إيران نفسها، واغتيال قادتها، إضافة إلى خنقها بالعقوبات الخارجيّة والقلاقل الداخليّة.
مع ذلك يبدو أنّ “الحزب” بقيادة الشيخ نعيم قاسم لا يملك من أمره سوى محاولة استئناف المسيرة من حيث انقطعت في 27 تشرين الثاني 2024 بإعلان وقف إطلاق النار مع إسرائيل، والسعي حثيثاً إلى حرب ثانية تردّ الاعتبار وتُقيم الميزان مجدّداً.
في المجال العسكريّ خاصّة، يمكن القول إنّ “الحزب” برهن خلال الأيّام القليلة الفائتة، منذ إطلاق الصاروخ الأوّل من جنوب لبنان، في 2 آذار الحالي، أنّه يمكن أن يكون نجح نسبيّاً في تنظيم صفوفه وترميم قدراته. لكنّه لم يتمكّن مع ذلك من توضيح الرؤية أو استعادة السرديّة بشكل كامل، بل بات منغمساً أكثر في الخطاب الأيديولوجيّ، من دون اتّصال حقيقيّ بموازين القوى، وهذه هي ثغرته الأساسيّة.
المقاومة المسلّحة، مهما تكن قويّة ذاتيّاً، لا بدّ لها من غطاء شعبيّ قويّ. فكيف إذا كانت تفتقر الآن إلى الميزات اللوجستيّة والجغرافيّة التي صنعت مجدها الأوّل؟ ليس مهمّاً كيف ترى المقاومة نفسها، بقدر ما هو مهمّ أكثر كيف يراها الناس، القريب منها قبل البعيد.
البداية المتعثّرة
استأنفت “المقاومة الإسلاميّة” عملها بخطوة ناقصة، حين انطلقت الصواريخ الستّة فجأة باتّجاه فلسطين المحتلّة، وكأنّها من خارج السياق، ومن دون تحضير مسبق، بحيث يكون الانتقال إلى حالة الحرب متدرّجاً، والنزوح من الجنوب إلى الشمال مبرمجاً بالحدّ الأدنى، كما حدث في حرب إسناد غزّة، عام 2024.
إلّا أنّ المختلف هذه المرّة أنّ الحرب السابقة لم تنتهِ عمليّاً باتّفاق وقف النار، وأنّ قواعد اللعبة تبدّلت تماماً. كان واضحاً أنّ أيّ رصاصة تنطلق من لبنان ستُواجه فوراً بضربات إسرائيليّة في ضاحية بيروت، بعدما سقطت المعادلات السابقة، وتهاوت قوّة الردع.
لذا كان قرار الحرب محفوفاً بمخاطر جمّة، سياسيّاً وشعبيّاً. من الناحية السياسيّة، شكّل ظهور السلاح مجدّداً في جنوب نهر الليطاني الذي أعلن رئيس الحكومة نوّاف سلام قبل أيّام فقط أنّه بات تحت سيطرة الدولة للمرّة الأولى منذ عام 1969، وخوض “الحزب” معارك فيه وانطلاقاً منه، ضربة قويّة لكلّ الجهود الرسميّة لاكتساب الثقة الخارجيّة وتجنيب لبنان الحرب المدمّرة. بدوره تعرّض الغطاء الشيعيّ الرسميّ لنكسة بسبب ما اعتبره رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي إخلالاً بالضمانات والتعهّدات بعدم تدخّل “الحزب” في الحرب الدائرة في إيران.
من الناحية الشعبيّة، صُدم الشيعة الجنوبيّون تحديداً، حين وجدوا أنفسهم فجأة في حرب جديدة لم يتطلّعوا إليها، لا سيما إذا كانت دفاعاً عن إيران، حتّى إنّ أهل الجنوب افترضوا في الوهلة الأولى أنّ جهة ما انتحلت صفة المقاومة لتوريط “الحزب” وبيئته بحرب جديدة، ولم يصدّقوا ابتداء أنّ “الحزب” نفسه هو من أطلق الصواريخ. كان ذلك إرباكاً غير مسبوق في تاريخ “الحزب” مع حلفائه وناسه.
الارتباك الذّاتيّ
أمّا الارتباك الذاتيّ فظهر جليّاً في أنّ قعقعة السلاح سبقت أيّ تسويغ سياسيّ مناسب لما حدث. لم يخلُ الخطاب الإعلاميّ نفسه للمقاومة من تناقض، وحاول الخطاب السياسيّ لزعيم “الحزب” استدراك عثرات البيان الأوّل للمقاومة. في هذا البيان، يتصدّر الثأر لاغتيال السيّد علي خامنئي، مرشد الثورة الإيرانيّة. ثمّ لا يلبث أن يضيف مهمّات أخرى لإطلاق الصواريخ، وهي الدفاع عن لبنان وشعبه، والردّ على الاعتداءات الإسرائيليّة المتكرّرة، معتبراً في الوقت نفسه أنّه ردّ تحذيريّ ودفاعي مشروع وحسب، وذلك حتّى ينفي “الحزب” نيّة استئناف الحرب من طرف واحد.
لكنّ استهداف موقع مشمار الكرمل للدفاع الصاروخيّ جنوب مدينة حيفا لا يترك مجالاً للشكّ في أنّ العمليّة كانت أكبر من ذلك، بل هي بداية لما هو أعظم، وتمهيد لرشقات الصواريخ لاحقاً، برفقة المسيّرات، في تصعيد متدرّج من ضمن استراتيجية منسّقة مع إيران، لاختراق القبب الدفاعيّة الإسرائيليّة، وإرباك منظوماتها واستنزافها، بهدف إيقاع أكبر الخسائر بين الإسرائيليّين.
التّبريرات في خطاب قاسم
أمّا خطاب الأمين العامّ لـ”الحزب” فقد حفل بالتبرير السياسيّ والقانونيّ، من دون إغفال بعض اللمحات الدينيّة اللافتة، وذلك حين قال في البدء إنّ المشركين قد عبثوا بأجواء رمضان، ويقصد بهم الإسرائيليّين، بعد عدوانهم على لبنان. ليس من المعتاد وصف اليهود بالمشركين، فهل هذا هو من جملة الإرباكات أم هو مقصود؟
أوّلاً: أعاد الشيخ نعيم قاسم ترتيب الأولويّات، في تسويغ المعركة، فأبعد مسألة الثأر لخامنئي، وبرّز تقاعس الدولة عن أداء واجباتها في الدفاع عن الشعب. وهو الأساس لتبرير بقاء المقاومة وسلاحها. تزامن ذلك مع انسحاب الجيش من المراكز الحدوديّة مع بدء التوغّل البرّيّ الإسرائيليّ، فكانت تلك الخطوة هديّة ثمينة لـ”الحزب” على الرغم من التبريرات الميدانيّة.
ثانياً: جعل قاسم من تصدّي “الحزب” لمشروع التوسّع الإسرائيليّ في لبنان مناسبة لإدانة قرارَي الحكومة: الأوّل عن حصريّة السلاح بيد الدولة، والثاني بشأن حظر الأعمال العسكريّة والأمنيّة لـ”الحزب”.
ثالثاً: حاول قاسم نفي البعد الإيرانيّ وراء الضربة الأولى، التي وجّهها “الحزب” إلى إسرائيل، فجعلها ردّاً على 15 شهراً من الانتهاكات الإسرائيليّة، ومنها أخيراً اغتيال خامنئي، مشدّداً على أنّها أيضاً ضربة استباقيّة قبل الهجوم الإسرائيليّ المخطَّط له، وهي الحجّة نفسها إبّان إطلاق حرب إسناد غزّة في 8 تشرين الأوّل 2023.
رابعاً: حاجج الأمين العامّ لـ”الحزب” في أنّ الصواريخ الستّة الأولى لا تبرّر الردّ الإسرائيليّ الشامل، وذلك تأكيداً منه لطبيعة الردّ التحذيريّ، وليحمّل إسرائيل كامل المسؤوليّة، وينزّه “الحزب” عن أيّ اتّهام بالتهوّر، ويؤكّد بالمقابل شرعيّة المقاومة سياسيّاً ودستوريّاً.
خامساً: في ما يخصّ موازين القوى واحتمال النصر، يبدو قاسم واقعيّاً: الإمكانات محدودة والموازين غير متكافئة. الدفاع هو “عن الشعب والمقاومة والوطن”، وهو “دفاع وجوديّ، سيستمرّ إلى تحقيق الأهداف”. ستكون المواجهة إلى درجة الاستماتة. وهي ستدخل تاريخ الموت لكنها لا تضمن الحياة لأحد…
. اساس ميديا
