لا يمكن فهم العلاقة المعقّدة بين السوريين وإيران اليوم من دون النظر إليها بوصفها نتاجَ طبقاتٍ متراكمةٍ من الخبرة التاريخية والسياسية، فقد تشكّلت هذه العلاقة، من جهة، على خلفية تضامن عميق في مواجهة إسرائيل، ومن جهة أخرى تحت وطأة الجرح العميق الذي خلّفه التدخّل الإيراني في سورية بعد عام 2011، إضافة إلى ما تفرضه حسابات الجيوسياسة الإقليمية من توازنات قاسية تحدّ من خيارات الدول والشعوب على حد سواء. وبين هذه المستويات المتداخلة، تتكوّن صورة مركّبة لا يمكن اختزالها في ثنائية الولاء أو العداء، بل تستدعي قراءةً أكثر عمقاً لمسار العلاقة بين البلدَين، قراءة تراعي تعقيدات التاريخ وحدود السياسة في آن واحد.
عشتُ في طهران ردحاً من الزمن دبلوماسياً وقنصلاً لبلادي سورية. لم تطل إقامتي فيها كثيراً، إذ نُقلت لاحقاً إلى السفارة السورية في لندن، حيث أمضيت سنوات طويلة مسؤولاً عن الشؤون السياسية، غير أن الفترة التي قضيتها في طهران كانت كافيةً لأتعرّف إلى البلاد وأهلها ولغتهم عن قرب، وأن تتكوّن لديّ مشاعر احترام حقيقي للشعب الإيراني وثقافته العريقة. خرجتُ من تلك التجربة بانطباع إنساني صادق: أنني لا أتمنى لهذه البلاد إلا الخير والاستقرار. بعد ذلك بوقت قصير، اندلعت حرب تموز عام 2006، وكان المشهد آنذاك جديداً ومفعماً بشحنة عاطفية عربية وإسلامية نادرة. وقفنا (نحن السوريين) إلى جانب حزب الله بوضوح، سياسياً ولوجستياً. ورغم أن الحزب كان معروفاً بعلاقته الوثيقة بإيران، لم تكن هذه الحقيقة حاجزاً أمام المشاعر السورية الصادقة في دعم لبنان ومقاومته في مواجهة العدوان الصهيوني السافر. وقدّمت سورية دعماً كبيراً في تلك الحرب، حتى إن قوافل الإمداد تعرّضت لغارات إسرائيلية سقط فيها شهداء سوريون كثر، كانوا جنوداً مجهولين في تلك المعركة.
في تلك الأيام، بدا وكأن لحظة تاريخية نادرة تتشكّل: لحظة التقاء بين السنّة والشيعة حول مشروع مقاومة واحد في مواجهة الأطماع الصهيونية. لكن تلك اللحظة المضيئة لم تعش طويلاً؛ فمع اندلاع الثورة السورية، أصرّ رأس النظام المخلوع على مقاربة بائسة للتحرّك الشعبي العارم. وبدلاً من التعامل مع مطالب شعبه بوصفها لحظة إصلاح تاريخية، اختار طريق القمع الدموي. وسرعان ما تحوّل النظام إلى وحش سياسي وأمني أعاد إنتاج سيرة قمع الثمانينيات بصورة أشدّ قسوة واتساعاً، وأقحم الدولة ومؤسّساتها في آلة قمع رهيبة، وأدخل الجيش في حرب مدنٍ ضدّ شعبه. عند تلك اللحظة، ارتكبت إيران خطأً استراتيجياً فادحاً عندما قرّرت الاصطفاف الكامل إلى جانب النظام الذي لم يكن ليستحق هذا الدعم استراتيجياً، وأدّى الوقوف إلى جانبه وهو يقاتل شعبه إلى خسارة أخلاقية وسياسية فادحة لإيران. أما حزب الله، فقد حوّله تدخّله في سورية من حركة مقاومة إلى قوة تدخّل عسكري، بل إلى قوة احتلال في المناطق التي حوصرت وجُوِّعت.
ومن الصعب على كثيرين ممَّن لم يعيشوا التجربة السورية أن يفهموا حجم الصدمة التي خلّفها توحّش المليشيات الشيعية المتدخّلة في سورية، والمشحونة طائفياً حتى العظم. فلم يكن ما حدث بعد عام 2011 مجرّد خلاف سياسي حول نظام أو ثورة؛ لقد أدّى التدخّل العسكري الإيراني واندفاع المليشيات الطائفية إلى تفكيك أحد أهم التحوّلات الرمزية التي عرفتها المنطقة بعد حرب تموز 2006: لحظة التقارب الشعبي بين السنّة والشيعة حول فكرة مقاومة إسرائيل.
كانت تلك اللحظة قد فتحت أفقاً نادراً لتجاوز الانقسامات المذهبية في الوعي العربي، لكن الحرب السورية أعادت استدعاء أكثر أشكال الانقسام الطائفي حدّة. وهكذا تحوّل صراع سياسي في جوهره إلى صراعٍ مشحونٍ بالذاكرة المذهبية، وهو تحوّل كانت كلفته السياسية والمعنوية باهظة على الجميع، وعلى إيران نفسها بدرجةٍ خاصة. اللافت أن بعض السياسيين والباحثين الإيرانيين قالوا بصراحة إن القرار اتخذه المرشد الأعلى، وإن مناقشته داخل النظام السياسي الإيراني لم تكن ممكنة عملياً، رغم أن أركاناً في الدولة لم يكونوا مقتنعين به. وكانت الحجّة التي يكرّرها بعض الساسة الإيرانيين أن التدخّل أصبح ضرورةً لحماية خطّ إمداد حزب الله وما يُسمّى “محور المقاومة”، ولمنع سقوط النظام السوري. فبحسب هذا التصّور، ربما فتح سقوط النظام الباب أمام نظام جديد مطبّع ومدجَّن مع الغرب وإسرائيل. وقيل إن مسؤولين إيرانيين كثيرين، بمن فيهم المرشد نفسه، لم يكونوا معجبين بشخص رأس النظام السوري ولا بطريقة إدارته الحكم، لكنهم كانوا يرون أن التفريط به في تلك اللحظة سيعني خسارة استراتيجية أكبر لا يمكن تعويضها. لذلك فضّلوا حمايته واستعماله سياسياً في الوقت نفسه.ومع الوقت، تحوّل هذا القرار إلى ما يشبه العقيدة القتالية في سورية. ومع نجاح التدخّل الإيراني، ولاحقاً التدخّل الروسي الذي أعاد ترجيح ميزان القوة لصالح النظام، نشأ شعور واضح بالثقة المفرطة، بل وبالغرور الأيديولوجي لدى بعض الدوائر السياسية في طهران. وقد تعزّز هذا الشعور مع اتساع النفوذ الإيراني في عدد من الساحات الإقليمية، من لبنان إلى العراق واليمن، إلى الحدّ الذي دفع ساسة إيرانيين إلى التباهي علناً بأن بلدهم بات يؤثّر في أربع عواصم عربية. وكان رأي كثيرين من النُّخب السورية أن الإصرار على دعم نظام الأسد دعماً أعمى ودموياً سيجعل الإيرانيين أول من يدفع ثمن هذه السياسة. فالنظام المذكور كان قد بلغ آنذاك مرحلةً متقدّمةً من التعفّن السياسي، ولم يعد معنيّاً إلا بالبقاء بأي ثمن، ولو على حساب أقرب حلفائه. وكنا نقول إن نظاماً يصل إلى هذا المستوى من الانغلاق لن يتردّد في التضحية بحلفائه، بل وربما خيانتهم متى رأى في ذلك مصلحةً مباشرةً لبقائه. وقد حصلت لاحقاً تطوّرات دراماتيكية في هذا الاتجاه، ليس هذا مقام سرد تفاصيلها، ويرتبط جزء منها بحكاية سقوط النظام السوري نفسه.
ليست مقاربة سياسات إيران مسألةً بسيطةً بالتأكيد، لكنها في الوقت نفسه ليست عصيّة؛ فليس مطلوباً من السوري أن ينسى جراحه، ولا أن يكون معجباً بكل ما في صندوق السياسات الإيرانية، لكن في وسعه، في الوقت نفسه، أن يرى في مواجهة إيران المشروع الصهيوني أمراً يستحق الاعتراف. فالصراع الإيراني – الإسرائيلي أيديولوجي عميق لا يمكن إنكاره، وقد بنى كل من النظامين جزءاً مهماً من سردية وجوده على العداء للآخر. وكان يفترض بهذا العامل أن يشكّل، في لحظات مختلفة، نقطة التقاء موضوعية بين العرب وإيران في مواجهة المشروع الصهيوني. فهم الديناميات الإيرانية، كما فهم ديناميات أي دولة في المنطقة، شرط أساس لأي سياسة واقعية لدى السوريين. غير أن جزءاً من العقل السياسي الشعبوي في منطقتنا لم يكن قادراً على التعامل مع معادلات متعدّدة المستويات؛ فهو يبحث دائماً عن صورة مبسّطة: صديق مطلق أو عدو مطلق، مع أن السياسة لا تعمل بهذه البساطة.
وعلى الرغم من كل الجروح السورية العميقة المرتبطة بالتدخل الإيراني في بلادنا، لا أجد حرجاً في القول إنني أشعر بالارتياح عندما أرى الصواريخ الإيرانية تُطلق لردع العدو الصهيوني. ليس لأنني أتفق مع مجمل السياسات الإيرانية، بل لأنني أعرف طبيعة المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وأدرك أن غياب أي قوة ردع حقيقية أمامه سيجعل الإقليم كلّه أكثر عرضة للهيمنة والابتلاع. في المقابل، ينبغي الاعتراف بأن إيران ارتكبت (ولا تزال) أخطاء استراتيجية جسيمة. فكما كان تدخّلها العسكري ومليشياتها الطائفية في سورية خطأً فادحاً ترك جروحاً عميقة في الذاكرة السورية، فإن توسيع المواجهة مع دول الخليج العربي اليوم يحمل القدر نفسه من سوء التقدير، فهي تدخل في صدامٍ مع دول كان يمكن أن تكون (في سياق مختلف) جزءاً من معادلة تخفيف الضغط عنها، لا طرفاً إضافياً في استنزافها.
ما يجري اليوم يتجاوز كثيراً “ضرب الظالمين بالظالمين”، فإيران، مهما اختلفنا مع سياساتها، تمثل إحدى آخر القوى الإقليمية التي تشكّل معادلاً ردعياً جدياً أمام التفوق الإسرائيلي في المنطقة. وإذا تعرّضت هذه القوة لانهيار أو إضعاف جذري، فسنشهد اختلالاً أوسع في توازنات الإقليم، في لحظة تتحرّك فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بثقة وغرور وغطرسة متزايدة، بينما ينشغل الروس في حرب أوكرانيا، وتواصل الصين حذرها الاستراتيجي، وتقترب قوى أخرى كالهند من الفلك الإسرائيلي. في هذا السياق، تصبح المنطقة أكثر انكشافاً من أي وقت مضى. وقد يثير هذا الكلام اعتراضات أو اتهامات بالتعاطف السياسي مع إيران، غير أن المسألة في جوهرها ليست تعاطفاً، بل قراءة باردة لواقع التوازنات في منطقة مضطربة، فالحقيقة التي كثيراً ما يجرى تهميشها في مناخ الشعبوية السياسية أن السياسة لا تختزل في ثنائية الأبيض والأسود، بل تقوم على شبكة معقّدة من المصالح والأخطاء والرهانات التاريخية. ومن لا يرى هذه التعقيدات، سيبقى أسير الشعارات والعواطف، لا فاعلاً في فهم الحاضر أو المساهمة في صناعة المستقبل.
العربي الجديد