نقل موقع إكسيوس عن مسؤول أميركي رفيع قوله إن مسلحين إيرانيين أكراد دخلوا إلى شمال غرب إيران، وبدأوا هجوماً برّياً هناك. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والضغوط السياسية والعسكرية على طهران، فإن الحديث عن الدور الكردي بدعم أميركي في بعض الدوائر التحليلية يذهب باتجاه دفع الأكراد الإيرانيين إلى تحريك جبهة داخلية ضد نظام الجمهورية الإسلامية. غير أن هذا الطرح يصطدم بسؤال أساسي في الوعي السياسي الكردي: لماذا ينبغي للأكراد أن يثقوا مجدّداً بواشنطن بعد تجارب انتهت غالباً بالتخلي عنهم عندما تتغيّر الحسابات الدولية؟
معلوم أن ملايين الأكراد يعيشون في غرب إيران، ضمن مناطق تمتد بمحاذاة الحدود مع العراق وتركيا. وهم جزء من شعب كردي موزع بين عدة دول في الشرق الأوسط، ما جعل القضية الكردية مرتبطة تاريخيّاً بتوازنات إقليمية ودولية معقدة. وفي أحيانٍ كثيرة، تحولت هذه القضية إلى ورقة في صراعاتٍ أكبر من حدودها المحلية.
التاريخ الكردي مع القوى الكبرى، وخصوصاً الولايات المتحدة، يحمل دروساً قاسية. ففي سبعينيات القرن الماضي، دعمت واشنطن التمرّد الكردي في العراق، بقيادة مصطفى البارزاني، لكن هذا الدعم انتهى فجأة بعد اتفاقية الجزائر 1975 بين صدّام حسين وشاه إيران محمد رضا بهلوي، ما أدّى إلى انهيار التمرّد الكردي آنذاك. منذ ذلك الحين، ترسخت لدى أكراد كثيرين قناعة بأن التحالفات الدولية قد تكون مؤقتة بقدر ما تمليه المصالح الاستراتيجية.
لكن التجربة الأحدث والأكثر تأثيراً جاءت في سورية خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الإرهابي، حيث اعتمدت واشنطن، بشكل كبير، على القوات الكردية، خصوصاً قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي لعبت دوراً رئيسيّاً في هزيمة التنظيم في شمال شرق سورية. وقد بدا في تلك المرحلة أن الشراكة العسكرية بين الطرفين يمكن أن تتحوّل إلى ترتيبات سياسية طويلة الأمد. غير أن التطورات التي حدثت في دمشق وسقوط نظام بشار الأسد وما أعقبه من تغير أميركي في طريقة التعامل مع النظام الجديد على حساب “قسد”، والذي تُوج مطلع عام 2026 بسيطرة القوات الحكومية على جميع مناطق سيطرة الأكراد ونفوذهم في مناطق الإدارة الذاتية شمال شرق سورية، رافقه تراجع الدور العسكري الأميركي المباشر في هذه المناطق، وظهور ترتيبات سياسية وأمنية أعادت ملف تلك المناطق إلى التفاوض مع السلطة المركزية في دمشق بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. هذا الذي جرى بالنسبة لأكراد كثيرين لم يكن مجرّد تحولٍ أميركي تكتيكي، بل مثالاً جديداً على حدود الالتزام الأميركي تجاه أي طرف عندما تتغيّر أولويات السياسة الدولية.
أعادت هذه التجربة طرح الأسئلة القديمة، وتركت أثراً مباشراً في النقاش الدائر حول أكراد إيران، فإذا كانت القوى الكردية في سورية، التي خاضت حرباً طويلة ضد تنظيم الدولة الإسلامية إلى جانب الولايات المتحدة، قد وجدت نفسها في النهاية أمام واقع سياسي مختلف عما كانت تتوقع، فإن الرهان على دعم خارجي لإطلاق مواجهة داخلية مع دولة قوية مثل إيران يبدو خياراً محفوفاً بالمخاطر. كما أن الظروف داخل إيران تختلف جذريّاً عن الحالة السورية، فالدولة الإيرانية لا تزال تحتفظ ببنية مؤسساتية وأمنية قوية، ولم تشهد الانهيار السياسي أو العسكري الذي سمح بظهور كيانات محلية شبه مستقلة، كما في سورية، خلال سنوات الحرب. ولذلك أي سيناريو لانتفاضة كردية واسعة داخل إيران سيواجه تحدّيات كبيرة على المستويين السياسي والأمني.
إضافة إلى ذلك، يدرك كثيرون من الفاعلين الأكراد أن القوى الدولية غالباً ما تتعامل مع المسألة الكردية باعتبارها أداة تكتيكية ضمن صراعات أوسع، فعندما تتقاطع المصالح يظهر الدعم، وعندما تتغيّر الأولويات يتراجع هذا الدعم سريعاً. وقد أثبتت التجارب من العراق إلى سورية أن التحالفات الدولية مع الأكراد نادراً ما تتحوّل إلى التزام سياسي دائم. من هنا، يمكن القول إن التجربة السورية لم تكن مجرّد محطة عسكرية في الحرب على الإرهاب، بل تحولت أيضاً إلى درس سياسي عميق في حدود الاعتماد على القوى الكبرى. فهي أظهرت أن الدعم الخارجي قد يمنح قوة عسكرية أو نفوذاً مؤقتاً، لكنه لا يضمن بالضرورة تحقيق مشروع سياسي طويل الأمد.
ولهذا السبب، أي حديث عن دفع أكراد إيران إلى مواجهة مباشرة مع النظام الإيراني تحت مظلة دعم أميركي أو إقليمي سيظل موضع شك كبير داخل الوعي السياسي الكردي، فالتاريخ القريب يطرح سؤالاً يصعب تجاهله: إذا كانت واشنطن قد غيّرت حساباتها مع حلفائها في سورية، فما الذي يضمن ألا يتكرّر المشهد نفسه في إيران، إلا إن كان لكردستان الجامعة مكان في خريطة الشرق الأوسط الجديد.