(كمال بلاطة)
عائشة بلحاج رئيسة قسم الثقافة في “العربي الجديد”،
لو وقف أستاذٌ جامعيٌّ يشرح لطلبته مفهوم “الدولة الدينية” القائمة على أساسٍ ديني، لا تلك التي شُرّعت قوانينها من الأحكام الدينية، لن يجد كثيراً من النماذج الحيّة. فحين يستبعد الدول ذات الطابع الديني التي تستلهم قوانينها من مرجعيات دينية، لن يبقى أمامه سوى إسرائيل وإيران، ولعلّه يُلحق بهما أفغانستان.
رغم أن إسرائيل لا تعرّف نفسها بأنها كذلك، فهي دولة دينية في جوهرها، طالما أنها تقوم على الدين عنصراً أساساً لمواطَنتها. حتى وهي ترفع شعارَين بيدٍ واحدة: “دولة يهودية وديمقراطية”. تزعم الديمقراطية وحقوق الإنسان والليبرالية، وكلّها مبادئ تقف على النقيض من العنصرية الدينية التي تمارسها دولة قائمة على “قانون القومية” اليهودية. هذا حين نُخرجها من المستنقع الدموي دولةً استعماريةً ترتكب جرائم حرب كلّ يومٍ في تاريخها.
مأزق الدولة الدينية الهجينة في نموذج إسرائيل أنها تقع في تناقضات ستؤدّي إلى تآكل داخلي للهُويّة. وهي، زيادةً على قيامها على القومية الدينية، يقودها اليمين المتطرّف الذي يُضيف عنصرية دينية توسّعية دموية. فالدين هنا يصبح وطناً لا تحكمه الحدود الجغرافية التي تتسع على مقاس المرجعية. ولهذا تمثّل إسرائيل أسوأ نسخة للدولة الدينية؛ نسخة تجمع الفصل العنصري مع إبادة السكّان الأصليين وسرقة تاريخهم وأرضهم.
فرغم ما تقوم به حركة طالبان من محوٍ لإرادة الفرد، وفرض صيغةٍ واحدة للحياة، إلا أنّها حتى الآن لم تعبّر عن طموحاتٍ توسّعية. لكن التفكير الصهيوني مع اليمين الديني خلطة قاتلة لن تجدها في أيّ نموذجٍ آخر. والسخرية أن إسرائيل، وعرّابتها (أميركا) بالطبع، تسخران من إيران بِعدِّها دولةً دينيةً استبدادية، مع أنها نُسخة “لايت” مقارنةً بالدولة الدينية المتطرّفة لإسرائيل. رغم أن ما تفعله بحرّية التعبير والسلوك يكسر روح الفرد. لكن هذا ليس العيب الجوهري في النموذج الإيراني، بل هذا أقلُّ ما فيه. فرغم أن إيران حالة “لايت”، وقعت في خطيئة الأطماع الخارجية التي أدّت بها إلى مآزق كثيرة، وسمحت لنفسها أن تعلَق في فخاخ الجانب التوسّعي للتفكير الديني، الذي يتميّز بأنّه عابر للحدود، لا يركّز على الإيجابيات مثل الروحانيات، ولكنّه مصدرُ قلقٍ كبير يتّجه إلى التوسّع لضمّ بلاد الآخرين بحججٍ كثيرة من بينها “نصرة المستضعفين” في المحيط الإقليمي، برعاية المليشيات والجماعات المسلّحة في دول مثل سورية واليمن والعراق. وهي هنا تستعمل حجّةً دينيةً للتدخّل في دولٍ أخرى عسكرياً وسياسياً. لهذا، فإنّ لتخوّف دول الخليج من أطماع إيران وجاهةً كبيرة، لكنّ البديل ليس موفّقاً؛ فمتى كان الذئب الأميركي حامياً لغير مصالحه؟
كنقاط ضعف جوهرية، تواجه الدول الدينية أكثر من غيرها مشاكل الهوية، لأنها تعتبر الدين وسيلة تحكم لا اختياراً فردياً. فشل حركة الأفراد بالقواعد الصارمة ومظاهر التدين، يؤدي إلى رد فعل معاكس. فإذا كانت إيران تتشدّد في قواعد اللباس والسلوك، فإسرائيل تفرض ما هو أسوأ، وهو التجنيد، على شبابها الذين تحقّقت لهم نسبة عالية من الرفاهية وليس محبذاً بالنسبة إلى بعضهم حمل السلاح. وهذا ما ظهر من خلال الانهيارات النفسية وحالات الانتحار في صفوف الجيش الإسرائيلي، خلال الإبادة.
ما سيُسبّب ضعف إسرائيل مع قوة دعم أميركا الخارجي، هو الانهيار من الداخل، ورفضُ الأجيال الجديدة القتال وتفضيل الهجرة المتزايدة نسبها في العالم. تلك الهجرة التي يلجأ إليها الأغنياء الذين لا يتردّدون في البحث عن نمط حياة أكثر ملاءمة. وقد حاولت أميركا اللعب على التآكل الداخلي في حالة إيران، ولذلك استهدفت علي خامنئي على أمل أن يؤدّي ذلك إلى اندلاع ثورة داخلية، تستغل الفوضى، وتُنتج قياداتٍ تدعمها لتسيطر على البلاد.
لكن لأن الدول طبقات أعمق من القشرة الخارجية، ليس هناك قالبٌ قارٌّ للدولة الدينية يجعل لها مصيراً موحّداً، فهناك فرق بين دولة دينية هجينة ودموية، وأخرى آفتها حبّ التوسع وقمع الحريات. وما سيتحقق في حالة الحرب الحالية، لن يتجاوز الفوضى وزرع المزيد من العداء لأميركا بين بلدان المنطقة، أما المصائر الحاسمة فشاقة التحقّق، إلا في أماني الناس وأوهام ترامب.
