ربما لا يزال أحد يذكر للمطربة صباح الأغنية التي أحيت بها الاحتفال بالعيد الأول “22 شباط/ فبراير” للوحدة السورية المصرية التي سمّت البلدين عام 1958 باسم الجمهورية العربية المتحدة. أما الأغنية التي لا أنساها فمطلعها: “تشرين الأول/ تشرين الثاني/ كانون الأول/ كانون الثاني/ هيدي أشهر عادية/ لكن شهر الحرية/ والفرحة والبشاير/ هيدا اسمه شهر شباط/ يعني فبراير”.
بعد قرابة سبعين سنة صار لشهر شباط/ فبراير اسم جديد في سورية هو “شهر المواثيق”. ففي هذا الشهر جرى إعلان ميثاق شرف لاتحاد الكتاب، وميثاق وحدة الخطاب الإسلامي، وميثاق شرف للإعلاميين السوريين. وكانت وزارة الإعلام قد أعلنت في الخامس عشر من هذا الشهر إطلاق “مدونة السلوك المهني والأخلاقي”، متضمنةً المعايير الأخلاقية والمهنية و”ميثاق شرف” وملحقًا خاصًا بصنّاع المحتوى. وجاء في الإعلان أن الوزارة لم تتدخل في الصياغة، وأن لجنة مستقلة من الصحافيين هي التي أعدت المدونة، بينما اقتصر دور الوزارة على تسهيل اللقاءات وتأمين المواصلات ومكان الاجتماع. كما جاء أن مئات من الصحافيين شاركوا في الإعداد خلال ستة أشهر. وفي المقام نفسه جاء أن لجنة من عشرة خبراء، أغلبهم مستقلون، مع ممثلين عن الوزارة وعن اتحاد الصحافيين، ساهمت في الإعداد والصياغة. وهنا يسارع السؤال عن غير المستقلين إذًا في هذه اللجنة: من أي جماعة هم أو من أي فصيل أو حزب أو ما شاكل…؟ وهل كان ممثلو الوزارة في هذه اللجنة مشاركين في الإعداد والصياغة أم فقط يؤمنون اللوجستيات؟
في 112 صفحة جاءت المدونة الضخمة التفصيلية تحت شعار “إعلام مهني… كلمة مسؤولة”. ومن أهم ما فيها أن أهدافها هي مكافحة خطاب الكراهية، وتعزيز المهنية، وترسيخ “حرية التعبير المسؤولة”، وها قد عدنا إلى كلمة “المسؤولة”. وقد جاء في كلمة وزير الإعلام في احتفالية إعلان المدونة، أنها ترمي إلى صون حرية التعبير من “الاستخدام الهدام”. وهنا يسارع السؤال إلى ضرورة التحديد، وعدم الاكتفاء بالمسحة الشعارية عند استخدام كلمات مثل “الهدام – البنّاء – المسؤولة”، وإن يكن ثمة من سيسارع إلى وصف المقصود من كل كلمة من هذه الكلمات بأنه من البديهيات والعموميات.
عارضت رابطة الصحافيين السوريين مدونة السلوك هذه، وهي الجهة التي قامت في الخارج بديلًا لاتحاد الصحافيين الأسدي سنة 2012. ومناط الاعتراض هو صدور المدونة عن وزارة الإعلام، ولأنه خرق للعمل الصحافي، وشرعنة للتدخل التنفيذي، وشرعنة للرقابة تحت غطاء أخلاقي مما يُعدّ أسوأ أنواع الرقابة.
للحصول على البطاقة الصحافية، وللمصادقة على الترخيص لمؤسسة صحافية، لا بد من المصادقة على المدونة العتيدة. ومن الأسئلة التي تسارع إليها، كما إلى ميثاق الشرف الذي أعلنه اتحاد الكتاب، عما فيهما وفي نظائرهما من محاولات لضبط حركة وإيقاع الكتّاب والصحافيين بدعوى التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الأخلاقية والمهنية. وبالتالي ما هي الحدود في اشتراط كتابة محتوى إعلامي “موضوعي” و”موثوق” و”متوازن”؟ أين هو ميزان الذهب؟
حدد ميثاق الشرف للإعلاميين السوريين خطاب الكراهية بأنه كل محتوى لفظي أو مرئي أو مسموع أو سلوكي يحرض على الكراهية أو العنف أو التمييز أو الإقصاء ضد فرد أو مجموعة، انطلاقًا من الهوية مما يتعلق بالدين أو القومية أو الإثنية أو اللغة. وينشأ خطاب الكراهية، بحسب الميثاق، عندما تُحمَّل مجموعة معينة بشكل غير عادل مسؤولية المشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية أو الأزمات الصحية أو التغيرات الثقافية. ولعل للمرء أن يتساءل هنا عما يعنيه “شكل غير عادل”، وعما إن كانت المجموعة حزبًا سياسيًا أو جماعة دعوية دينية مشاركة في الحكم أو حاكمة؟
ترى ألا يحمد الله، ويضحك في “عبّه” هذا أو هذه، ذاك أو تلك، وهؤلاء أو أولئك ممّن أفشوا ما أفشوا من خطاب الكراهية قبل صدور هذا الميثاق؟ ماذا يقول – مثلًا – كاتب سخر في رواية أو في مسلسل من لهجة فئة علوية أو درزية أو منطقة بدوية؟
ينص ميثاق الإعلاميين السوريين الكثير الهام على أن خطاب الكراهية ينتشر عندما يُستخدم مفهوم “نحن وهم”، وما أكثر وأمكر وأخطر من استخدم هذا المفهوم خلال سنة مضت، من الساسة والمثقفين الذين “يشبّحون” على شاشات التلفزيون أو ملء الزوايا والمقالات الصحافية!
في خطاب أولاء، وكما جاء في الميثاق، دعوات أو تلميحات إلى أفعال أو ممارسات قد “لا يجرمها” القانون السوري بوضوح، لكنها تهدف إلى منع أفراد أو مجموعات من التمتع بحقوقهم. لذلك، ولسواه، نصّ الميثاق على منع “الذم الجماعي”، وعلى منع استخدام أسلوب الاستهزاء أو السخرية أو التهكم لإهانة أشخاص أو جماعات أو مؤسسات. وفي فقرة من الميثاق خاصة بالتحريض، تم تعريفه بالدعوة إلى العمل العنيف، وعُدَّ من أخطر أشكال خطاب الكراهية لذلك يلتزم الموقعون على الميثاق بالامتناع عن الدعوة إلى العمل العنيف، والامتناع عن تحريض الجمهور على التحرك بذريعة الدفاع عن النفس أمام تهديدات مزعومة. وقد قدم الميثاق تعريفًا رحبًا لحرية المعتقد وحرية التعبير، وجاء فيه “يجوز تناول القضايا الدينية والعقائدية لأغراض معرفية أو حوارية أو نقدية علمية شريطة استخدام لغة تحترم الآخرين وتلتزم بالمسؤولية”.
| ينص ميثاق شرف الإعلاميين السوريين على أن خطاب الكراهية ينتشر عندما يُستخدم مفهوم “نحن وهم”، وما أكثر وأمكر وأخطر من استخدم هذا المفهوم خلال سنة مضت… |
من جديد “تطلع” لي كلمة المسؤولية بإبهامها أو بديهيتها أو اختلافاتها. ويتضاعف ذلك عندما نمضي في الميثاق إلى قوله: “يمثل احترام القيم الدينية والثقافية والعادات الاجتماعية واجبًا مهنيًا وأخلاقيًا يحفظ السلم الاجتماعي”. فالقيم أمر والعادات أمر. ولننظر مثلًا في شق الثياب واللطم وقص الشعر و”شحورة” الخدين تعبيرًا عن الفجيعة بموت عزيز: هل انتقاد هذه العادة ممنوع؟
من الحق أن “حرية التعبير لا تعني الإساءة إلى المعتقدات أو العادات” كما جاء في الميثاق. ولكن هل من الإساءة أي اعتراض أو نقد أو رفض؟
تتضاعف أهمية وحساسية مثل هذا السؤال عندما ينتقل الميثاق إلى ما يخص المرأة، وله من الرحابة في ذلك كما لحرية الاعتقاد أو لحرية التعبير، ولكن سرعان ما سيغللها الأمر بعدم نشر أو تداول أي محتوى يسيء إلى أو يسخر من الطقوس أو العادات أو اللباس. وهذا زواج القاصرات كمثال: مسموح تسليط الضوء عليها كواحدة من القضايا التي قد تواجه رفضًا مجتمعيًا في بعض الأماكن ولكن “بلغة مسؤولة”.
يا لكلمة “مسؤولة”!!
من المؤسف أن الميثاق نصّ على “إعداد لائحة بالمصطلحات والجمل والأفعال المحظورة، مع اقتراح بدائل مهنية مقبولة لها”: … صدقْ أو لا تصدق. ولننتظرْ على كل حال ما ستتفتق عنه عقلية التحليل والتحريم، فلا مطرح هنا لميزان الذهب، والعهدة هي لذاكرة وحافظة هذا الرقيب أو تلك الرقيبة، فضلًا عن حساسيتهما اللغوية والقيمية. وكان الميثاق قد أكّد على منع استخدام لغة تقلل من مكانة المرأة، مثل: ضعفها أو مكانها الطبيعي. كما أكد على أن القوالب النمطية ترسخ رأيًا عامًا يبرر الممارسات التمييزية اليومية ضد النساء، ومنه تقديم محتوى يحصر المرأة في أدوار منزلية أو جمالية، مقابل تصوير الرجال كقادة أكفاء في المجالات المهنية والسياسية. فماذا يريد من يعترض على هذا أو ذاك مما في الميثاق، أكثر من هذا الذي يخص المرأة؟ لكن الشيطان يكمن في التفاصيل، فهل يجوز مثلًا إلزام النساء بالجلوس في المقاعد الخلفية في الحافلات؟ وهل يجوز اختلاط الجنسين في المصاعد؟
على هذا النحو تنشأ التناقضات في الميثاق بين تقييد وإطلاق، بين تنظيم ومصادرة. ويبدأ الأمر من المادة الأولى التي تنص على تجنّب إنتاج أو تداول ما قد يهدد السلم الأهلي. حسنًا. لكن التتمة هي تجنب ما يزعزع ثقة الجمهور بالإعلام. حسنًا أيضًا، ولكن هل يعني ذلك منع انتقاد الإعلام الرسمي؟ وهل ينسجم ذلك أو نظائره في مواطن كثيرة من الميثاق مع المادة الثانية التي تنص على الالتزام بالقوانين النافذة في سورية، ولا تعدّ الإشارة إلى عيوب فيها، ولا الاعتراض عليها، مخالفة؟
لأسارعْ إلى التوكيد، مرة بعد مرة، على أن هامش حرية التعبير بات أعرض بعد سقوط نظام البعث/ الأسدين. ومن البراهين الحديثة والقوية على ذلك هذا الذي كتبه شعبان عبود في ملحق سورية الجديدة، عدد 2025/2/17، ومنه أن سورية تُدار بعقلية الجماعة لا بعقلية الدولة، وأن سياسة الإقصاء مستمرة، حيث يجري تغليب الانتماء الضيق على معايير الكفاءة والخبرة. وكتب شعبان عبود أن طاقات كبرى دبلوماسية واقتصادية وثقافية وإعلامية يجري إقصاؤها، والاستثناءات ليست غير خطوة تجميلية. فالأفضلية للمحسوبين على هيئة تحرير الشام، وهنا نقرأ: “كأن الدولة تحولت إلى مساحة مغلقة او مزرعة خاصة لإعادة توزيع المواقع بين الإخوة المجاهدين”. ويمضي الإعلامي المرموق الذي يعمل مراسلًا في واشنطن لتلفزيون سورية إلى المؤسسة العسكرية، فيكتب أن رواتب المحسوبين على هيئة تحرير الشام أكبر من رواتب الفصائل، وكذلك هو نصيب أولئك المحسوبين من المواقع القيادية. ومعيار الراتب بعامة هو في الجغرافيا “إدلب” وفي الانتماء السابق، وليس في الخبرة ولا المؤهل، عدا عن التعيينات العائلية، وعن مرجعية الشيخ الإدارية في دوائر الدولة!
والآن، ماذا لو تنطّع غضنفر متسلحًا بالكلمة المسؤولة والنقد البناء وما أدراك، وعدّ ما كتبه شعبان عبود من قبيل “التضليل أو نشر الأخبار الكاذبة”، ونقضًا لمواثيق الشرف المتتالية؟ ماذا سينفع شعبان عبود وأمثاله التغني بالسقف العالي لحرية التعبير في وجه هكذا غضنفر؟
***
في الخامس عشر من شباط/ فبراير عقدت وزارة الأوقاف السورية مؤتمرها الأول تحت شعار “رحم بين أهله”، ويرمي إلى “خطاب إسلامي معتدل ومتوازن يحترم خصوصية المجتمع”، كما يرمي إلى “وحدة الكلمة في القضايا الدينية”. وقد تتوّج المؤتمر الذي استمر يومين بـ “ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي” الذي عُدَّ “عقدًا وطنيًا جامعًا لأهل العلم والدعاة في سورية”، كما عُدَّ عهدًا وطنيًا. وتواترت الأنباء عن اجتماع ألف وخمسمائة “شخصية علمية ودعوية” سورية في المؤتمر الذي هيأت له أربع عشرة ورشة في مديريات الأوقاف في المحافظات، وتلتها ورشات مركزية في دمشق. ولقد رأيتني أتساءل عما إذا لم يكن من المفيد، وربما من الضروري، أن يستضيف مثل هذا المؤتمر شخصيات دينية من المسيحيين، بل ومن الإسماعليين والعلويين والدروز، ذلك أن مثل تلك الاستضافة، سواء شارك الضيوف في المناقشات أم لا، كانت ستعبّر عن الانفتاح والتفاعل في الفضاء الديني، مما يعزز ويثري الانفتاح والتفاعل في الفضاء العام.
وعلى أية حال، من المهم أن يُذكر في هذا السياق قولان لرئيس الجمهورية أحمد الشرع. أما القول الأول فهو أن سورية ليست في حالة رفاهية للدخول في خلافات فكرية عمرها قرون طويلة. وفي القول الثاني: “لدينا أولويات كثيرة في سورية منها التركيز على الضبط الأخلاقي المجتمعي”. أما وزير الأوقاف فقد تحدث عن العمل لتكون المساجد منبرًا يعلم العالم الوسطية والاعتدال والسلم الأهلي بين المكونات السورية، وتحدث الوزير عن الابتعاد عن “خطاب الكراهية التحريضي الذي يثير الفتنة والطائفية والمذهبية”. وعن “ميثاق وحدة الخطاب الإسلامي” جاء أنه “يلم أطياف الهوية الدينية الإسلامية، ويضبط مسار العمل الديني في مواجهة التحديات الراهنة”. وفي بنود الميثاق أن الإسلام مرجعية دينية وتشريعية وأخلاقية وحضارية جامعة، لا يجوز توظيفها لخدمة حزب أو طائفة أو جماعة.
وهنا، من الأهمية والضرورة بمكان أن الميثاق يرفض “احتكار” الإسلام ودعوى الأكثرية والأقلية، واللبوسات الحزبية والطائفية لهذه الدعوى. كما أن الميثاق لم يقل بالإسلام مرجعًا وحيدًا. وقد شدد على عصمة الدم وحرمة استحلاله تحت أي ذريعة فكرية أو مذهبية، وعلى توقير الصحابة وآل البيت ومنع الطعن أو الإساءة إليهم، أو الغلو فيهم. وهنا يأتي قول ثالث لرئيس الجمهورية في المؤتمر الذي أطلق الميثاق. والقول هو أن تنوع المجتمع السوري يستوجب خطابًا يحقق التوازن، ويمنع التحريض أو إثارة النعرات الطائفية.
ثمة من تساءل عن موقع وموقف “علماء” الإخوان المسلمين وأصنائهم ممن كانوا يرفلون في ركاب الأسد الأب بخاصة، والابن أيضًا، من أحمد كفتارو إلى محمد رمضان سعيد البوطي وركبهما. والأهم هو ما اعترض به آخرون على المؤتمر الأول لوزارة الأوقاف، وعلى الميثاق الذي انبثق عنه، من حيث أن وحدة الخطاب الإسلامي تعني وحدة الموقف السياسي كداعم للسلطة عبر المساجد. وكذلك هو التخوّف مما يعنيه الضبط الأخلاقي والمجتمعي.
هكذا تدفّق موسم مواثيق الشرف في سورية، من الكتّاب إلى الإعلاميين إلى خطباء المساجد والدعاة، وحيث لا تخفى وحدة النبع أو الإشراف، ابتداءً بالوقوف ضد خطاب الكراهية وضد التحريض الطائفي. وإذا كان اتحاد الناشرين لا يزال بلا ميثاق، فلا أظن أن الأمر ذا بال، مثلما هو أيضًا مع “اللجنة الوطنية للدراما” التي سمّت إدارة الشؤون السياسية رئيسها مروان الحسين. وقد أكد الحسين أن مهمة اللجنة هي تنظيم العلاقة بين الدولة وقطاع الدراما، وأكد أنْ ليس لها دور رقابي، وأن سقف الرقابة سيكون مرتفعًا، وأننا “رفعنا سقف الحريات”. لكن اللجنة الوطنية للدراما أوقفت مسلسل “القيصر لا زمان لا مكان” عقب الاحتجاجات المجتمعة ضده، مما أطلق السؤال عما إذا كان تراجع الرقابة السياسية يقابله نمو الرقابة المجتمعية.
ترى ألم يئن الأوان بعد خمسة عشر شهرًا من سقوط نظام البعث – الأسدين إلى الخروج بموسم “تدفق مواثيق الشرف” من شبهات أو حقيقة تطويب المجال العام إلى إطلاق المشاركة المجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني – ليس بالتعيين – والحياة السياسية “الأحزاب، الانتخابات…”، فليس بالأمن وحده يحيا الإنسان، على الرغم من الأهمية القصوى للأمن الذي يعني الأمان ويوفّره.