مرة أخرى يقف الكردي أمام لحظة مألوفة، يستعد فيها التاريخ كي يعيد نفسه.
مرة أخرى تُفتح الأبواب أمام فكرة تسليح مجموعات كردية في إيران للضغط على طهران.
ومرة أخرى يُطلب من الكردي أن يلعب دوره في لعبة أكبر منه.
هذا المشهد رواه لنا آباؤنا، ورويناه نحن لأبنائنا.
في 1975،
وفي 1988،
وفي 1991،
ومؤخرًا في روجافا.
في كل مرة دخل الكردي تحالفاً غير متكافئ مع قوة كبرى.
وفي كل مرة تغيّرت المصالح والاستراتيجيات، وعُقدت الصفقات، وبقي الكردي وحده في الميدان يدفع الضريبة.
عندما تتحدث القوى الكبرى عن فرص، فمن الطبيعي أن تحاول الشعوب المظلومة استغلالها.
لكن المشكلة أن الفرصة في السياسة الدولية ليست دائماً فرصة.
قد تكون في كثير من الأحيان فخاً، يمشي إليه المغلوب على أمره بكامل وعيه.
وتاريخنا مليء بهذه الأفخاخ.
فالحركات الكردية كثيرًا ما دخلت صراعات الدول، أو حاولت استغلالها، دون اتفاق سياسي واضح أو ضمانات حقيقية لمستقبلها.
وعندما تغيّرت المعادلة، اكتشف الكردي متأخراً أنه كان الجزء الفاعل في المعركة، لكنه لم يكن جزءً من التسوية.
اليوم، لا المعركة واضحة، ولا التسوية قريبة.
والإشارات القادمة من واشنطن متناقضة.
فبينما تتحدث التقارير عن دعم محتمل لمجموعات كردية مسلحة داخل إيران بهدف استنزاف قوات النظام وتشجيع اضطرابات داخلية، يرسل دونالد ترامب رسالة مختلفة تماماً: تغيير النظام في إيران ليس هدفه.
بل قال بوضوح، خلال لقائه المستشار الألماني في البيت الأبيض، إن التغيير يجب أن يأتي من “الناس داخل إيران”.
وهو لا يرى في قوى المعارضة الخارجية — بما فيها شخصيات المنفى مثل نجل الشاه — بديلاً سياسياً للنظام.
إذا كان الأمر كذلك، فإن أي دور كردي في هذه المعادلة سيكون تكتيكياً لا استراتيجياً.
سيكون وسيلة ضغط، لا مشروعاً سياسياً.
بمعنى آخر: سيصبح الكردي أداة لا شريكاً.
ولا توجد حتى الآن أي إشارة إلى وجود سياسة أمريكية واضحة تجاه الكرد في إيران، أو حتى تجاه القضية الكردية في المنطقة.
ومن دون إطار سياسي، لن يكون الكرد جزءً من أي استراتيجية مستقبلية. بل سيكونون مجرد أداة داخل استراتيجية لا تعنيهم. والتاريخ الكردي مليء بهكذا دروس.
في 1975 انتهت الثورة الكردية في العراق، بعد اتفاق الجزائر بين صدام حسين وشاه إيران.
في لحظة واحدة تغيّرت الحسابات.
لم يتغير الكرد…
لكن تغيرت المصالح.
والنتيجة كانت معروفة.
وفي روجافا (كردستان سوريا)، كان الكرد الحليف الأكثر موثوقية لواشنطن في الحرب ضد داعش.
لكن عندما تغيّرت أولويات المنطقة، تغيّرت قيمة هذا التحالف بسرعة.
ما كان يوصف بأنه حجر أساس للاستقرار، وصفه لاحقًا توم براك بأنه تحالف “انتهت صلاحيته إلى حد كبير”.
القوى الكبرى نادراً ما تبني التزاماً طويل الأمد مع قوى غير دولية، خصوصًا عندما تكون تلك القوى بلا دولة تحميها.
وهناك حقيقة أخرى واضحة:
الولايات المتحدة لم تُظهر يوماً استعدادها لإعادة رسم حدود المنطقة من أجل الكرد.
دروس حاول كل من التاريخ والجغرافيا إفهامها لنا منذ مطلع القرن الماضي. فكلما ظهرت القضية الكردية على طاولات التفاوض بين الدول، كانت غالباً ورقة من بين أوراق عديدة.
وأحيانًا…
أول ورقة يتم التخلي عنها.
لهذا، السؤال الحقيقي للكردي اليوم ليس:
هل الضغط على طهران مبرر؟
السؤال هو:
هل مشاركتي في هذه الاستراتيجية تجعلني أكثر أمناً؟
أم أنها ستجعل مدننا مرة أخرى، خط المواجهة في صراع لا نملك قراره؟
لقد ضربت إيران قواعد معارضتها الكردية داخل إقليم كردستان بالصواريخ والطائرات المسيّرة مرات عديدة.
وأي تصعيد جديد قد يحول المناطق الكردية إلى ساحة حرب.
يقول لي أصدقاء غير أكراد:
“الكرد لا يتعلمون الدرس.”
ربما تبدو العبارة قاسية. لكنها تعكس تجربة تاريخية مؤلمة، وسعياً دائماً للتغيير، نابعاً من يأس كبير من واقع التعامل مع الجيران.
كثيراً ما يدخل الكردي صراعات القوى الكبرى. وهو يأمل أن يكون الأمر مختلفاً هذه المرة.
وأحياناً يكون مختلفاً. لكن في كثير من الأحيان… لا يكون كذلك.
قبل أن يسمح القادة الكرد بأن تتحول أراضيهم أو قواتهم إلى جزء من مواجهة إقليمية جديدة، عليهم أن يسألوا أنفسهم سؤالًا بسيطًا:
هل هذه معركة الكردي… أم معركة الآخرين؟
قد يكون الضغط على طهران جزءً من استراتيجية واشنطن.
لكن حماية الكرد يجب أن تكون استراتيجية الكردي.
وهاتان الاستراتيجيتان… ليستا بالضرورة الشيء نفسه.