
يتخذ المقاتلون البلوش من المناطق الجبلية الوعرة مع باكستان ملجأ لتنظيم عملهم المسلح ضد النظام (مواقع التواصل)
المصدر .اندبندنت عربية
ملخص
مع استمرار النقاش حول مستقبل النظام السياسي في إيران وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، في ظل الهجوم العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، إضافة إلى حالة الانسداد السياسي والعزلة الدولية التي يمر النظام الإيراني، تبقى القضية البلوشية جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإدارة التنوع القومي والثقافي داخل إيران. وهو ما يجعلها موضوعاً مهماً للبحث والمتابعة ضمن سياق التحولات السياسية الإقليمية واستشراف مستقبل الدولة الإيرانية.
تعد بلوشستان واحدة من أكثر الأقاليم حساسية في الجغرافيا السياسية لإيران والمنطقة المحيطة بها. فعلى رغم موقعها الاستراتيجي وثرواتها الطبيعية وتاريخها السياسي، بقيت القضية البلوشية واحدة من أقل القضايا حضوراً في الخطاب السياسي والإعلامي داخل الشرق الأوسط. ويعيش الشعب البلوشي داخل إقليم تاريخي واسع يتوزع اليوم بين إيران وباكستان وأفغانستان، ويواجه تحديات سياسية واقتصادية وثقافية مستمرة منذ عقود.
تقع بلوشستان في منطقة جغرافية تربط بين الشرق الأوسط وجنوب آسيا وآسيا الوسطى، وتمتد سواحلها على بحر العرب وبحر عمان والمحيط الهندي بطول يقارب ألف كيلومتر. وتطل هذه السواحل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم هو مضيق هرمز، الذي يعبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية.
وتكتسب المنطقة أهمية إضافية بسبب قربها من موانئ استراتيجية مثل ميناء تشابهار الإيراني وميناء جوادر في باكستان، فضلاً عن موقعها الذي يربط بين طرق التجارة والطاقة الإقليمية، بما في ذلك خطوط الغاز والنقل التي تربط إيران وباكستان والصين والهند.
كما أن الموقع الجغرافي لبلوشستان جعلها تاريخياً ممراً للقوافل التجارية ضمن طرق التجارة القديمة مثل طريق الحرير، ومسرحاً لتحركات القوى العسكرية عبر التاريخ، من الإمبراطورية الفارسية القديمة إلى جيوش الإسكندر المقدوني، مروراً بالإمبراطوريات المغولية والبريطانية.
وخلال عام 2004، تحدثت تقارير صحافية إيرانية عن اكتشاف 16 موقعاً محتملاً للنفط والغاز في البلاد، استقطبت اهتمام شركات دولية كبرى. وتشير تلك التقارير إلى أن عدداً كبيراً من هذه المواقع يقع ضمن نطاق بلوشستان أو المناطق المتاخمة لها، بما في ذلك مناطق مكران وشرق بحر عمان وجازموريان وسروان وغيرها.
وخلال ديسمبر (كانون الأول) 2012 أعلن مدير مشروع استكشاف احتياطات غاز الهيدرات في بحر عمان ناصر كشاورز أن المسوحات البحرية الحديثة كشفت عن احتياطات ضخمة من هذا النوع من الغاز، قد تعادل إجمال الاحتياطات التقليدية للبلاد من النفط والغاز.
إلى جانب ذلك، تشير الدراسات الجيولوجية إلى وجود معادن ثمينة في الإقليم من بينها الذهب والنحاس، إضافة إلى موارد طبيعية أخرى لم تُستثمر على نطاق واسع.
هذه العوامل مجتمعة منحت بلوشستان أهمية جيوبوليتيكية كبيرة، وجعلتها موضع اهتمام دائم من القوى الإقليمية والدولية.
الأبعاد الاستراتيجية والتحركات العسكرية
بعد الإعلان عن اكتشافات الطاقة في بحر عمان عام 2012، أجرت القوات البحرية الإيرانية والحرس الثوري مناورات بحرية في منطقة مكران.
وخلال فبراير (شباط) 2013 أعلن قائد البحرية الإيرانية آنذاك الأدميرال حبيب الله سياري إنشاء قاعدة بحرية جديدة في ميناء “بسابندر”، الواقع على الساحل الإيراني لبحر عمان قرب الحدود الباكستانية.
تزامن ذلك مع تطورات إقليمية أخرى، إذ أعلنت باكستان خلال الفترة نفسها نقل عقد تشغيل ميناء جوادر إلى شركة موانئ الصين لما وراء البحار القابضة، ضمن خطوة اعتبرها مراقبون جزءاً من تنامي الحضور الصيني في المنطقة.
وشهد فبراير 2013 توقيع اتفاق أمني بين إيران وباكستان لتعزيز التعاون الأمني بين البلدين. وأكد وزير الداخلية الإيراني آنذاك مصطفى محمد نجار أن الحكومتين جادتان في توسيع التعاون الثنائي وتطوير العلاقات بينهما.
ويرى بعض المحللين أن هذه التحركات تعكس اهتماماً متزايداً من جانب إيران وباكستان والصين بالأهمية الجيوسياسية لبلوشستان، سواء من حيث موقعها الاستراتيجي أو مواردها الطبيعية، وكذلك دورها المحتمل في ربط آسيا الوسطى بالمياه الدولية.
الجذور التاريخية للحكم البلوشي
شهدت بلوشستان في مطلع القرن الـ18 قيام كيان سياسي موحد نسبياً تحت حكم خان قلات نصر خان نوري، الذي بسط نفوذه على أجزاء واسعة من الأراضي البلوشية التاريخية. واستمر هذا الكيان حتى بداية التوسع البريطاني في شبه القارة الهندية.
ومع تصاعد النفوذ البريطاني داخل المنطقة، بدأت بريطانيا في رسم الحدود السياسية الحديثة للمنطقة وفق مصالحها الاستراتيجية. فخلال عام 1871 وقع اتفاق “كلدسميت لاين” بين بريطانيا والدولة القاجارية في إيران، والتي أسفرت عن ضم القسم الغربي من بلوشستان إلى إيران.
وخلال عام 1893 وقع اتفاق “خط دوراند” بين بريطانيا وأفغانستان، التي أدت إلى تقسيم مناطق أخرى من الأراضي البلوشية، بينما بقي الجزء الشرقي تحت النفوذ البريطاني غير المباشر ضمن حدود الهند البريطانية.
وبعد استقلال الهند عام 1947، أعلنت دولة قلات البلوشية استقلالها لفترة قصيرة، غير أن القوات الباكستانية دخلت الإقليم خلال مارس 1948 وضمت الجزء الشرقي من بلوشستان إلى باكستان.
بلوشستان الغربية تحت الحكم الإيراني
أما القسم الغربي من بلوشستان، الواقع ضمن إيران اليوم، فقد شهد تحولات سياسية عميقة خلال فترة الدولة القاجارية ثم الدولة البهلوية.
فبعد صراعات طويلة مع السلطة المركزية، تمكنت القوات الإيرانية في عهد رضا شاه بهلوي من إخضاع المنطقة عسكرياً خلال ثلاثينيات القرن الـ20، واعتُقل الحاكم المحلي مير دوست محمد خان وإعدامه لاحقاً في طهران، وهو ما شكل نقطة تحول في تاريخ المنطقة.
ومنذ ذلك الوقت بدأت الدولة الإيرانية تطبيق سياسات مركزية تهدف إلى دمج الأقاليم الطرفية في إطار الهوية القومية الإيرانية، وهو ما رافقه اتهامات من قبل ناشطين بلوش باتباع سياسات التفريس الثقافي واللغوي.
سياسات الدولة الإيرانية والهوية الثقافية للشعب البلوشي
تتمحور الانتقادات التي يطرحها ناشطون بلوش حول مجموعة من السياسات التي يرون أنها استهدفت الهوية الثقافية للإقليم، من بينها الحد من استخدام اللغة البلوشية في التعليم والإعلام، وتغيير أسماء بعض المناطق التاريخية، وإلحاق أجزاء من الإقليم بمحافظات إيرانية أخرى مثل كرمان وخراسان وهرمزغان.
ويشير هؤلاء إلى التفاوت التنموي بين بلوشستان وبقية المناطق الإيرانية، إذ يعاني الإقليم نسباً مرتفعة من الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية.
ويضاف إلى ذلك البعد المذهبي، إذ يشكل البلوش غالبية سنية في دولة يغلب عليها الطابع الشيعي، مما يضيف بعداً دينياً إلى التوترات السياسية والاجتماعية في المنطقة.
تطور الحركة السياسية البلوشية
شهدت الحركة السياسية البلوشية مراحل متعددة من التطور منذ منتصف القرن الـ20. فخلال أربعينيات القرن الماضي برزت أولى حركات المقاومة المسلحة بقيادة شخصيات محلية، من أبرزها المناضل دادنياه بن كمال، الذي يعد من الرموز المبكرة للحركة الوطنية البلوشية.
وخلال ستينيات القرن الماضي تأسست “جبهة بلوشستان” بقيادة شخصيات قبلية بارزة، مستفيدة من التحولات السياسية الإقليمية في تلك الفترة. إلا أن نشاط الجبهة تراجع بعد توقيع اتفاق الجزائر بين إيران والعراق خلال سبعينيات القرن الـ20.
وفي العقود اللاحقة انتقل جزء من النشاط السياسي البلوشي إلى المجال الطلابي والثقافي، إذ تأسست اتحادات طلابية ومنظمات ثقافية في مدن مثل زاهدان وإيرانشهر، من بينها “المنظمة الديمقراطية للشعب البلوشي” التي لعبت دوراً في الحراك السياسي داخل الإقليم.
وانخرط عدد من الناشطين البلوش في الحركات اليسارية الإيرانية خلال السبعينيات والثمانينيات، مثل منظمة “فدائيي خلق” ومنظمة “مجاهدي خلق” وتنظيمات يسارية أخرى، قبل أن تتجه الحركة لاحقاً نحو تشكيل تنظيمات سياسية مستقلة.
الأحزاب والتيارات السياسية البلوشية المعاصرة
شهدت العقود الأخيرة بروز عدد من الأحزاب والتنظيمات السياسية البلوشية التي تنشط في الغالب خارج إيران، نتيجة القيود السياسية المفروضة في الداخل. ومن أبرز هذه التنظيمات حزب الشعب البلوشي، الذي يدعو إلى إقامة نظام ديمقراطي فيدرالي في إيران، ويعد من أقدم الأحزاب السياسية البلوشية، كما أنه عضو في “مؤتمر القوميات الفيدرالية في إيران”. ومن بين القوى الأخرى الجبهة المتحدة لبلوشستان إيران وائتلاف حركة المناضلين الوطنيين في بلوشستان، إلى جانب تنظيمات وقوى سياسية أخرى، ينتهج بعضها العمل المسلح في مواجهة النظام الإيراني.
وتنشط إلى جانب هذه القوى شبكات من النشطاء والمنظمات المدنية التي تتبنى خطاباً علمانياً يركز على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة.
البعد المذهبي وتصاعد التوتر
شهد العقدان الماضيان تصاعداً ملحوظاً في التوترات ذات الطابع المذهبي داخل المنطقة، في ظل التنافس الإقليمي بين القوى السنية والشيعية، وهو تنافس كثيراً ما يُسهم في تغذيته الخطاب السياسي والأمني للنظام الإيراني. وانعكس هذا المناخ الإقليمي على إقليم بلوشستان، إذ برزت جماعات مسلحة ذات خلفيات دينية من بينها تنظيم “جند الله” الذي نفذ خلال العقد الأول من القرن الـ21 عدداً من العمليات استهدفت مواقع وقوات أمنية إيرانية. و”جيش العدل” الذي تأسس على أنقاض حركة “جند الله” البلوشية بعد إعدام زعيمها عبدالمالك ريغي خلال يونيو (حزيران) 2010، إذ تستهدف الدفاع عن حقوق البلوش وأهل السنة، وتعد من أبرز التنظيمات المسلحة في إيران.
وتصنف السلطات الإيرانية هذه الجماعات ضمن التنظيمات الإرهابية، في حين يرى بعض أنصارها أنها تمثل رد فعل على السياسات الأمنية والقيود السياسية المفروضة في الإقليم، وما يصفونه بالتهميش السياسي والاقتصادي الذي يعانيه سكانه.
التفاعل بين التيارين القومي والديني
من السمات اللافتة في الحراك البلوشي المعاصر وجود تقاطع بين التيار القومي والتيار الديني في الدفاع عن حقوق البلوش. فقد برزت شخصيات دينية وسياسية لعبت دوراً في هذا التقارب، من بينها علماء دين ونشطاء مدنيون سعوا إلى الجمع بين المطالب القومية والدفاع عن الحقوق المذهبية.
ويعد رجل الدين البلوشي مولوي عبدالحميد من أبرز الشخصيات الدينية التي لعبت دوراً في الخطاب السياسي والاجتماعي في الإقليم خلال العقود الأخيرة.
الإعلام والهوية الثقافية
تواجه النخب البلوشية تحديات كبيرة في مجال الإعلام والثقافة، وبخاصة في ظل القيود المفروضة على استخدام اللغة البلوشية ضمن وسائل الإعلام الرسمية. ولذلك يعتمد عدد من الحركات السياسية والمدنية على وسائل الإعلام البديلة والمنصات الرقمية لنشر الثقافة البلوشية وتعزيز الوعي السياسي بين أبناء المجتمع.
وعليه، تشكل بلوشستان مثالاً معقداً لتداخل العوامل الجغرافية والتاريخية والسياسية في تشكيل الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط. فالإقليم يجمع بين موقع استراتيجي بالغ الأهمية، وتاريخ سياسي حافل، وتنوع قومي ومذهبي يطرح تحديات مستمرة أمام الدولة المركزية.
ومع استمرار النقاش حول مستقبل النظام السياسي في إيران وطبيعة العلاقة بين المركز والأطراف، في ظل الهجوم العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة بمشاركة إسرائيل، والتوترات الإقليمية المتصاعدة، إضافة إلى حالة الانسداد السياسي والعزلة الدولية التي يواجهها النظام الإيراني، تبقى القضية البلوشية جزءاً من معادلة أوسع تتعلق بإدارة التنوع القومي والثقافي داخل إيران. وهو ما يجعلها موضوعاً مهماً للبحث والمتابعة ضمن سياق التحولات السياسية الإقليمية واستشراف مستقبل الدولة الإيرانية.
اندبندنت عربية