بدأتُ رحلتي على الطريق الدولي (M4) الذي ينطلق من مدينة اللاذقية صوب الشرق، على جانبيه ظهرت في بعض الأماكن خيام منصوبة حديثاً. قالَ سائق السيارة إنها تعود لمن يقال إنهم مجموعات من البدو الذين استقروا حديثاً في المنطقة، ثم حذرني من التقاط أي صور لتلك الخيام. بعد دقائق، برزت لافتة كُتِبَ عليها اسمُ المختارية مع سهم يُشير إلى القرية. انعطفَ السائق ودخلنا.

قرب مفرق المختارية (الجمهورية.نت)

يسود المختارية هدوء حذر حتى الآن، رغم مرور ما يقارب العام على المجزرة. بعضُ المنازل ما زالت دون ترميم، وآثارُ الحريق واضحة على جدرانها. يُشير السائق إلى بيوت مغلقة قائلاً إن جميع قاطنيها توفوا، ويتوقف أمام أحدها ليقول: «هذه العائلة مُحي أثرها».

تتحرك النساء ببطء، يتحاشينَ النظر إلى الغرباء، معظمهنّ يرتدين السواد، وغطاءُ الرأس حاضر بقوة في المشهد.

تبدو وتيرة الحياة أسرع نسبياً في قرية الصنوبر، الواقعة بين جبلة واللاذقية إلى جوار الطريق الدولي. بعض المحال مفتوحة، والسواد أقل حضوراً مما هو عليه في المختارية، وكذلك الأغطية على رؤوس النساء أقل حضوراً. حركة الشبّان الذين نجوا من المجزرة واضحة في القرية، لكن آثار العام الماضي لا تغيب عن المكان.

أما في حي القصور في بانياس، فكثيرٌ من المنازل ما تزال مغلقة. على إحدى الشرفات نُشِرَت ملابس سوداء، والحركة في الحي محدودة. تتحرك النساء هنا بحذر أشدّ من الصنوبر، وحتى من المختارية. وعلى خلاف الدعتور وجبلة حيث تختلط الخلفيات الدينية للسكان، تبدو علامات الفقد أكثر وضوحاً في أزقة حي القصور؛ الصمت الطويل والنظرات الشاردة تكشف البيوت التي خسرت أبناءها قبل عام.

من مدافن ضحايا مجزرة حي القصور في مقبرة الشيخ هلال (الجمهورية.نت)

في آذار (مارس) 2025 شهد الساحل السوري وأجزاء من ريف حماة موجة عنف دامية، وعلى إثر ذلك شكلت السلطات السورية لجنة تحقيق. وبحسب تقارير جهات عدة، بينها منظمات حقوقية دولية ومحلية فضلاً عن اللجنة التي شكلتها السلطة، قُدِّرَ عدد الضحايا من المدنيين بين 1400 و1700، فيما قُتل من عناصر الأمن ما يتراوح بين 200 و300. واعتبرت منظمات حقوقية أن ما جرى يرقى إلى جرائم حرب ذات خلفيات طائفية.

قبل عام كان البكاء والصراخ يملآن هذه المناطق وغيرها في الساحل السوري. اليوم انقشع الدخان وانطفأت الحرائق، لكن الحزن ما يزال مُقيماً، وقد رافقني سؤالٌ خلال جولتي هذه، بعد ما يقتربُ من عام: كيف ودّعَ هؤلاء الناس موتاهم؟ وكيف يذكرونهم بعد عام؟ لم تكن الإجابات على السؤال تتحدث عن طقوس جنائزية اعتيادية، بل عن حرمان من الطقس نفسه، وعن وداعٍ لم يكتمل، أو لم يُسمَح له أن يبدأ.

دفن تحت النار

تُرشدني إحدى نساء المختارية إلى المقبرة. تمشي بجانبي وقد غطّت رأسها، ولا أعرف إن كان ذلك من عادات القرية أم تدبيراً جديداً. أسألها عن البيوت المغلقة، فتُجيب بصوت منخفض، وكأنها تبوح بسر: «مات كل من في هذا البيت. أما ذاك البيت فقد نجت منه امرأة وانتقلت لتسكن مع أهلها». وصلنا مقبرة الخريبة المجاورة للمختارية، وتجاوزناها إلى بقعة ترابية أبعد حيث توجد المقبرة الجماعية. هناك أشارت بإصبع مُرتجِف: «معظم ضحايا المختارية والخريبة هنا». كانت المقبرة مجرد أرض محاطة ببعض الحجارة، بلا شواهد باستثناء بضع شجيرات آس غرست فوق القبور. بدأ صوت المرأة يتهدّج وهي تشد غطاء رأسها بتوتر: «هنا يرقد إخوتي أيضاً». قُتلَ في هذه القرية نحو 180 شخصاً في آذار الماضي.

المدفن الجماعي لضحايا مجازر المختارية والخريبة (الجمهورية.نت)

بحسب روايات السكان، بقيت الجثث في العراء أياماً قبل أن يُسمَح بدفنها: «جاء شبان من القرى المجاورة ووضعوا الجثث في سيارات بيك آب أو على دراجات نارية. ونُقلت إلى حفرة أُعِدَّت في الخريبة. لم يحفروا عميقاً. وَضعوا الجثث ورَدموا التراب. لم يسمح عناصر السلطة لنا بحضور الدفن، وحددوا وقت الدفن بساعتين فقط». وأضافت أن بعض شبان القرية دُفنوا في قرى مجاورة، إما لأن الحفرة لم تتسع للجميع، أو لأن أقرباء لهم في تلك القرى استطاعوا نقل جثامينهم.

لم يكن شكل الدفن نفسه في جميع المناطق التي شهدت مجازر. في قرية الصنوبر، حيث قُدِّرَ عدد الضحايا بأكثر من 200 شخص، كانت الأعداد أكبر من أن تستوعبها المقابر. بعض العائلات دفنت ضحاياها في فناء المنزل، وآخرون نقلوا موتاهم إلى قراهم الأصلية، أما القسم الأكبر فدُفن في مقبرة جماعية داخل القرية أو في قرية كفرشمسين المجاورة.

صورة متداولة على الإنترنت للمدافن الجماعية لضحايا مجزرة الصنوبر قبل كتابة أسمائهم عليها

تقول إحدى نساء الصنوبر، التي خسرت أباها وأخاها وأبناء عمومتها، إن جثث الضحايا بقيت ثلاثة أيام في العراء أو داخل المنازل. وبحسب السيدة سمحَ الفصيلُ المنتشر في القرية لاحقاً بعملية الدفن وقال عناصره لهم: «تعالوا ادفنوا فطايسكم». ترتسم على وجهها ابتسامة ساخرة وهي تتابع ودموعها تنهمر: «أخي كان ملاكاً، لم يكن فطيسة». تروي أنهم مُنِعوا من البكاء والعويل على أحبتهم، وأن بعض النساء هُدِّدْن من قبل عناصر الفصيل بالقتل إن أصدروا أي صوت. كان عليهم فقط دفن الضحايا، حتى دون إقامة الصلاة عليهم. تضيف أنهم حفروا عدة حفر ووضعوا فيها الجثث، وفي وقت لاحق، وبمبادرة من بعض الأهالي، وُضِعَت شواهد على القبور تحمل أسماء الضحايا جميعهم، لكن لا أحد يعرف بالضبط في أي رقعة من التراب يرقد صاحب كل اسم. كما عُثر على بعض الجثث بعد 15 يوماً في منطقة قريبة، قُتل أصحابها لحظة اقتحام القرية، لكن تأخر اكتشافهم أياماً، ولولا الرائحة لما عرف أحد بوجودهم.

المدافن الجماعية لضحايا مجزرة الصنوبر (الجمهورية.نت)

في حي القصور في بانياس، الذي خسرَ أكثر من 300 ضحية، كان الوضع مختلفاً عن المختارية وعن الصنوبر أيضاً. في صباح الأحد التاسع من آذار (مارس) 2025، خرج الناجون من الحي باتجاه مساكن مصفاة بانياس، بمرافقة عناصر من الأمن العام وَفَّروا لهم الحراسة، وفقَ ما رواه أحد أهالي بانياس. لاحقاً، وصلت فرق الهلال الأحمر والدفاع المدني ونقلت جميع الجثث إلى مستشفى بانياس الوطني، وطُلِبَ من الأهالي الحضور والتعرُّف على ذويهم. دُفنَ معظم الضحايا في مقبرة الشيخ هلال، لكن بعض العائلات أصرّت على نقل أحبتها إلى قراهم الأصلية في ريف بانياس أو جبلة ودفنهم هناك. لاحقاً، تبرَّعَ أحد أبناء المدينة بتنظيم المقبرة، فوُضِعَت شواهد على كل قبر، بعضها حمل أكثر من اسم، وبعضها الآخر كُتِب عليه «مجهول الهوية» في إشارة إلى جثث لم يتعرّف عليها أحد. تقول ناجيةٌ إن صلاة الجنازة أُقيمت على الضحايا، لكن عدد المشاركين كان محدوداً جداً؛ فمعظم أهالي الحي كانوا قد فرّوا من منازلهم، وكثيرون ممّن بقيوا لم يشعروا بالأمان الكافي لحضور الدفن. عملية التعرُّف على الجثث تمت غالباً بواسطة الجيران أو الأقارب، وليس بالضرورة من قبل ذوي الضحايا أنفسهم.

في مدينة جبلة، تحكي سيدة في أواخر العقد الخامس أنها حاولت مراراً إنقاذ وحيدها الجريح ونقله إلى المشفى، لكن فرق الإسعاف لم تتمكن من دخول المدينة حتى فوات الأوان. لاحقاً، تولى قريب لها نقل جثة زوجها وابنها إلى قريتهم ودفنهما وفق التقاليد الدينية. أما بقية الضحايا، فقد نقلوا إلى مشفى جبلة الوطني، ثم سُلّموا لذويهم لدفنهم في قراهم. في الدعتور، حيث قُتل نحو 80 شخصاً، تكررت المشاهد ذاتها. بعضهم دُفن في مقبرة الحي، وآخرون نقلوا إلى المشفى ثم إلى قراهم، كما حدث في بقية المناطق التي شهدت أعمال العنف.

التقيتُ في العام الماضي بأحد عناصر الدفاع المدني. حدثني عن شجاره مع حاجز في الصنوبر عندما ذهب لإسعاف مصابين، إذ كاد الحاجز يمنعه بدعوى وجود «فلول مسلحين». عنصرٌ آخر من الهلال الأحمر روى لي كيف تلقى شتائم كثيرة لأنه نقل الجثث إلى مشفى بانياس. كانت الجثث تعود لمعارفه وأَحبّته. قال إنه لم يفعل سوى واجبه المهني: نقل الجثث لحمايتها من التحلُّل والعوامل الطبيعية.

لم يكن هناك شكلٌ واحد لدفن ضحايا المجازر، ولم يكن الاختلاف نابعاً سوى من ظروف قسرية فَرضت نفسها على الجميع. في معظم الحالات، غاب الحد الأدنى من الطقوس الجنائزية التي تشكل جزءاً أساسياً من كرامة الموتى وحق ذويهم في الوداع: حُفرة واسعة في الخريبة قرب المختارية، حُفَر متعددة في الصنوبر، قبور بأسماء وأخرى بلا أسماء في بانياس، جثث في حدائق المنازل، دفن دون صلاة، ودفن من دون أن يشهد الأهل اللحظة الأخيرة. هكذا، في كل قرية، كانت الطقوس الجنائزية غائبة، وحُرمَ الأهالي من اللحظة الأخيرة مع أحبائهم، لتظل فجوة الفقد مفتوحة بلا إجابة.

من مدافن ضحايا مجزرة حي القصور في مقبرة الشيخ هلال (الجمهورية.نت)

لم نودعهم…

في المختارية، كان الحديث مع النساء شاقّاً. الكلمات تتلعثم على ألسنتهن، والجُمَل تخرج متقطعة، ثم يسود الصمت مجدداً. إحدى النساء التي نجا لها ولدٌ واحدٌ فقط، تصفُ وداعها لابنيها وزوجها وعيناها مثبتتان في جهة محددة، عَرفتُ لاحقاً أنها المكان الذي جُمعت فيه الجثث قبل نقلها للمقبرة. تقول: «لم يُسمَح لنا بوداعهم، كنت أتمنى رؤية أبنائي قبل الدفن، أن أشم رائحتهم وأقبلهم». تُضيف: «ناموا في العراء، حاولتُ الاقتراب، لكنهم صرخوا في وجهي وأمروني بالعودة لمنزلي أو سيطلقون الرصاص علي».

الأمر ذاته حصل في الصنوبر وبرابشبو، فقد منعت النساء من حضور الدفن وإلقاء النظرة الأخيرة على أحبتهنَ، وحتى البكاء الذي يُعَدّ تعبيراً عن الحزن لم يحظينَ به في أحيان كثيرة. آخر نظرة لهنَّ كانت عندما أُخرِجَ أحباؤهن من المنازل، ثم باتوا جثثاً هامدة في العراء. دفعهنّ الخوف إلى هجر القرية، تاركات الجثث في العراء أو داخل المنازل. قليل منهن فقط بقين، لكنهن أيضاً حُرِمنَ من الوداع.

غياب الجثمان يترك الحداد معلقاً، ويُحوِّلُ الفقد إلى انتظار طويل بين التصديق والإنكار، إذ يبقى الأمل قائماً مهما كان ضئيلاً. ثمة أشخاصٌ اختفوا في أيام المجازر، ولم يرجعوا ولم تعرف عائلاتهم مصيرهم. ثمة سيدة من بانياس لم تحصل على جثة ابنها، ولم يشاهد أحدٌ جثته، وهي تنتظر عودته وترفض الاعتراف بوفاته حتى اللحظة.

السيدة الجبلاوية التي حاولت إسعاف وحيدها حضنته لساعتين وبقيت تحادثه علها تطيل أمد بقائه، وفي النهاية لفظ أنفاسه الأخيرة في حضنها. لم تعرف ماذا تفعل، تقول: «في النهاية غطيته هو وزوجي ببطانية، قبلته من جبينه وتركتُ المنزل وذهبتُ إلى منزل ابنتي».

في الصنوبر بقيت نساءٌ مع جثث أبنائهنّ في المنازل لعدة أيام، تقول إحدى السيدات: «تخيل أن تجلس مع جثث أحبتك. لا تنتظر بعثهم من جديد، لكنك تريد قضاء أطول وقت ممكن معهم». بينما أقامت عائلة أخرى لضحاياها كل الشعائر الدينية التي تليق بهم من صلاة وتكفين، تقول سيدة من هذه العائلة خسرت زوجها وأخاه ووالده: «في وقت الإفطار كان الرصاص يهدأ ويتوقف القتل، سحبتُ الجثث إلى الداخل، قرأتُ لهم القرآن، وكفّنتهم أنا وحماتي».

في المختارية، وخلال حديث النساء عن حزنهنّ نتيجة حرمانهنّ من لحظة الوداع الأخيرة، تقول واحدة منهن إنها تحدت العناصر وذهبت للمقبرة، صورت عملية الدفن، وودَّعت أبناءها الأربعة، رغم معرفتها بكل الخطورة من القيام بذلك.

المدفن الجماعي لضحايا مجازر المختارية والخريبة (الجمهورية.نت)

إحدى السيدات من أحياء الدعتور في اللاذقية، التي خسرت زوجها في آذار الماضي، تركت منزلها وانتقلت للعيش مع ولديها الاثنين في قرية أهلها. تحدثت بنبرة هادئة، رغم أنها كانت تبدو على وشك الانهيار بالبكاء. تفرك يديها على ركبتيها وتتابع حديثها. لم تكن تعرف مصير زوجها عندما هربت من البناية. تعثّرت بيد ممدودة لجثة مغطاة ببطانية، وعرفت أنه زوجها من ملابسه، فوجهه كان مشوهاً بالكامل. تقول: «كل فترة أذهب مع أولادي، نقف عند الحائط الذي قتل عنده زوجي لعدة دقائق ونمضي». دُفِنَ زوجها في مقبرة قريتهم ولم تستطع هي حضور الدفن، إذ لم تسمح السلطات وقتها بإقامة عزاء للضحايا أو حضور عدد كبير من الناس خلال عملية الدفن، حسب روايات أهالي الضحايا.

معظم عوائل الضحايا زارت المقابر بعد عدة أسابيع، وكانت تلك لحظةَ الألم التي اعتصرت الجميع. أغلبهم زار المقابر للمرة الأولى في عيد الفطر فيما كانت المجازر في أوائل رمضان، وكانت اللحظة خانقة، خاصة لمن دفنوا أحباءهم في مقابر جماعية. يزور العلويون قبور أحبائهم في الأعياد، وقد انتشرت في العام الفائت عدة فيديوهات لنساء يبكينَ ويصرخن عند قبور أحبتهنّ في عيد الفطر، فقد كانت تلك الزيارة تعويضاً عن لحظة الوداع بالنسبة لكثيرات حُرمنَ من المشاركة في الدفن. لا شيء سيُغير الواقع، لكن النساء يتحدثنَ بألم عن أن الزيارة حصلت بعد أيام طويلة من الدفن، وأنهنّ كنَّ يبكين عند قبورٍ لا يعرفنَ الجزء الذي يضم أبناءهنّ منها، بل يعلمنَ فقط أن مساحة من الأرض تضم جثثاً بينها جثث أحبابهنّ.

لعل أقسى ما سمعته من معظم العوائل، والنساء تحديداً، أنهم خسروا كل ذكرى تخصّ أحباءهم. في القرى أو المنازل التي تعرضت للحرق، حتى هواتفهم المحمولة التي تحمل صوراً وذكريات سُرقت. تقول إحدى السيدات: «لم يتركوا لي قميصاً أشمّ ابني فيه، سرقوا هاتفي، لا أملك صورة له. إذا فقدت ذاكرتي، كيف سيذكره أهالي القرية؟ هل سينتهي أثره؟». بالنسبة لكثير من العائلات، لم يكن فقدان الممتلكات هو الخسارة الكبرى، بل ضياع الصور والرسائل والأغراض الشخصية التي تَحفظ الذاكرة. حين تُسلب هذه الأشياء، يُصبح الخوف من النسيان موازياً للخوف من الموت نفسه.

من مدافن ضحايا مجزرة حي القصور في مقبرة الشيخ هلال (الجمهورية.نت)

الذاكرة بعد عام

تتنوع نظرة أهالي الضحايا إلى أي زائر جديد. تتأرجح بين الاستغراب الذي يُخفي خوفاً عميقاً، واليأس والاستسلام. ما زال الحجاب طاغياً، والأسود رداءً رسمياً لنساء الضحايا. الموت ما زال حاضراً.

تَردَّدَ الأهالي في الحديث معي في البداية. لم تَعُد الهوية الطائفية وحدها كافية لضمان الثقة. حتى كلمة «مجزرة» باتت تغيب عن حديث بعضهم، فيقول بعضهم «أحداث الساحل» دون قصد. لا أعلم إن كان خوفاً مني، أم هو استقرار خطاب السلطة ومصطلحاتها في اللاوعي. لم تكن العودة إلى هذه القرى سهلة.

عندما دخلتُ المختارية العام الفائت، كنتُ في مهمة إغاثية. كان الناس يريدون الحديث. أي وجه جديد كان فرصة ليقصّوا عليه ما حدث، لينفوا التهمة عن أنفسهم: «لسنا فلول»، «لم نقتل أحداً، لم نَغدُر بأحد، بل غُدِرَ بنا». كانت رائحة الدخان تزكم الأنوف. قسم كبير من المنازل محروق. القرية رمادية، كفيلم أبيض وأسود. كان الأهالي وقت زيارتي الأولى عائدين من المقبرة، والبكاء والعويل يملأ كل ركن.

أتذكرُ سيدة في العام الفائت وقفت بعيداً عن مكان توزيع السلال الغذائية. صامتة، لا تتحدث، عيناها مذهولتان وفمها فاغر. عرفتُ لاحقاً أنها خسرت كل أبنائها خلال سنين الحرب السورية، ثم خسرت آخرهم في مجازر آذار وقد كان طالباً في كلية الطب البشري.

أما السيدة التي نجا ابنها فقد كانت في العام الماضي تنادي بأسماء أولادها وزوجها من شبّاك المنزل: تنتظر عودتهم. هذا العام، كلماتها قليلة، صوتها مكسور. تصمت، تبكي، ثم تصمت مجدداً.

هذا العام رأيتٌ سيدة في الستين، تجلس على شرفة منزلها بصلابة، ترتدي غطاء الرأس وتدخن سيجارة من التبغ العربي. تقول بضع جمل لطمأنة النساء: «ما يُعزّينا أن شهداءنا قتلوا في رمضان. أغلبهم كانوا صائمين، ذهبوا أنقياء إلى ربهم». وتصفُ واقع القرية بالمأساوي: «مجموعات من البدو يستبيحون الأراضي الزراعية دون رادع رغم بعض محاولات السلطة إيقافهم دون جدوى، والنسوة صرنَ معيلات بعد خسارة الرجال».

أما السيدة التي أصرّت على حضور الدفن وغامرت بحياتها قبل عام من أجل ذلك، فقد قالت إنها تتمنى لو تركوا لها ولداً حياً يصبّرها. تشعر أن حياتها انتهت، خاصة أنها لن تنجب مجدداً. نَسلُ عائلتها سينتهي برحيلها هي وزوجها. لم يبقَ لها إلا رحمة الله. خلال حديث هذه السيدة، وقف زوجها، نظر إليّ وقال بغضب: «ماذا ينفع هذا؟ هل يُعيد لي أبنائي؟ لا نريد شيئاً. اتركونا».

في الصنوبر، المنازل التي فقدت أبناءها ما زالت شبه مهجورة. ثمة حركات بسيطة توحي بمحاولات لإحياء القرية، لكنها ما تزال منكوبة. بعد عام، يستذكر الأهالي تلك اللحظات وكأنها خيال. يضيفون أنهم محظوظون لأن ذويهم توفوا في رمضان، في شهر مبارك. تتكرر هذه العبارة وكأنها محاولة للتمسّك بالصبر، وإعطاء بعض المعنى لما جرى.

من المدافن الجماعية لضحايا مجزرة الصنوبر (الجمهورية.نت)

في جبلة والدعتور وحي القصور في بانياس، عادت الحياة إلى الشوارع تدريجياً. لكن الزمن توقف عند عتبات البيوت التي خسرت أبناءها. الحياة تعود ظاهرياً، لكن الفقد يبقى مُعلَّقاً داخل الجدران.

أحد الرجال يعيش صدمة مزدوجة: خسارة ابنه في حي القصور، وعقدة النجاة. نزلَ وابنه معاً على درج البناية، فتح الجيرانُ باب منزلهم وسحبوه للداخل لحمايته، ظن أن ابنه لحقه، لكن الرصاصة كانت أسرع إلى قلب ابنه. وجد الرجل جثة ابنه بعد عدة أيام في الشارع المجاور لمنزلهم، وقد تعرَّضَ أجزاءٌ منها للحرق.

بعد عام، تتعدد الروايات وتختلف التفاصيل. بيد أن ما يتفق عليه الجميع أن لحظة الفقد لم تُطوَ بعد، وأن الذاكرة حاضرة ليس بوصفها ما تبقى من حدثٍ مضى، بل بوصفها واقعاً يومياً يُستحضَر في كل زيارة للمقبرة. لم يعد السؤال، كيف ماتوا، وحسب، بل كيف سيعيش من بقي على قيد الحياة. بين المقابر المزدحمة والبيوت الخاوية، تبدو الحياة مستمرةً، لكن الفقد يرن في كل بيت مثل بندول الساعة.

في بلدٍ عرف كثيراً من المقابر الجماعية والقبور المجهولة، يتكرر الحرمان نفسه بصيغ مختلفة وفي ظروف متنوعة: الحرمان من نظرة الوداع. قد يختلف السياق ويتعدد المسؤولون عن الجريمة، لكن غياب الحق في دفن يليق بالضحايا يبقى جرحاً يتقاسمه كثير من السوريين.

تقفُ امرأة أمام شاهدة تحمل عدة أسماء في مقبرة قرية الصنوبر، تمرّر أصابعها فوق الحروف ببطء كأنها تتحسَّسُ وجهاً غائباً، تزور كل أسبوع الشاهدة ذاتها، وتعرف أن أحد الأسماء يعود لابنها، لكنها لا تعرف في أي زاوية من المقبرة الجماعية يرقد.