لا أحد يدخل المتاهة فجأة.
نحن دخلناها. ظننا أننا نسير في طريق مستقيم. وكانت أسماؤنا معنا مثل أشياء قديمة بلا ذاكرة. حسبنا أن اللغة باب يُفتح لنوجد خارجه. لكن كل شيء حولنا، حتى الكلمة نفسها، تتغيّر كلما اقتربنا منه.
في عالم سليم بركات، الطريق المستقيم مجرد وهم، والخروج المأمول سراب بعيد. المتاهة تبدأ بخطوة صغيرة، ثم تتفرّع وتتشعّب.كل كلمة، كل قرار، كل حركة، تصبح انعكاساً لمتاهتنا الداخلية، لتكشف عن الأسئلة التي نحملها معنا منذ اللحظة التي بدأنا فيها التساؤل عن ذواتنا.
في البداية، كانت الكلمات تشير وتدل على اتجاهات واضحة. لكنها شيئاً فشيئاً بدأت تُضلِّلنا. سرعان ما اكتشفنا أنها لا تريد أن تقودنا إلى الخارج، بل إلى الداخل، إلى تلك المنطقة التي لا خرائط لها. منطقة يرتجف فيها الوعي، وتنهار فيها كلُّ اليقيناتِ. القراءة هنا ليست مجرد فهم للمعنى، بل مواجهة مع الفراغ، صدى لا ينقطع يلازم كل كلمة ونَفَس وقرار نعتقد أنه نهائي.
سليم بركات ليس مجرد اسم يُقرأ، بل يقظة تصيب اللغة حين تملّ من الطاعة. في حضرته، تستيقظ الكلمات من نومها الطويل. لا تريد أن تكون أدوات خاضعة. تتحوّل إلى كائنات مستقلة: تتذكر، تراوغ، وتبني متاهاتها الخاصة. كل كلمة تحمل وجوداً كاملاً، حياة متشابكة مع حياة القارئ، تهرب من أي محاولة للسيطرة أو التفسير السريع. المتاهة هنا ليست في النص فقط، بل في قدرة النص على أن يوقظ القارئ، ليجعله يتساءل عن ذاته، عن العالم، عن اللغة نفسها.
في هذه اليقظة، ندرك أن متاهاتنا ليست خارجة عنَّا. ليست المدن ولا الأزمنة المكسورة ولا الخرائط الناقصة. المتاهة هي نحن حين نحاول فهم ذواتنا بلغة أقل مما نحتمل. كل قراءة حقيقية تفقدنا شيئاً: سهولة الفهم، طمأنينة الجملة، أو وهم الوصول. لكنها تمنحنا شيئاً أثقل: الشك الخلّاق، والقدرة على السير دون وعد بالخلاص. إنها القدرة على العيش في السؤال أكثر من العيش في الجواب، والاعتراف بأن الفهم الكامل لا يكون نهاية المطاف.
نحن لا نضيع في النص، بل النص هو الذي يوقظ ضياعنا. والمتاهة، حين تُكتب بصدق، لا تسأل عن المخرج، بل عن من دخل أصلاً. هنا تتحوّل الكتابة إلى يقظة، لا ملجأ فيها، والقراءة تصبح تمريناً على العمى النبيل، العمى الذي يجعلنا نرى بما لا يُرى. كل صفحة، وكل تركيبة لغوية، تقودنا إلى متاهة جديدة، حيث المعنى يتنفس ويتحوّل، كما يتنفس ويخدع الوعي البشري.
وفي النهاية، لا نخرج من المتاهة. نغادر فقط وهم أننا كنا خارجها يوماً. المتاهة لا تُغلق أبوابها أبداً. نغادرها ونحن أكثر إدراكاً لذواتنا، لأوجهنا المتعددة، ولحقيقة أن كل محاولة للسيطرة على اللغة أو الحياة مجرد وهم. وهنا تكمن عبقرية سليم بركات: جعلك ترى متاهتك الخاصة، وتستشعر كل انعكاس فيها، دون وعد بالنجاة، بل بوعد باليقظة الحقيقية. اليقظة التي تُحررك من وهم اليقين، وتجعل كل كلمة باباً، وكل فراغ مساحة للبحث عن معنى لا يُختزل.
المصدر الكوميونيتا
