يخطئ من يقرأ المشهد الحالي في طهران عبر عدسة الكليات العسكرية الكلاسيكية. ما تفعله إدارة ترامب اليوم لا يمت بصلة لمفهوم “الحرب” التقليدية التي عرفناها في العقود الماضية. نحن لسنا أمام جنرال يبحث عن نصر عسكري ورفع أعلام، بل أمام “مقاول” ينفذ أكبر عملية “استحواذ عدائي”” (Hostile Takeover) في التاريخ الجيوسياسي الحديث للشرق الأوسط.
واشنطن لا تتخبط كما يحلو لبعض المحللين ترويجه، والضربة التي استهدفت رأس النظام الإيراني لم تكن مجرد “رسالة ردع”، بل عملية “هدم جيوسياسي” متعمدة لمبنى آيل للسقوط لنظام مؤذٍ طالما تمدد تحت ستار الدين. الإدارة الأميركية مزقت كتيب القواعد القديم الذي كان يكتفي باحتواء طهران، وقررت تفجير المركز من الداخل. أما ما نراه اليوم من هجمات صاروخية يائسة أو انتفاض للأذرع في بيروت وصنعاء، فليس صحوة قوة، بل هو التفعيل الحرفي لـ”بروتوكول اليد الميتة”؛ ارتداد عصبي لجسد مقطوع الرأس، وحشرجة موت لـ “ضبع جريح” يحاول تفعيل خيار شمشون وإحراق الجوار معه.
بلا مركز يوجهها ستتآكل الأذرع ذاتيًا ويتحول قادتها إلى “أمراء حرب”. واشنطن تدرك جيدًا أن استئصال رأس الأفعى يجعل من اصطياد أطرافها المتبقية مجرد مسألة وقت وتسوية حسابات محلية
هذا الهدم لم يقتصر على الصواريخ فحسب، بل امتد ليكون أول حرب “سرديات رقمية” شاملة. في “ضباب الحرب” الجاري، تحول التضليل إلى سلاح موازٍ؛ حيث اختلطت صور الأقمار الصناعية بمقاطع ألعاب الفيديو والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي. واشنطن تركت هذا “الضجيج الرقمي” يلتهم الحقيقة، لتعميق حالة الارتباك داخل بنية النظام، محولةً الميدان الإيراني إلى “ثقب معلوماتي” يصعب معه فرز الهزيمة عن الدعاية، مما عجّل في انهيار الروح المعنوية للمدافعين عن المركز.
وماذا عن الأذرع التي طالما تغنت بـ”وحدة الساحات”؟ بسقوط المركز في طهران، تفقد هذه الميليشيات في بيروت وصنعاء وبغداد شريان التمويل والغطاء الروحي، لتتحول بين ليلة وضحاها من “جيوش عقائدية” عابرة للحدود إلى مجرد أيتام استراتيجيين. بلا مركز يوجهها، ستتآكل هذه الأذرع ذاتيًا، ويتحول قادتها إلى مجرد “أمراء حرب” وعصابات محلية تتصارع على البقاء والموارد الشحيحة. واشنطن تدرك جيدًا أن استئصال رأس الأفعى يجعل من اصطياد أطرافها المتبقية مجرد مسألة وقت وتسوية حسابات محلية.
لكن لماذا الهدم التام؟ العقلية التجارية في البيت الأبيض لا تبحث عن ديمقراطيات تُبنى، بل عن “كانتونات” تُدار. التحرك البري لآلاف المقاتلين الأكراد في جبال زاغروس وسيطرتهم على مريوان، ليس مجرد انتفاضة قومية، بل هو التدشين العملي لمشروع “خصخصة الخرائط”. واشنطن تدرس ببراعة تحويل إيران من “دولة مركزية” إلى “مساحات فدرالية” عرقية (أكراد، بلوش، آذريين). الهدف هو تفكيك “المبنى الإيراني” إلى وحدات أصغر، يسهل التعاقد معها كحلفاء محليين يحمون الممرات الاستراتيجية، بعيدًا عن غطرسة العواصم الكبرى.
أما ورقة الممرات المائية (مضيق هرمز وباب المندب)، والتي طالما لوّح بها النظام الإيراني لابتزاز العالم، فقد أصبحت الآن أداة في يد “المقاول” الأميركي نفسه. واشنطن تترك التهديد المتبقي يعبث بأسواق الطاقة لفترة مدروسة، لتوجه رسالة صامتة ومكلفة للاقتصاد العالمي، وتحديدًا للصين وأوروبا: “إذا أردتم نفطًا آمنًا يمر بسلام لمصانعكم، عليكم دفع فاتورة الحماية”. في هذه الصفقة، يتحول أمن الطاقة العالمي إلى سلعة تحتكر واشنطن بيعها، وتُفرض “الأتاوة الجيوسياسية” كأمر واقع لا مفر منه.
الشرق الأوسط القديم يُدفن اليوم. ومن لا يستطيع التكيف مع قواعد هذه “الهندسة القسرية”، سيجد نفسه مجرد تفصيل هامشي في خريطة تُباع وتُشترى
وفي خضم هذا الاستدراج، يبرز التموضع المترابط للعواصم الخليجية وعمّان كـ “حائط صد جيوسياسي” قرأ اللعبة بوعي مبكر. الأردن، بتموضعه كعقدة ارتكاز أمنية ومجال جوي سيادي صارم، تلاحم مع العمق الخليجي لتبني عقيدة موحدة: “حسم دفاعي ناري في الجو، وبرود استراتيجي قاتل على الأرض”. هذا الجدار المانع (الخليجي – الأردني) رفض تحويل جغرافيته إلى صندوق بريد لرسائل طهران اليائسة؛ وهذا البرود تحديدًا هو ما سيترك النظام يواجه حتفه منفردًا، ويحرمه من ورقة إشعال حرب إقليمية واسعة تنقذه من الاختناق.
الضربة الأذكى والأكثر خبثًا في هذا المخطط لا تستهدف طهران وحدها، بل تتجاوزها لتنصب فخًا عالميًا لموسكو وبكين. واشنطن لا تنوي البقاء في إيران لتنظيف الركام، بل تتعمد تحويل طهران إلى “ثقب أسود”؛ مساحة مرعبة من الفراغ والفوضى. هذه الساحة تُترك عمدًا لتبتلع وتستنزف نفوذ التنين الصيني والدب الروسي إذا ما قررا التدخل لترقيع حليفهما المنهار. المعادلة الأميركية الجديدة بسيطة ومرعبة: نحن نهدم المبنى، وأنتم تنزفون في محاولة تنظيف الركام.
وفي خضم هذا الركام، تبرز معالم “الصفقة الكبرى” التي يخشاها نتنياهو. فبينما يطمح الأخير لتغيير جذري للنظام، يبدو أن “المقاول” الأميركي يفتح قنوات سرية لامتصاص الصدمة، ربما عبر تهيئة “مجتبى خامنئي” ليكون طرفًا في تسوية تقيد الطموح النووي والصاروخي مقابل البقاء في حدود الركام. ترمب لا يسعى لحرب أبدية تستنزف خزانته قبل انتخابات التجديد النصفي، بل يسعى لاتفاق يضمن “خروجًا مربحًا”، وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي من احتمالية تحول الحرب من “هدم شامل” إلى “إعادة هيكلة” تخدم الحسابات الانتخابية في واشنطن أكثر مما تخدم الأوهام التوسعية في تل أبيب.
الشرق الأوسط القديم يُدفن اليوم. ومن لا يستطيع التكيف مع قواعد هذه “الهندسة القسرية”، سيجد نفسه مجرد تفصيل هامشي في خريطة تُباع وتُشترى.