من سيخلف علي خامنئي على كُرسيّ الإرشاد والقيادة في إيران؟
سُؤال وتبحثُ دائر القرار عن جوابه. إذ سيُحدّد المسار الذي ستنتهجه إيران بعد تعرّضها لأقسى ضربةٍ عسكريّة وأمنيّة منذ سيطرة نظام الملالي على الحُكم في طهران.
مجتبى: إمبراطور المواجهة؟
يتداول الإعلام اسم نجل المُرشد الرّاحل مجتبى خامنئي (56 عاماً) كأبرز المُرشّحين لخلافةِ والده. لكنّ اسمَ مُجتبى ليسَ الاسمَ الوحيد المطروح، وليسَ محلّ إجماعٍ في الدّاخل الإيرانيّ بسبب معارضة بعض شخصيّات النّظام المُقرّبة من الحوزة العلميّة في قُم إرساء نظام التّوريثِ في حال عُيِّنَ انتُخب مجتبى خامنئي ثالثَ المُرشدين للجمهوريّة الإسلاميّة.
يُضاف إلى ذلك الموقف الصّريح للرّئيس الأميركيّ دونالد ترامب الذي نقله موقع “أكسيوس” واعتبر فيه مجتبى خامنئي شخصيّة سيّئة لا وزن حقيقيّاً لها. ويأتي موقفه من باب أنّ الرئيس الأميركي قال صراحةً إنّه يريد أن يشارك في اختيار المرشد الإيرانيّ الجديد أسوة بما فعله في فنزويلا. ما هذا يُعقّد أيضاً حظوظ خامنئي الابن وآية الله أعرافي.
لكنّه في حالِ جنحَت إيران لتعيين لاختيار مجتبى خامنئي بعد حديث الرّئيس الأميركيّ عنه، سيدلّ ذلكَ على خيار استكمال المواجهة، وهذا ما قد يجعله عرضةً للاستهدافِ كردٍّ على ذلك. أضِف إلى أنّ مجتبى يُشكّل صورةً لا ريب فيها لاستكمال لتمسّك إيران على بنهجها القديم، لا سيّما أنّ مجتبى من الشّخصيّات النّافذة في ما يُعرف بـ”الدّولة العميقة” في إيران التي يُمثّلها الحرس الثّوريّ وشبكاته الماليّة والاقتصاديّة وورش تعدين العملات الرّقميّة، بحسب مصدر أمنيّ إقليميّ.
إذ كانت وكالة بلومبرغ قد نشرت تقريراً حول انخراط مجتبى خامنئي بالدّولة العميقة وأموالها وثروته في إيران والخارج. وفقاً للوكالة التي نقلت عن تقويم وكالة استخبارات غربيّة، يشرف مجتبى على إمبراطوريّة استثماريّة دوليّة تمتدّ من الشرق الأوسط إلى أوروبا. وتشمل عقارات فاخرة وفنادق راقية وأصولاً ماليّة متنوّعة.
كما تشمل قوّته الماليّة كلّ شيء من الشحن في الخليج العربيّ إلى حسابات مصرفيّة في سويسرا وعقارات فاخرة في بريطانيا تزيد قيمتها على 100 مليون جنيه إسترليني (138 مليون دولار)، إذ بلغت كلفة أحد المنازل 33.7 مليون جنيه إسترليني عند شرائه في 2014، ويقع في أحياء من الأكثر حصريّة في لندن، وفيلّا في منطقة تُعرف بـ”بيفرلي هيلز دبي”، وفنادق فاخرة في أوروبا، إضافة إلى أصول أخرى في أوروبا وأميركا الشماليّة. ويشير التحقيق إلى أنّ جزءاً من الأموال المستخدمة في هذه الصفقات يُعتقد أنّ مصدره عائدات النفط الإيرانيّ، التي جرى تحويلها عبر حسابات في بنوك في المملكة المتّحدة وسويسرا وليختنشتاين والإمارات العربيّة المتّحدة.
كما يرى التقرير أنّها تعكس نمطاً أوسع يتمثّل في استخدام النخب المقرّبة من القيادة العليا لنفوذها السياسيّ والاقتصاديّ لبناء شبكات ماليّة خارج البلاد.
يكشف مصدر “أساس” أيضاً أنّ الولايات المتّحدة وإسرائيل استهدفتا منشآت يستعملها الحرس بإشرافٍ مباشرٍ من مجتبى خامنئي للتنقيب وتعدين العملات الرّقميّة ضمن تبييض أموال لـ”الدولة العميقة”.
ينقل مصدر شديد الاطّلاع لـ”أساس” أنّ طرحَ اسم مجتبى لأنّه ابن المُرشد الرّاحل، يُقابله رأيٌ آخر عنوانه إن كانَ مجتبى الوريث لوالده فإنّ حفيدَ مُؤسّس النظام الإسلاميّ في إيران حسن الخُمينيّ هو الأولى على هذا القِياس. يُطرحُ أيضاً اسم عضو مجلس صيانة الدّستور آيةُ الله علي رضا أعرافي لخلافة عليّ خامنئي.
أعرافي: الحرس والحوزة
يُعتبر آية الله أعرافي (66 عاماً) من التّيّار المُتشدّد في الجمهوريّة الإسلاميّة. رفعَ من حظوظه اختياره لمجلس القيادة المُؤقّت إلى جانب الرّئيس مسعود بزشكيان ورئيس السّلطة القضائيّة غلام حسين محسن إيجئي. يُعطي هذا أعرافي دفعاً سياسيّاً على الرّغم من كونه “عضواً فقهيّاً” ضمن المجلس الثّلاثيّ السّياسي – القضائيّ – الفقهيّ.
ينبغي أن يضمّ مجلس القيادة في طهران، الذي يُدير البلاد ببعض صلاحيّات المُرشد إلى حين اختيار الخليفة، الرّئيس ورئيس السّلطة القضائيّة وعضواً بارزاً من مجلس صيانة الدّستور.
يقول مصدر مُطّلع لـ”أساس” إنّ أعرافي يجمعُ 3 ميزاتٍ تجعله من المرشّحين البارزين لتولّي القيادة في إيران:
* يُعتبر أعرافي من المُقرّبين من تيّار الحرس الثّوريّ في إيران، تماماً مثل مجتبى خامنئي. وقد باتَ الحرس الثوريّ هو المُسيطر على جميع المؤسّسات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة منذ اللحظة الأولى لاندلاع شرارة الحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران.
* يحمل أعرافي لقبَ “آية الله”، ويرأس شبكة الحوزات العلميّة منذ سنة 2016، بالإضافة إلى كونه إمام “جمعة” قُم منذ عام 2014. هذا ما يجعل منه شخصيّة أساسيّة في المؤسّسة الدينيّة الإيرانيّة.
* كان علي رضا أعرافي من الشّخصيّات المُقرّبة من المُرشد الرّاحل علي خامنئي. لكنّ قربه منه لم يكن على الصّعيد الشّخصيّ فقط، بل حتّى على الصّعيد السيّاسيّ. إذ دائماً ما كان يُكرّر كلمات خامنئي ومواقفه في السّياسة الخارجيّة. ويُعتبر أعرافي من ألدّ خصوم التّيار الإصلاحيّ في إيران، وله مواقف واضحة في ذلكَ، وتحديداً في شباط 2016، يومَ طرح الرّئيس الأسبق محمّد خاتمي خطّة “المُصالحة الوطنيّة”، فدعاه أعرافي من على منبر “جمعة قُم” إلى “التّوبة وطلب الصّفح”.
حسن الخُمينيّ: إرث المُؤسّس
أوّل المرشحين هو حفيد مُؤسّس الجمهوريّة الإسلاميّة السّيد حسن أحمد الخُمينيّ (53 عاماً)، باعتباره مرشّحاً يرتبطُ بالتّيّار الإصلاحيّ، وهو الاسم الذي يرفعه الإصلاحيّون في إيران في وجه اسم مُجتبى خامنئي، على اعتبار أنّه لو كان التّوريث هو القاعدة، فإنّ حسن الخُمينيّ أَولى بكرسيّ الإرشاد.
يتمتّع الخُمينيّ الحفيد بمكانةٍ دينيّة لأنّه أمين ضريح جدّه روح الله الخُمينيّ، لديه ما يعتبر “الشّرعية الثوريّة” كونه حفيد المؤسّس. وهو شخصيّة محبوبة لدى الرأي العامّ الإيرانيّ بسبب آرائه المُعتدلة، لكنّ تعيينه في الإرشاد يعني توجيه ضربةٍ لكلّ مكتسبات التّيّار الراديكاليّ في إيران. هذا ما سيجعله في موقع تحدٍّ شرسٍ مع هذا التّيّار، بالإضافة إلى أنّ المُتشدّدين سعوا سابقاً إلى إقصاء اسمه من خوض انتخابات مجلس الخبراء.
لئن كان حسن الخمينيّ غير محبّذٍ لدى التيّار الرّاديكاليّ من علماء الدّين، لكنّ ذلك لا يعني بالضّرورة أنّه مرفوض لدى مؤسّسة حرس الثّورة الإسلاميّة.
تؤكّد المصادر أنّ حسن الخمينيّ يستطيع أن يجمَع بين التيّار المُعتدل و”الباسدران”. فهو مقرّبٌ من الحرس وعلى وفاقٍ مع قياداته العسكريّة والاقتصاديّة.
في الوقت عينه يطمئِنُ الغرب كونه لم يتطرّق يوماً إلى مواقف مُتشدّدة في السّياسة الخارجيّة، على عكس آية الله أعرافي، أو “صمت” مجتبى خامنئي الذي وإن لم تصدر عنه تصريحات، لكنّ نتائج عمله أثناء حكم والده كفيلة بكشف حقيقة مواقفه.
أضف إلى ذلك أن حسن الخمينيّ، وعلى الرّغم من كونه حفيد المؤسّس، لم ينخرط يوماً في الحكم أثناء قيادة خامنئي، ولم يدخل دوائر القرار في طهران، ما يجعل اختياره إن حصل، مدخلاً لحلّ أزمة النّظام مع الخارج والدّاخل.
والده هو أحمد النّجل الأصغر للإمام الخمينيّ الذي كان حلقة الوصل بين الخمينيّ والشّعب الإيرانيّ قبل الثّورة الإسلاميّة. والدته فاطمة الطباطبائي ابنة صفيّة شقيقة الإمام موسى الصدر.
لكنّ يقول الواقع اليوم إنّه إن كانَ الحرس الثّوريّ والمُؤسّسة الدينيّة يريدان احتواء الدّاخل الإيرانيّ وإعطاء إشارات إيجابيّة للخارج، فسيكون حسن الخُمينيّ هو الخيار لتولّي الإرشاد.
اساس ميديا
