رحلت تمار بن عامي، لها طيب المثوى. خبرٌ حزين، وفقدٌ كما لو أنّ شريط أغانٍ لفيروز، فجأةً، توقّف.
اسم تمار في أوساطنا العربية: ريتّا، حبيبة محمود درويش. ونحن تعلّقنا بحبٍّ خلّدته قصائد شعر، وعلقنا عنده.
كلنا نهوى قصص الحب، نتبعها إلى زمن انقضى، لكنه ككل ماضٍ لا يموت. هنا قد يبدو أصل الحكاية. وما يخصّ درويش وريتا يتعدّى مفهومي الحكاية، أو الحبّ، كشاغلَين منذ بدء الخليقة. فالباقي هو الشعر، تجلّيه الأعلى والأبقى من صاحبه، وإن كان المعنيّ هنا محمود درويش نفسه.
نعرفها؛ حكاية الحبّ بين شاعرٍ كان يتدرّج أيامها على ربوات شبابه، وصبيةٍ حلوة اسمها ريتّا، بنت كيانٍ يحتلّ أرضه. لا أحتاج لاستعادة ما يحفظه جيلهما عنها، وأجيالٌ أتت بعده، غيبًا. ما أكثر ما قيل فيها، ويعود اليوم، بموت ريتا ــ تمار، إلى الواجهة. كلٌّ يتبنّاها كما يهوى، إمّا يرتقي بها إلى مقام الأسطورة، أو يفصفص لبّ التفاصيل: كيف عبرت ريتّا في حياة محمود درويش؟ يستند المشكّك بحقيقة وجودها إلى تصريحات شاعرنا. منها مثلًا ما جاء في حوارٍ مع مجلة “الوطن العربي” الصادرة من باريس، أجرته الكاتبة رفيف فتوح: “رفض محمود الكلام عن ريتّا: حين سألتُه عن القصيدة قال لي، وبالحرف الواحد: مجاز لا أكثر”. ويستند الموقن بالحكاية إلى جوابٍ آخر لدرويش نشرته مجلة “الكرمل” عام 1997، العدد 52: “نعم، كانت موجودة، تلك كانت قصة حقيقية محفورة عميقًا في جسدي”. ولعلّ الشاعر لم يجانب الصدق في الحالين. هو نفسه لم يبق هو. يتفق دارسو قصائده على أنه، وكما غادر درويش “سجل أنا عربي” إلى “سرحان يشرب القهوة في الكافتريا”، ثم إلى “جدارية”…، وغادر “أحنّ إلى خبز أمي…” إلى “تعاليم حورية”؛ كذلك غادر ريتا نفسها من “بين ريتّا وعيوني بندقية” إلى “شتاء ريتا الطويل”، ولعلها كلها تدريباتٌ على التحرّر من استلاب قضيةٍ ما إلى الأبد.
يعنيني فيما أكتب هنا ريتّا نفسها، وبكل إيماني بمسؤولية الأمانة، سأختار الانحياز إلى نصف الحكاية المنتمي إليها، إلى العناية بذاتها الإنسانية، كما عرفتُها عن قرب في سنوات حياتها الأخيرة، إلى أن اكتملت بالموت، وظلّت عندي تمار ــ ريتّا.
كنتُ مَن سعت للقائها، منذ عرفتُ أننا نتقاسم فضاء عيشنا الواحد في برلين، وكان قد مضى حوالي 11 عامًا على وفاة شاعرنا. كنتُ مدفوعةً بما هو أكثر من مجرّد فضول، كان رغبةً عارمة باستكشافها بطلة حكايةٍ تقيم في وجداني منذ بدأت أقرأ الشعر، توقًا لا أصمد أمام وهج إغرائه، منذ عرفت أنها قريبة المطال.
أرسلتُ لها بالألمانية على ماسنجر: “هل لنا أن نلتقي؟ أعتقد أن كلامًا كثيرًا ينتظرنا”. لا بدّ قرأت على صفحتي أنني سورية، عربية. لم تسألني لماذا أريد لقاءها. سألتْني فقط عن عمري، وماذا أشتغل؟ بعدها أجابت “يسرّني”، ومعها “سمايلي” بقلوب وثمار كرز. يا للردّ المبشّر.
التقينا في يناير/ كانون الثاني 2019، وقد أصبحتْ ريتّا ــ تمار في الثالثة والسبعين. تأملتها وأنا أخطو نحوها. معتدلةَ الطول، ممشوقةً، نحيلةً جدًا وأنيقةً على بساطة. اقتربتُ، بريقٌ جليّ في عينيها الما بين ألوان الفستقي والأشهل والرمادي، ووجهٌ أنيسٌ ببسمةٍ تبدو أصيلةً فيه. لقاءٌ أول، عناق طويل وحارّ. بالطبع، لم يكن من جانبي، فقد كنتُ حذرة لألف سببٍ يخطر في البال، لكنها لم تكن مثلي. سيتضح لي في ما بعد أنه طبيعتها، جوهرٌ مفعمٌ بطاقةٍ معطاءة. سارت بي إلى مقهىً تركيّ اعتادت شرب قهوتها فيه. مشيتها رقص. لحظتُ أنّ إحدى فردتي حذائها الرياضيّ أعلى كعبًا من الأخرى. وصلنا، قالت: يروقُ لي كيف يطبخون القهوة هنا، قالت: هنا نحن في مكانٍ محايد، يصلُح لبناء جسور بيننا…
في ذلك اللقاء الأول، تنحّت كل أسئلتي اللجوجة. اتّقاد روحها وأدبها في الخطاب، وخجلٌ مقيمٌ في طبعي، جعلاني مصغيةً أكثر مني سائلة. لا لغةً أمًّا مشتركةً بيننا. نحكي بالألمانية، تطعّمها بالإنكليزية حين تشعر بالحاجة إلى شرحٍ، أو إيضاح. تسعفنا لغة القلب والجسد، ونبرتها المهلى، الحانية. طال بنا اللقاء والحكي كامرأتين، عن القهوة بسكرٍ أم من دونه، إلى مهنة الرقص التي تشتغل مدربّةً فيها، إلى الطب والشعر، إلى شريكها الحالي، أندرياس الألمانيّ، إلى خضوعها لعملية تبديل مفصل الورك، ما استدعى تقاصر إحدى رجليها، وتعويضه بفردة حذاءٍ عالية الكعب، إلى استكمال علاجها الشعاعي والكيماوي بعد سرطان الثدي. كانت بالغة الحيوية، تسرُد هذا العناء كله، فيما لا تظهر عليها علاماتُ أي مرض. قالت إنّ المرض جزءٌ من الحياة، لا يجدُر بالإنسان إخفاءه، بل التعامل معه. بالواقعية نفسها حكت عن تنقّلها ما بين برلين وتل أبيب، منها سفرٌ مدة يومٍ واحد، لتصوّت لليسار في انتخابات الكنيست، فقط كي لا يفوز اليمين، كذلك وهي تمدح براعة أحد تلاميذها في الرقص، طفلٍ أسود البشرة، تنحاز إلى موهبته، وتنوي رعايته حتى يلاقي مستقبله.
وبينما لم يكن الحديث عن محمود درويش ثالثنا في تلك الجلسة الأولى، فحين فتحت حقيبة يدها لتطول النظّارة، كان فيها كتابٌ بالعبرية، وعليه صورته.
لقاءٌ تكرّر، بدفءٍ يتنامى. وما بين اللقاءات ترسل إليّ كل بضعة أيام فيديو لحلقات رقص، أو صورًا من مسيرها مع أندرياس في الغابات. راحت علاقتنا تتعالى وحدها، وحضر درويش من تلقائه، منذ لاحظتُ ديوانه بالعبرية في حقيبتها للمرّة الثانية، وكل مرّة. سألتُها وكانت جاهزةً لتحكي عنه بالنبرة الهادئة نفسها. وكل مرّة كنت أعود إلى بيتي وأسجّل ما سمعتُ في دفتري…
كانت صحتها تتردّى، وطالما هي مشغولةٌ بعلاجها لا تقابل أحدًا. تكتب لي من وقتٍ إلى وقت: أنا أمرّ بوقتٍ عسير. أرسل إليها بضع ورداتٍ موسمية، وأترك لها المبادرة بطلب اللقاء متى استطاعت…. وفي يومٍ حزينٍ عندي أيضًا، بعثت برسالة صوتية “نجاتي: اليوم 09 أغسطس/ آب كما تعلمين الذكرى 12 لوفاة محمود. أحبّك. عناق حارّ”.
ثمة أمرٌ أظنّه فارقًا، حين التقيتُ بصديقي الكاتب الفلسطيني إبراهيم جابر إبراهيم في الإمارات، وحضرتْ ريتّا ــ تمار في حديثنا، بادر إلى طلب حوارٍ معها. أرسل إليها معي أسئلةً لا يخفى كم اعتنى بها، وهو طبع إبراهيم تجاه جميع نصوصه. لم يُخفِ حرارة انتظاره أجوبتها، قال إنه يحدس بانتشار حواره مع (ريتّا) بين عيون القراء، حين يُنشر، كما اندلاع أغنيةٍ في حي شعبي…
| تمار بن عامي/ ريتّا ومحمود درويش في صورة تعود إلى المدة 1963 ــ 1966 |
جلسنا وكانت تمار متعَبة. ناولتُها الأمانة، أسئلة إبراهيم، وبدأت أترجم. قليلًا وأشاحت بيدها. قالت: صعب… طلبتْ ترجمة الأسئلة إلى العبرية لتفكّر بهدوء، وستحاول أن تجيب، إنما على مراحل. كلّف إبراهيم القاصّة الفلسطينية شيخة حليوى بالترجمة. وصرتُ أسأل تمار كلما لاحت فرصة تحسّنها بين نكستين صحيتين، وتجيبني: أحاول… لكنني لا أستطيع.
بعد انقطاعنا شهورًا عن اللقاء، داومت ترسل لي رسائل قصيرة، “نجاة العزيزة، أفتقدك” أو: أفكّر بك. أو: عناق كبير… وأفهم أنّ إنهاكها يزيد مع كل جلسة علاج.
آخر رسالة مني كانت في يونيو/ حزيران 2025، فقط: “أفتقدك” وأفترض أنها قرأتها وهي في غاية التعب، لأنها الوحيدة التي لم تجب عليها سوى بوضع علامة “قلب”. بعدها حدثت مجزرة السويداء في سورية، وأردتني إلى هولٍ بلا قاع. لم أكتب لها من يومها. كذلك تمار، توقفت رسائلها…. أما إبراهيم، فقد ظل ينتظر الأجوبة حتى 25 فبراير/ شباط 2026، ليقرأ ردًّا بغيضًا وحاسمًا على الفضاء العام: وفاة تمار بن عامي.
أسئلة إبراهيم (ما تزال نسخةٌ منها على طاولة مكتبي منذ 2020)
*هنالك مئات الآلاف من النساء في هذا العالَم يحملن اسم “ريتّا”، لكننا في الشرق كلما قيل ريتّا، تداعى إلى ذهننا فقط محمود درويش، وحضرتِ أنتِ، رغم أنه ليس اسمك الحقيقي لكنك حتمًا كنت تحسّين به. المرأة الشبحيّة، السيدة السرّية، كيف كنتِ تشعرين إزاء ذلك، ونحن نتغنى باسمك، كل هذه السنوات؟
*لم يحصل عليك محمود بالكامل، لكنه استطاع، بذكاء أو عن غير تخطيط، أن يحشرك مع شعبه في زنزانة واحدة أكثر من خمسين سنة، فحصل عليك الفلسطينيون كلّهم، حتى صرتِ رمزًا وأيقونةً عند شعب عدو. بماذا كان يُشعرك ذلك؟ هل صادر محمود هويتك الشخصية فيما دولتك تصادر هويته هو؟
*الغالبية العظمى من الفلسطينيين لم يتقبَّلوا سهى الطويل، زوجة زعيمهم ياسر عرفات. وأحسّوا كأنها تأخذه منهم مثل زوجة أب فتجاهلوها كأنها غير مرئية. لكنّهم، رغم أنك يهودية إسرائيلية التحقتِ بالجيش الإسرائيلي في وقتٍ ما، لم يكرهوك. وكانوا يطلقون اسمك الافتراضي على مواليدهم! وبالنسبة لهم أنتِ اللغز الذي لم يكن يقلق أحدًا. وحين رأوا صورك أول مرة بعد عقود احتفلوا بك. وكأنّك عروس شقيقهم. وأراهن أن أي فلسطيني يراكِ الآن سيطلب فورًا التقاط صورة معك. ماذا فعلت بكِ هذه العاطفة، وكيف تعاملتِ معها على مدار سنوات طوال؟
*حين تركتِ محمود، وأنتما في أول العمر، لم يكن نجمًا، ولا شاعرًا معروفًا، ولكن لا بد أنك لاحقًا حين صارت الصحف تتداول اسمه وصوره صرتِ تتابعين ذلك، وصرت تعيشين عن بعد كيف يكبُر اسمه ويلمع، هل تحرّكت المرأة العاشقة في داخلك ونادت عليه؟ هل أحسستِ صدقًا أنَّك ضيَّعتِ “حبًّا كبيرًا”، هل قلتِ في داخلك بحسرة: هذا الشاعر، والشِعرُ، لي؟
*يعرف العالم بداية قصة الحب الشهيرة، بين شاعرٍ شابٍّ وصبية يانعة، ويعرف أنها انتهت بسبب انحياز كل منهما إلى ما رآها “قضية شعبه”؟ هل حقًا كان حبًّا حقيقيًا وقويًا في ذلك الوقت، لكن “الهوية” انتصرت، أم كانت علاقة شابّةٍ تهاوت عند أول خلاف، وكانت السياسة مجرّد ذريعة لذلك، وأن أهمية العلاقة جاءت لاحقًا من “انتهازية الشاعر” الذي وظَّف العلاقة لصالح الأدب؟
* بعد مرور سنوات على فراقكما، تعايش العرب واليهود، خصوصًا في فلسطين 48، وصار عاديًا أن يتزوجوا من بعضهم، حتى أن منظمة التحرير وقعت اتفاقية سلام مع إسرائيل، ودخلت قصائد درويش في المناهج الإسرائيلية. هل حدث بعد ذلك، أو حتى قبله، أن فكرتما بالرجوع إلى الحب؟ وهل صحيح أن ياسر عرفات منعه من لقائك؟
* في رأيك، لماذا لم ينجح محمود لاحقًا في الحب، وقال عن نفسه مرّة “أنا العاشق السيء الحظ”، كما فشل في تجربتي زواج… هل كان في شبابه يميل إلى الفردانية والوحدة، أم أن ظروف السفر وحياته وحده لاحقًا أوقعته في غرام “شخصيته المستقلة”؟
*حتى سنوات قليلة مضت، لم يكن أحد يعرف عنك شيئًا. لماذا اخترتِ في 2014 الظهور إلى العلن، والكشف عن هويتك، لماذا كان ذلك بعد رحيل “العاشق”؟
*بدأتِ حياتك بقصة حبٍّ مع عاشقٍ ينتمي لشعب عدو، ثم انتهيتِ متزوجةً من رجل ألماني، كان شعبه أيضًا عدوًا لشعبك… هذه بالتأكيد مجرّد مصادفة. لكن السؤال: إلى أي حدّ ارتبكت “إسرائيليّتك” هناك وهنا؟ خصوصًا ونحن نشهر اسمك/ الأغنية في وجه أهلك واحدةً من أدوات نضالنا الثقافي؟
*سيدة تمار بن عامي… هل تقرئين محمود درويش؟
… إن كنتُ عايشتُ حال تمار ــ ريتّا الصحيّ عن قرب، وأشهد أنه وحده عذرٌ وافٍ، ففي المقابل تبدو أسئلة إبراهيم حفرًا في الوجدان الجمعي الفلسطينيّ، ما ليس بالضرورة أن يشغل تمار بن عامي بالحرارة نفسها. وأسئلته كذلك على ذكاء وعمق وبُعدٍ فلسفيّ يربك حتى امرأة بذكاء ريتا ــ تمار، قد تخذلها الكلمات لتأطير علاقةٍ انعقدت أيام الصّبا، وفيها من الاشتباكات ما قد يفيض الخوض فيها عن محاولات اللملمة. لم أكن لأحسدها على مواجهةٍ كهذه، أشبه بنزال الذات ونزال الذاكرة الفلسطينية والإسرائيلية معًا.
وحتى لو كانت تمار ــ ريتّا في كامل صحتها، وهي الواقفة على الضفة المقابلة وترى الصورة من زاويتها؛ لماذا قد تجازف بفتح خزانتها السريّة أمام حشدٍ في بازار؟ وهل بالضرورة أن يتراءى لها، كما تراءى لإبراهيم جابر إبراهيم، أنّ حوارهما سيندلع بهيًا كما أغنية في سوقٍ شعبيّة؟
بموت تمار ــ ريتّا، أستعيد تفاصيل مرّت عابرةً في أوانها. في ذلك اليوم، عام 2020، أوّل ما فردتُ أسئلة إبراهيم، أصغتْ بلهفةٍ إلى ترجمتي سؤاله الأول، ثم خامر وجهها ارتباكٌ وتحسّبٌ وحسرة، معًا. وبالكاد ملكت نفسها عند سماع السؤال الثالث. بكتْ. رأيتُ دمعتها للمرّة الأولى، أشاحت بيدها بألم، تنهدت، نطقت بصعوبة: “بصدق، ليس سهلًا عليّ الجواب على أسئلةٍ كهذه… عندي قلق، أو لا أعرف. صعبٌ جدًا. لا أستطيع”.
يا تمار ــ ريتّا، التي لم أرَ دمعتكِ أيام استذكار السرطان، أو جلسات الأشعة، أو الكيماوي؛ هل قد يبكيكِ سوى عاطفةٍ ملتبسةٍ وجارفة تفيق كأنها اليوم؟…. ويا إبراهيم، قد رحل محمود درويش قبل سبعة عشر عامًا وبضعة أشهر، وما يزال شعرُه ومحطّات حياته نبع أسئلة. واليوم تكتمل ريتا ــ تمار بالموت، وتبقى الأسئلة. أجيبُك بثقةٍ على الأخير منها في حوارٍ لم يُكتب له النور، أنّ دواوين محمود درويش باللغة العبرية لم تفارق حقيبة يد ريتّا. أما باقي أسئلتك، فقد عدتُ اليوم إلى أحاديثي معها، المسجّلة في دفتري جُملًا متقطعة كُتبت في أوانها، وعثرتُ في بعضها ما يشبه ردودًا، متقطعةً أيضًا، على بعض أسئلتك… لا أظنها حاسمة. أنقلها كما هي، من دون تشذيب، وأرجو ألا تكون اغتيابًا لعزيزةٍ رحلت:
“سارت حياتي هكذا، علاقة حبٍّ أولى مع حبيبٍ عربيٍ يعاديه أهلي وحكومتي، كنّا نختلف حتى على اسم الأرض التي نقف عليها. وشريكي الحاليّ ألمانيّ، ولا يخفى ما فعل هتلر في الماضي، غير البعيد، بشعبي. من هاتين العلاقتين وما بينهما تعلّمتُ درسي الخاص، أن أرقص وأُعلّم الرقص وأُكثر من المشي في الغابات، وأصير كما ترينني.
لم يعد يعنيني أن أكون شهيرة، لا يغريني أن تتصدّر صورتي الصحف. نلتُ كفايتي من هذا. ثم إن الشعور الذي يأتيني: هم يريدونني ريتّا، وأنا لستُ ريتّا. يريدون رمزًا، وأنا تمار… تمار فحسب. قال لي سميح القاسم يومًا: أنتِ حبُّه الحقيقي الواقعي. لكنني لستُ ريتّا.
أنا تمار، مضى على حكايتي مع محمود أكثر من خمسين عامًا. كان لقاؤنا ما بين 1963 و1966. اليوم أستطيع أن أرى الأشياء هكذا: أنا إسرائيلية يهودية، وهو عربي. عارض أهلي هذه العلاقة بشدّة، وقفوا ضدي، كان عمري 17 عامًا، كنتُ صغيرة جدًا، أنا المولودة في 30.01.1946. وكان عمر محمود 22 عامًا، هو المولود 13.03.1941. فارق العمر بيننا خمسة أعوام إلا شهر ونصف الشهر. (تاريخ ولادتها مكتوبٌ في المواقع الرسمية 1947، لكنني سجّلته كما سمعتُه منها).
محمود هو حبّي الأول. كتب رسائله إلي بالعبرية. ابتدأ خطابه دومًا: تماري، تماري أنا، بالعبرية. لغته العبرية جيدة جدًا. تضمّنت رسائله إليّ قصائد عميقة وصعبة ومركّبة. أنا أحببتُ محمود الشاعر، محمود الإنسان. وقد كتب قصائده يومها لي وحدي. وبشكلٍ ما، لديّ مشكلةٌ في ألا تكون لي وحدي”.
وعند سؤالي كيف كان لقاؤهما الأخير في باريس أيام اتفاق أوسلو؟، لم تُجب سوى بهزّةٍ من رأسها، وإشاحةٍ من يدها، ثم صمتت. لعلها كانت تقول في نفسها: وبماذا قد يهمّ هذا كله الآن؟