كالعادة في كل ما يتصل بالجهاديين، أثار البيان الذي أصدره المهاجرون الأوزبك في سوريا، في الرابع من حزيران الجاري، ردات فعل كثيرة أعادت طرح مسالة المهاجرين الإسلاميين الشائكة في البلاد.
لا يمكن فهم هذا البيان بالكامل من دون العودة إلى بيان سبقه، صدر في العاشر من أيار الماضي، إثر حملة قامت بها قوات الأمن الداخلي على تجمعات الأوزبك في محافظة إدلب أدت إلى اعتقال أكثر من عشرين منهم. وتوترت الأجواء مما استدعى تدخل مسؤول العلاقات في وزارة الدفاع عبد الحميد سحاري (أبو عبدو طعوم) بوجود عبد العزيز أوزبك، قائد لواء المنضوين من هذه القومية في الفرقة 84 التي تضم أجانب.
في البيان الأول، الذي أصدره أوزبك مستقلون، قالوا إنهم اجتمعوا مع عبد العزيز الذي أكد لهم ما سبق وأن ما قاله طعوم من أن عليهم الانضمام إلى وزارة الدفاع تحت طائلة النظر إليهم على أنهم «دواعش» في حال الرفض، واتخاذ ما يعنيه ذلك من إجراءات الملاحقة في حقهم. وقال البيان إن استهداف مئات المهاجرين لأنهم لا ينتمون إلى الجيش ظلم، وإنهم لا يطلبون سوى أن يعيشوا في أمان، مقتصرين في نشاطهم على «طلب العلم والتجارة».
وفي حين أظهر البيان الأول افتراقاً في صفوف الأوزبك، بين المستقلين وبين المنتمين إلى وزارة الدفاع الذين كانوا قبلاً في «هيئة تحرير الشام»؛ فإن الثاني يقول إن كثيراً من الأخيرين يفكرون في ترك الوزارة لئلا يشاركوا في الظلم الذي تمارسه قواتها على المهاجرين والسوريين على حد سواء. وإنهم يريدون المضي في طريقهم بشكل مستقل بعيداً عن «الجماعات المنظمة»، لكنهم عندما أفصحوا عن رغبتهم تلك تعرضوا للضغوط والمضايقات. ولذلك يطلب هذا البيان من الأنصار (السوريين) أن يدعموا المهاجرين المستقلين، وألا يصدّقوا الاتهامات والافتراءات بأنهم مجرمون أو دواعش، وأن يقفوا في وجه احتمال تسليمهم إلى حكومات بلدانهم.
لا تظهر في البيانين، إذاً، معالم خلاف آيديولوجي ربما كان موجوداً في الباطن. وليس فيهما تهديد بالتمترس في قوة متمردة. بل إن ما يطرحانه حل ربما يكون الأمثل لقضية المهاجرين، وهو تحولهم إلى مدنيين ينشغلون بما أرادوا من شؤونهم الشخصية، وربما يحصلون على إقامات أو جنسيات وفق الأنظمة المرعية عموماً.
ومن المعروف أن وجود المهاجرين في الجيش وفي أجهزة الحكومة، وبعضهم بمناصب عليا، أثار شقاقاً بين السوريين منذ تعيين (ترفيع) ستة منهم إلى مناصب قيادية (عميدان وأربعة عقداء) عقب التحرير. فيرى قطاع واسع من السكان، ولا سيما من استُبعد من المشاركة في بناء «الدولة»، أن هذا الأمر مرفوض بالكامل لأنه يستهين بالسيادة الوطنية ويغيّر هوية البلاد نحو الاتجاه الإسلامي المتشدد. أما حاضنة الحكم الحالي، المتداخلة مع جمهور الثورة، فترى في المهاجرين إخوة في العقيدة والدماء أكثر من سوريين آخرين كانوا يقصفونهم بالبراميل المتفجرة، أو يؤيدون ذلك.
تقول هذه الحاضنة إنه ليس من المقبول أن يكون جزاء من «قدموا لنصرتنا» هو تسليمهم لأنظمة بلدانهم حيث سيلاقون السجون أو الإعدامات. وتوافقهم السلطة التي تضيف، عند حديثها مع السياسيين الغربيين على وجه الخصوص، أن «استيعاب» المهاجرين من قبلها، هي الخبيرة بهم من أيام إدلب، هو الضامن لمنع تحركهم في أطر جماعات جهادية مستقلة أو استقطابهم من داعش التي بادرت صحيفتها الرسمية «النبأ»، في افتتاحية العدد الصادر في 14 من أيار الفائت، إلى استغلال الموقف، محرضة المقاتلين الأوزبك، وسواهم من «الأعاجم» في سوريا الجديدة، على التوبة والتبرؤ من ولاءاتهم السابقة والالتحاق بصفوف «الدولة الإسلامية» المزعومة.
لا يستطيع المرء أن يتبيّن لماذا يبدو المهاجرون المستقلون، المدنيون، الفرادى، أخطر من الموجودين في وزارة الدفاع، مسلحين، كتلة واحدة، يتمتعون بتغطية رسمية وشرعية حكومية؟ ولماذا قد يكون الأولون لقمة سائغة لداعش فيما يحظى الآخرون بحصانة منها؟
ربما يرجع ذلك، في الحقيقة، إلى المراهنة الكبيرة للسلطة على دور «إدارة التوجيه المعنوي» في وزارتي الدفاع والداخلية، ومؤخراً الاستخبارات، في صناعة جنود يفصّلهم المرشدون المعنيون على مقاس سياسات القيادة، فينزعون منهم التطرف ويعززون الانضباط والولاء للتراتبية في إطار إسلامي وسطي نسبياً. غير أن هذه الإدارة ما تزال قيد البناء والتجريب، ولا يمكن الوثوق بنتائج أعمالها في هذه المرحلة. فضلاً عن أن الهيئات المشابهة لم تمنع ظهور المنشقين في كل أنحاء العالم بدوله المستقرة، فما بالك بالحالة السورية بتعقيداتها.
يبدو أن المهاجرين المستقلين الأوزبك، وسواهم من المستقلين، وجدوا الحل الذي يرضي جميع الأطراف؛ الوفي لهم والرافض لوجودهم من السوريين، والمتوجس من خطرهم من الحكومات الغربية، ومن تسللهم إلى بلدانهم من السلطات الشرقية. ففي تحولهم إلى سكان طبيعيين، أو مواطنين عاديين، يحظون بالأمان المطلوب والوثائق اللازمة، خاصة وأن بعضهم تزوج سوريات قبل سنوات، وتعلّم اللغة وأتقن اللهجة المحلية واندمج جزئياً في المجتمع، لا سيما العرب منهم.
لا يقتضي تكريم إخوة السلاح أن يظلوا يحملونه إلى الأبد! وفي دولة تصرّح صباح مساء أنها لا تريد الحرب مع أحد خارج الحدود، وتملك جيشاً تجاوز تعداده المائة ألف من المؤسسين الأوائل (الفصائل) ومن دورات التطوع التي تشهد إقبالاً كبيراً. مما يطرح السؤال عن مبرر التمسك ببضعة آلاف من المقاتلين الأجانب أصلاً.
