روزا ياسين حسن – كاتبة وروائية سورية
في الذكرى السنوية لمجازر الساحل لنتذكّر آلاف الضحايا الذين لم يتحوّلوا إلى رموز… أطفال ونساء وشيوخ ورجال، ضحايا منسيّون تمّ قتلهم لأنهم علويون،..
لم تكن صور الستّ أمّ أيمن الثكلى أمام جثث أبنائها الثلاثة في قرية قبو العوامية بريف اللاذقية، أو اللقاء مع العمّ أبو سليمان، الشاهد على اقتلاع قلب ابنه في قرية الرصافة غرب مصياف، مجرّد تفاصيل في مجازر إبادية حصلت بحقّ العلويين/ات في “آذار الأسود” 2025، بل أقرب إلى عناصر في نظام تمثيل رمزي يشارك في بناء ذاكرة جمعية.
الجماعات عادة لا تتذكّر الماضي كتفاصيل دقيقة، بل كما يُعاد تنظيمه داخل أطر رمزية تمنحه معنىً قابلاً للتداول والاستمرار. ضمن هذا الإطار، تتحوّل “سنديانة الساحل” من أمّ مكلومة، إلى رمز يختصر كلّ الأمّهات في المجزرة وسط انهيار كامل للحماية، وصرختها “فشرتو” ترسّخ ذاكرة متجسّدة للألم والظلم، ويتحوّل العمّ أبو سليمان، من أب فُجع بمقتل ابنه إلى شاهد حيّ يختصر كلّ الآباء، تُلقى على كاهله وظيفة حمل السردية، وحرقة بكائه وتفاصيل وجهه إلى جزء مثبّت في الوجدان الجمعي، لا كخيار شخصي ربما، ولكن كدور تمثيلي أساسي.
مع مرور الوقت أُضيفت رموز أخرى إلى سردية الإبادة في الساحل السوري، في ظلّ من استباحة للعلويين/ات وحيواتهم وممتلكاتهم وأعراضهم. الطفل إبراهيم شاهين من حرف بنمرة في ريف بانياس مثلاً، قُتل مع والده وجدّه على يد عناصر من الفصائل التابعة لوزارة الدفاع، أوّل أيّام العيد في شهر نيسان/ أبريل 2025.
شكّل الطفل “المزنّر بخيطان”، رمزاً أخلاقياً كثيفاً: طفل فقير قُتل وهو يرتدي بنطالاً مشدوداً بخيوط بدل الحزام، لا لشيء إلا لأنه علوي. الطفل حمزة حسين “طفل الخبز” كذلك، الذي تمّت إهانته وتخويفه وإجباره على التبرّؤ من طائفته، من قِبل عناصر من الأمن العامّ أواخر العام 2025، وهو في طريقه إلى البيت حاملاً أرغفة الخبز، تحوّل إلى رمز آخر: طفولة مستباحة خائفة ومهمّشة.
الذاكرة بين اللا-العدالة وإعادة إنتاج الجرح
هذه الصور أو الفيديوهات، التي تمّ توثيق معظمها بأيدي مرتكبي الجرائم، تعمل على إنتاج معنى سياسي وأخلاقي جمعي، تتحوّل صورة يومية لطفل فقير مع ربطة خبز، ولطفل مع خيوط تمسك بنطاله، إلى رموز لحياة هامشية لم تحمِ أصحابها، بل كشفتهم أكثر أمام العنف والتطرّف، أطفال يعاقبون لا لشيء فعلوه، بل لانتمائهم الطائفي.
وفقاً لمقاربات العنف الرمزي، فإن الإذلال هنا لا يقلّ أهمّية عن الأذى الجسدي، بل يشكّل جزءاً من بنية المجزرة نفسها، حيث يُستهدف المعنى الاجتماعي للجسد قبل الجسد ذاته. عبر تكرار هذه الصور وتداولها، تتشكّل ذاكرة جمعية لا تقوم على التسلسل الزمني للأحداث، بل على أيقونات تمثيلية تختصر الجماعة في مشاهد محدّدة، تتحوّل الضحيّة المحدّدة أو المُعرَّفة مع الوقت إلى مرجع رمزي ثابت للفهم والتأويل.
غير أن هذا التثبيت الرمزي، رغم كونه أداة مقاومة للنسيان، يطرح سؤالاً إشكالياً: هل يفتح الطريق نحو العدالة عبر حفظ الذاكرة، أم يكرّس هويّة جمعية محكومة بإعادة إنتاج الجرح، بحيث يصبح الألم والظلم والاستباحة والشعور بالخطر الدائم من إبادة أخرى محتملة، مفردات اللغة الأساسية التي تُعرِّف الجماعة نفسها من خلالها؟
سيناريو المجزرة الذي لا يُنسى
في الذكرى السنوية لمجازر الساحل لنتذكّر الضحايا الذين لم يتحوّلوا إلى رموز. أطفال ونساء وشيوخ ورجال، ضحايا منسيّون تمّ قتلهم لأنهم علويون، وفقط بسبب ذلك، ضمن سلسلة مجازر إبادية عامّة استمرّت ما يقرب من 5 أيّام، اشترك فيها نحو 12 فصيلاً ووحدة ولواء، جميعها منضوية تحت مظلّة القيادة العسكرية التابعة لوزارة الدفاع في الحكومة المؤقّتة، وعناصر من قوّات الأمن العامّ التابعة لوزارة الداخلية، بالإضافة إلى جموع من المدنيين المسلّحين الذين أتوا من مختلف مناطق البلاد إلى الساحل، ليشاركوا في آلية القتل بعد دعوات النفير العامّ.
السيناريو في هذه المجازر متشابه إلى حدّ مذهل، في ما يقارب الاثنين والأربعين نقطة على الأقلّ، تمتدّ من شمال اللاذقية إلى جنوبها مروراً بجبلة وريفها وبانياس وريف طرطوس وحتى الريف الغربي لحماة. يتكرّر المشهد كأنه نسخ متطابقة من الرعب: جثث ملقاة على الطرقات، ممدّدة على جانبي الأزقّة، رؤوس ممزّقة بالرصاص، وجوه مشوّهة بالنار، بينما البيوت والمحلّات محروقة بالكامل، والسيّارات تحوّلت إلى هياكل من حديد. حارات مدمّرة، جدران مثقّبة بالرصاص، بقع دماء على الأرض ومداخل البنايات، وهواء مثقل برائحة الحرق والموت.
الصمت المهيمن يكسره صراخ الأمّهات وعويلهن فوق جثث أحبابهن، وأطفال مصدومون بعيون مبحلقة، وقد عانى الكثير منهم لفترات طويلة من كوابيس أو تبوّل لا إرادي أو خرس فجائي. هناك أشخاص يركضون بين الأنقاض بأيدٍ مرتجفة، يقلّبون الجثث وبقايا الدمار ويبحثون يائسين عن أيّ أثر لأحبائهم.
كلّ هذه المشاهد المتكرّرة بالشكل نفسه، شكّلت لوحة من الرعب متكاملة غير قابلة للنسيان، وجعلت الفجيعة مأساة جماعية، حاضرة في كلّ نفس، لا تُنسى ولا تُمحى من الذاكرة. تماماً كما كان شكل المجزرة متشابهاً إلى حدّ التطابق أحياناً: سُئلت الغالبية العظمى من الضحايا عن طائفتهم قبل القتل؛ من تبرّأ من انتمائه نجا! أُعدموا برصاصات في الرأس، تمّت تصفية الأولاد أمام أمّهاتهم والأهالي أمام أولادهم، في بعض المناطق قُتلت عوائل بكاملها، كما حُرقت جثث ضحايا ومُنع ذووهم من دفنهم لأيّام، قبل أن يُلفوا ببطانيات ويُدفنوا في مقابر جماعية، فوق رأس كلّ جثمان وضعوا قطعة بلوك مرتجلة عليها الاسم وتشير إلى مكانه.
ثمّة جثمان لشخص كان لديه حياة، كما لديه عائلة وأحباب وذاكرة. في بعض الأماكن أخرج القتلة الناس من بيوتهم إلى الحقول، وصفّوهم هناك بالرصاص، في بعض الأماكن على أسطح البيوت، وفي أماكن أخرى أمام البيوت أو داخلها.
في معظم مناطق المجازر اعتقد الأهالي أوّلاً أن هناك تمشيطاً للمنطقة للبحث عن السلاح، لذلك التزموا بيوتهم. معظمهم اعتقد ألا سبب للخوف، فلا يوجد سلاح هنا ولا مسلّحون. قرّر بعضهم أن يترك البيوت ويفرّ إلى البساتين والبراري، حين أتتهم أخبار المجزرة التي تقترب وتفاصيل ما حدث لجيرانهم من فظائع. ثمّة بيوت دخل القتلة إليها وأصحابها ليسوا فيها، لا مال ولا ذهب ليسرقوه، فصاروا يفتحون جرار الغاز ثم يخرجون ويرمون القنابل إلى الداخل كي يحترق البيت بالكامل.
السؤال المتكرّر أيضاً حدّ التطابق، كان ما طرحته الأمّهات والآباء وهم يحتضنون صور أحبابهم: لماذا قتلوهم؟ هل هؤلاء الأبرياء فلول؟ هل يحملون أسلحة؟!! ما من جواب، ضمن سردية مزيّفة تبنّتها سلطة الجولاني سياسياً: بأنها تحارب “فلول نظام الأسد”، لتبرير المجازر بحقّ العلويين.
نمط الخوف الجماعي
فكرة تكرار السيناريو في مجازر الساحل، تبدو أخطر من المجزرة نفسها أحياناً، فحين تتكرّر المأساة بالطريقة ذاتها تتحوّل إلى نمط، وعندما تصبح المجزرة نمطاً تتحوّل إلى ذاكرة خوف جماعي. التكرار يجعل الحدث مقصوداً، والمقصود يصنع سردية طويلة الأمد، والسرديات الطويلة هي ما تشكّل مستقبل المجتمعات.
يتشابه المشهد وتتشابه الحكايات قرية بعد أخرى وحيّاً بعد آخر، حينها يتكوّن إدراك بأن ما حدث كان رسالة، وهذا يعمّق شعور الهويّة المهدَّدة: نحن مستهدفون. الذاكرة الجمعية لا تحفظ الحدث فحسب، بل تحفظ الطريقة/ النمط، ومن هنا يُعاد تعريف المكان، فالقرى الجميلة تصبح جغرافيا المجزرة، الجغرافيا نفسها تُحمّل بالمعنى، ويصبح الانتماء إليها مرتبطاً بالفجيعة، فذاك الطريق العامّ الذي أتى منه القتلة، على سبيل المثال لا الحصر، سيبقى في المخيّلة طريقاً خطراً جالباً للموت، وصوت التكبيرات سيستدعي بشكل أوتوماتيكي الرعب الذي مهّد للمجزرة، وحتى شهر آذار/ مارس ارتبط زمنياً بالفجيعة، شهر يحتفل فيه العلويون عادة بعيد النوروز وعيد خضر إلياس، يخلق ازدواجية في الشعور بين الاحتفال والحداد، وتحوّل ذاكرة المجازر رمزية هذا الشهر بين الربيع/ الأمل والمأساة/ الفقد.
تنتقل الصدمة بشكل تلقائي عبر الأجيال، فالأطفال الذين شهدوا القتل أو سمعوا عنه سيحملونه في حكاياتهم، الطفل الذي رأى أمّه أو أباه يُقتلان، أو سمع القصّة تتكرّر لا يعيش “حادثة”، بل يعيش انكسار عالمه: انهيار العالم الآمن، ومع الزمن تتحوّل الحكاية إلى سردية تأسيسية لجيل كامل حتى لمن لم يشهدوا الحدث، سردية قائمة على انعدام الثقة بالآخر المختلف، وهنا الاختلاف طائفي، وشعور مبكر بالتهديد الوجودي وغضب مكبوت يعمل على تشكّل الهويّة عبر الألم، والهويّة هنا لا تُبنى على الثقافة أو العادات، بل على فكرة النجاة من الإبادة، مستحضرة تاريخاً متجذّراً في اللاوعي الجمعي عن ظلم واضطهاد وإبادات قديمة تعرّض لها العلويون قبل أجيال.
مع الزمن تتحوّل الصدمة إلى هويّة سياسية، من مرحلة الذاكرة الحيّة حيث الحدث ما يزال جرحاً مفتوحاً إلى مرحلة السردية الجماعية، حين تتكثّف القصّة في جملة بعد سنوات: “ما حدث في آذار الأسود”! تختفي التفاصيل بالنسبة إلى الكثيرين/ات، ويبقى المعنى السياسي والرمزي العميق: الاستهداف، الظلم، الغدر، الاستباحة وإمكانية مستمرّة للإبادة.
أما مرحلة التوظيف السياسي فستأتي بالتأكيد إذا لم تُخلق عدالة أو اعتراف وطني شامل، الخوف والألم العميق سيتحوّلان لتعزيز التماسك الداخلي ضدّ “الآخر”، ولتغذية خطاب حماية الهويّة، فالهويّة التي تُبنى على الفجيعة تصبح هويّة دفاعية، ومن رأى الموت سيكبر في داخله سؤال: ما الذي قد يمنع من تكرار ما حدث مرّة أخرى وربما مرّات؟
في السنوية الأولى لمجازر “آذار الأسود” 2025، نستعيد ذكرى من صاروا رموزاً للمجزرة، ومن رحلوا لكنّ أسماءهم بقيت في الظلّ، من عُرفت حكاياتهم ومن سُرقت منهم حتى حكاياتهم. نستعيدهم كي لا يتحوّل الدم الذي سُفك إلى صمت، وكي لا يتحوّل الضحايا إلى أرقام، فهم وجوه وأسماء وأرواح اقتُلعت من الحياة بلا ذنب، بعضهم تحوّل إلى رموز، لكنّ الكثير منهم ومنهن يرقدون اليوم في مقابر جماعية، لم تمنحهم السردية ولا الكاميرات ولا الإعلام رفاهية الخلود في توثيقات المجزرة.
موقع درج